عقيدة الشذوذ الشيطانية

د- عبد الناصر سكرية

لم نكن بحاجة لفضائح جيفري إبستين لنعرف مدى الانحطاط الأخلاقي الذي يعاني منه الغرب ” الديمقراطي ” ” العلماني ” ” المتحضر “..
فضائح إبستين ليست أكثر انحطاطا وإجراما مما فعلته دول الاستعمار الغربي الرأسمالي المجرم بدءا من أول البرتغال مرورا بفرنسا وبريطانيا وصولا إلى الولايات المتحدة والكيان الصهيوني..
ليست فضائح إبستين بغريبة على تلك النخب صاحبة المال والنفوذ والسلطة والتي تفتقد لأي حس إنساني أو إلتزام أخلاقي أو إيمان ديني يمكن أن يشكل لها رادعا ولو في أدنى مواصفاته أو إمكانية أن يحملها على التفكير السوي ولو لبرهة جزئية من الزمن..المسألة ليست في أساسها سوء تربية أو سلوكا فرديا ..إنها ظاهرة عامة عقائدية تتكامل في أبعادها كل المقومات الفكرية والثقافية والسلوكية التي تجعل منها متسقا متكاملا يبرر بعضه بعضا وكل حلقة منه تقود إلى ما تحتها والنتيجة إضطراب عقلي وسلوكي لا تنفع فية أية أوصاف حيوانية وحشية وإجرامية..
ليست ظاهرة تتصل بالمستوى المتقدم من السلطة والنفوذ والرفاهية بما يؤدي بها إلى هذه الإنحرافات الشاذة جدا والتي لا تتسق مع أي مسلك بشري أو حيواني أو حتى شيطاني..
إنها نتيجة طبيعية للأسس الفكرية العقائدية التي تقوم عليها المادية الرأسمالية ..
أسس عقائدية متكاملة مترابطة وهي
1 – الليبرالية الفردية التي لا تعترف بالإنسانية كجماعة بشرية تضبط علاقاتها قيم من أخلاق  أو أية ضوابط أخرى من أي نوع سوى النزوع الفردي نحو مصلحة الفرد المباشرة..
2 – العلمانية اللا دينية التي تستبعد الإيمان الديني وضوابطه الأخلاقية والإجتماعية من حياة البشر فلا تقيم لها وزنا ولا تعترف لها بدور أو فعالية عملية..
3 – الرأسمالية كمنهج إقتصادي يقوم على إعتبار مصالح الفرد المادية هي المحرك للعمل والتطور والإقتصاد أو ما يسمونه إقتصاد السوق ..تعتقد أن عمل الفرد لتحقيق مصالحه المادية هو أساس التقدم وحينما يعمل كل فرد على تحقيق مصالحه الذاتية تتحقق مصالح مجموع الأفراد تلقائيا ويأتي السوق الرأسمالي ليوازن اي خلل ممكن وتتطور الحياة وتتقدم..
4 – المكيافيللية كأسلوب عمل يوجه السياسة والإقتصاد والسلوك :
” الغاية تبرر الوسيلة ” ..
فلا حدود ولا ضوابط ولا قيود سوى المنفعة الشخصية دون إعتبار لأية  قيمة إنسانية ..
وهكذا نشأت وتطورت ” حضارة ” الغرب المادية الفردية العلمانية..ومع كل ما أنتجته من تقدم تقني وعلمي مذهل ؛ إلا أنها وظفته بهدف خدمة مصالحها المادية المباشرة..ولما كانت الرأسمالية نظاما يسعى للكسب المادي وللمزيد من الكسب الدائم المتراكم ؛ وإستنادا إلى فرديتها وليبراليتها وعلمانيتها ؛ فقد أباحت لذاتها عقلا إستعماريا إجراميا تدميريا لا هم له سوى السيطرة على الأسواق ونهب مواد البشر أيا كانوا وأينما كانوا ثم إستخدامهم وتحويلهم إلى مستهلكين لما تنتج وإغراقهم في مزيد من الإستهلاك بعد أن تسقط عنهم أية سمات إجتماعية تفرض لهم هوية وحقوقا وتمايزا وضرورات وحاجات.. فتحولهم إلى قطعان من المستهلكين الغرائزيين الذين لا هم لهم سوى المتعة الغريزية الآنية..
وحينما إستطاعت الرأسمالية إزاحة الإيمان الديني من حياة الناس ؛ إنطلقت بكل ما تملم من بأس وقوة وبطش ونزعة فردية للتملك والربح ؛ ومنذ أيامها الأولى ؛ إنطلقت تعمل لتقويض ملامح الأمم والشعوب والمجتمعات لتستعمرها وتنهب خيراتها ومواردها وعقولها ثم تبيعها ما تنتج لتستهلكه دون حدود..فكان الأستعمار بكل ما فيه من قتل وحشي وتدمير إجرامي لكل ما يعترض طريق هيمنته ؛ سمة ملازمة للعقل الغربي الأوروبي أولا ثم الأمريكي..
وحينما تكشفت جرائم الأستعمار ونهضت أمم وشعوب وحاربتهم طلبا للحرية والأستقلال ؛  أضافوا إلى فكرهم  العقائدي الإستعماري بعدا دينيا لإخفاء مقاصدهم الخبيثة فكانت ما يسمى   الصهيونية ” المسيحية ” ثم الصهيونية ” اليهودية – وكلاهما كان تزييفا في الحقائق الدينية ونسبة معتقداتهم المشبوهة إلى الدين ذاته وهو منها براء – وكان إغتصاب فلسطين خطوة متقدمة في سبيل إدامة سيطرتهم ونهبهم للوطن العربي والعالم الحر ثم تمهيدا لإبقاء خداعهم وهيمنتهم على عقول أبناء بلادهم ..
إنطلاقا من هذه الأسس العقائدية ومصارفها التاريخية الإستعمارية كانت الوحشية الإجرامية التدميرية أبرز سماتهم السلوكية يبررونها بما تحت أيديهم من قوة مادية هائلة وما في عقولهم من عقائد فردية مادية نفعية إستهلاكية علمانية..
وبالعودة إلى فضائح جيفري إبستين ؛ فإنها لا تخرج عن هذا السياق المتوحش الشاذ الذي يجيز كل شيء للحصول على غرائب المتعة الغرائزية التي تبيحها ما يمتلكون من قوة وسلطة ونفوذ بعد أن إستنفذوا كل وسائل المتعة الممكنة والرفاهية الفائقة والهيمنة المطلقة ..
هذه السلوكيات الشاذة الغريبة إنما هي ذروة التقدم على طريق إمتلاك أسباب القوة وعوامل القهر والنفوذ اللا محدود والسلطة اللا نهائية ؛  مستندة إلى العقل الإستعماري الذي كان قد وصل إلى ذروة غاياته الوحشية بالإمبريالية كأعلى مراحل الإستعمار..
لا يعني كل هذا أن كل إنسان غربي ليبرالي أو مؤمن بالرأسمالية هو حكما هكذا ؛ وإنما وبالضرورة فكل صاحب سلطة ونفوذ وموقع نخبوي سياسي أو سلطوي في ذاك النظام الإستعماري الإمبريالي  سيصل إلى هذا المنحدر الإنحطاطي بحكم عقيدته ومنطلقاته الفردية المادية وإنعدام القيم الأخلاقية الإنسانية والدينية..
لم نكن بحاجة إلى فضائح إبستين لنعرف أن الإمبريالية الإستعمارية لا حدود لفسادها وإجرامها وشذوذها ..
أليست جرائمهم في فلسطين وغزة أفظع من أفظع فظائع إبستين وزبانيته المنحرفة الضالة ؟
أليس ما فعله الكيان الصهيوني من قتل ممنهج وتدمير متعمد وإبادة جماعية وتدمير المراكز الطبية والمستشفيات وقتل الصحافيين وقنص الأطفال والمسنين والمدنيين أفظع مما فعله إبستين ؟
ألم تكن جرائم بني صهيوني برعاية تامة ومشاركة ميدانية من سادة أميركا وبريطانيا وسواها من الدول ذات العقل الإستعماري الإمبريالي ؟وهم يشاهدون مباشرة ما تفعله أياديهم الملطخة بدماء الأبرياء !!..
عودة إلى تاريخ الإجرام الغربي الإستعماري في كل البلاد التي دخلوها مستعمرين أم إقتصاديين أم نخب أم مؤسسات دولية تذكر لمن نسي أو يتناسى ؛ بما إرتكبوه من فظائع وحشية وقتل ملايين البشر بكل عنجهية وإستعلاء وإدعاء الديمقراطية وحقوق الإنسان ؟؟
وهل ما إرتكبه الإستعماريون الفرنسيس في الجزائر العربية أقل فظاعة من فظائع نخب إبستين المنحرفة ؟ هل قرأتم عما إبتكره عقل الفرنسيس من وسائل قهر وتعذيب وقتل لأبناء شعب الجزائر الأبي ؟؟
إسألوا شعوب أفريقيا وما أجرموه بحقهم وكم من الملايين قتلوا وقهروا وإستعبدوا !!!..
إبحثوا في تاريخ بريطانيا ” العظمى وما فعلته من إجرام غير مألوف أو معروف حتى في عالم الوحوش المفترسة والأبالسة الشياطين !!!.
وكذا كل دولة غربية إستعمرت بلدا إلا وقتلت ودمرت وفظعت بالجرائم والتنكيل والذبح والتعذيب والقتل بأساليب لا تخطر على بال إبليس ذات نفسه.. !!!.
أليست أمريكا أصلا كيان قام على إبادة الملايين وإرتكاب كل أنواع الجريمة بحق المدنيين أهل البلاد الأصليين ؟؟
أوليس تبرير الشذوذ بما أسموه ” المثلية ” مقدمة متلازمة مع مثل هذه الفظائع النخبوية ؟؟
خلاصة القول أنها جرائم الإستعماريين المتكاملة منذ أن تحكموا وهيمنوا إلى اليوم الذي يتساقطون فينهارون وهو ما لم يعد ببعيد..إنهيارهم ليس كأفراد فقط بل كمنظومة متكاملة تحول إجرامها وشذوذها إلى عقيدة شيطانية ..وما الشيطان إلا كل ما يفسد حياة البشر وسويتهم الإنسانية والأخلاقية..
آن الأوان لتتخلى نخب عربية منبهرة بالغرب الاستعماري تحت شعارات الحداثة والعلمانية والليبرالية وسواها؛ عن أوهام التحديث على طريق الرأسمالية المتوحشة والمفترسة..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى