
استمرارية الأديان والمذاهب في الحياة الإنسانية، هى تعبير عن البحث في الشرط الإنساني، وتفسيرًا للوجود، وبحثًا عن المعني بين ثنائية الحياة والموت ومابعدهما. من ثم هي بحثُ عن اليقين لضمان استمرارية الحياة، والعمل والكدُ الإنساني من أجل الوجود المادى، سواء أكانت الأديان والمذاهب سماوية، أو وضعية.
الاستمرارية التاريخية للأديان ومليارات البشر الذين يؤمنون بها، نتاج التجارب الإيمانية والعقائدية للجموع الغفيرة المؤمنة بها، وأيضًا لعلاقة كل دين ومذهب بالتطورات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية فى كل مرحلة تاريخية، وهو ما فرض تحديات على العقل الديني، والمؤسسات الدينية، فى تقديم بعضهم داخلها سردية جديدة حول المقدس والمدنس والعقائد المرتبطة بهذا الدين والمذهب أو ذاك. بعضدالسرديات التاريخية تتناسل داخل بنيات هذه الإجابات الجديدة ، سندًا ومرجعية للإجتهادات الجديدة لإثبات انها في تفسيرها، وتأويلها متسقًُة مع النص المقدس، وسردياته التفسيرية الوضعية! من ثم التجديد الفقهي واللاهوتى وتظائرهما في الأديان الأخرى ضرورة من ضروريات مواكبة التغيرات السياسية والاجتماعية والتقنية أيا كانت فى كل مجتمع، وفى العالم، وبعض هذا التجديد قد يتحول إلى مذهب على نحو ما تم فى المسيحية الغربية، بين الأرثوذكسية، والكاثوليكية، والبروتستانتية.
شكلت البروتستانتية نقطة تحول مع مارتن لوتر، وكالفين وما بعدهما فى محاولة تحرير المسيحية من بعض الإرث المذهبي التاريخي للسلطات الدينية الكاثوليكية، والأرثوذكسية، وتقديمها سردية جديدة تحولت إلى المذهب البروتستانتي -وجماعته المتعددة اللاحقة-، وذلك من خلال التفاعل مع التطورات في بنية الرأسمالية الليبرالية، ودعمت القيم الأساسية لها، كالإدخار، والتراكم، والعقلانية ثم القيم السياسية لليبرالية التمثيلية، وهو ما فتح الباب واسعًا أمام تطور النموذج الغربي في ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.
فى أثناء الحرب الباردة، والمد التاريخي للأفكار الماركسية مع الاتحاد السوفيتي، والكتلة الشيوعية، وعالم ما بعد الكولونيالية في العالم الثالث، شكلت هذه التحولات تحدياً للكنيسة الكاثوليكية التي استجابت، من خلال المجمع الفااتيكاني الثاني وحواراته اللاهوتية ومن ثم انفتح على الأديان والمذاهب الأخرى، بل وغير المتدينين، وكان نقطة تحول أدت إلى حركية اللاهوت الكاثوليكي، وظهور حركات لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية وأفريقيا، وآسيا.
التجربة الإسلامية، اتخذت مسارات مغايرة، لأن غالب المجتمعات العربية، كانت واقعة تحت نير الاستعمار الغشوم -العثماني ثم الغربي-، ومن ثم كانت في حالة تخلف تاريخي مركب، ومعقد، ومن ثم تأثر العقل الدينى النقلى الوضعى بهذه الحالة التي أدت إلى الحفاظ على السرديات التفسيرية، والتأويلية للنص المقدس تعالي وتنزه ، والسنة النبوية المشرفة ، ومصادر نظام الشريعة، وأيضا موروث علم الكلام ومقولاته لدي كبار الكبار من القلة من رجال الدين.
النزعة النقلية الاتباعية، كانت سياجاً للحفاظ على أصول الدين، وتوافقت نسبيا مع وضعية التخلف الحضاري في ظل الاستعمار. كانت أصوات التجديد محدودة، وأجهضت من داخل المؤسسات الدينية التابعة للسلطان المتغلب في فقه الجمهور السني. كان التأويل الديني، والموروث النقلى الوضعي موظفًا في خدمة السلطة والحاكم أيا كان اسمه، ووسمه!
يركز كُثر على وضعية الجمود الفقهى، والأفتائى والدعوى في ظل الحكم الاستعماري الاحتلال، ويتناسون الدور الذي لعب الدين ومؤسساته وجماعاته في مواجهة الاحتلال الفرنسي، والبريطاني، والإيطالي، على أهمية هذا الدور ، في إنماء الوعى بضرورات الاستقلال، إلا أنه كان يرتكز على الموروث النقلي، وتوظيفه فى إنتاج، وإعادة إنتاج حالة التدين الجماعي، والتماسك داخل الجموع الإسلامية السنية الغفيرة فى مواجهة المستعمر، وايضا لإعادة إنتاج هيمنة رجال الدين على الجماعة المؤمنة. ضالوجه الآخر لنزعة السيطرة، هو التصدي لأية محاولات للتجديد الفكري الدينى، ومحاصرتها!
مع مدرسة الإمام محمد عبده، كانت هناك محاولات جسورة للتجديد الدينى، من خلال التفاعل مع وضعية المجتمع المصري أثناء بناء الدولة الحديثة، وحركة البعثات إلى أوروبا، وتطوير التعليم في ظل ثنائية التعليم المدني الحديث، والتعليم الدينى الأزهري، وبناء هياكل الدولة المصرية، وفي ذات الوقت دمج الاقتصاد المصري -تجارة القطن- فى الاقتصاد الدولي الرأسمالى آنذاك، ومن ثم ضرورة تطوير بنيات قانونية حديثة، ترتبط بالتطورات القانونية في أوروبا. لا شك أن هذا التوجه نحو التحديث السلطوي والمادي للقيم، وللقانون، كان جزءا من سياسة إسماعيل باشا، الذي طور ما بدأة والده محمد على إزاء بعض قواعد الشريعة الحديّة .
لم يأخذ إسماعيل باشا، بما قام به الشيخ خليفة المنياوي -بناءاً على طلب الخديو- من إعداد تقنين مدني على المذهب الحنفي، على نسق التقنين المدني الفرنسي.
من هنا لم تستطع المؤسسة الأزهرية التطوير الداخلي النسبي لها، خاصة بعد إلغاء نظام الالتزام في عهد محمد علي، وخضوعها لسلطة الدولة، وفي مواجهة ذلك ازدادت النزعة النقلية لدى علماءها، لتماسكها إزاء السلطة.
الدور الوطني للأزهر، ثم ظهور الجماعات السلفية والإخوان لمسملين في العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين أدى إلى استخدام السياسة البريطانية الدين في مواجهة حركات التحرر الوطني، وحزب الوفد في مصر، وفي غيرها من البلدان العربية، ثم تجاه العالم الإسلامي بعد ذلك، وهو أساس السياسات الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، في المنطقة العربية، ضد حركات التحرر الوطني الناصرية، والبعثية، وصولا إلى الحرب فى أفغانستان، لمواجهة الحركات الاشتراكية والماركسية، والاتحاد السوفيتى السابق، ومن ثم دعمت القاعدة، ثم داعش، وانقلبت عليهم، ودعمت حركات الإسلام السياسي في أثناء وبعد الربيع العربي في مصر، وتونس، واليمن ، وسوريا مؤخرًا.
يمكن القول نسبيا أن أحد أسباب عدم تجديد الفكر الديني الإسلامى، يرجع ايضاً إلي بعض مكونات السياقات الدولية والإقليمية مثل توظيف بعض دول النفط الثرية لهذه الجماعات في مواجهة الناصرية، وبعد حرب أكتوبر 1973 فى مصر وافغانستان، وسوريا ما بعد انهيار حكم البعث، كجزء تابع للسياسات الأمريكية، والبريطانية.
من ثم تم تدعيم الاتجاهات الإيديولوجية الإسلامية السياسية النقلية والسلفية. الأخطر أن الأنظمة العربية السلطوية والاستبدادية ما بعد الاستقلال وظفت الإسلام سياسيا، في نظام الشرعية السياسية، وفي أداء بعض وظائف التعبئة السياسية والاجتماعية الداخلية ، وفى سياساتها الإقليمية والدولية التابعة للمركز الإمبريالي والنيوامبريالي مابعد الحرب الباردة ، وايضا في مواجهة الجماعات الإسلامية السياسية الراديكالية في صراع وحروب التأويلات الدينية النقلية، واستخدمت بعض الحركات الصوفية في هذا المجال لدعم إسلام الجموع الغفيرة وضبطها ، خاصة أن هذه النظم الاستبدادية والتسلطية لا تستند على القيم السياسية، وقواعد وآليات الديمقراطية التمثيلية، ومن ثم علي الإرادة العامة للشعب.
السياسات الدينية السلطوية، لم تهتم قط بمسألة الحرية الفردية، والحريات العامة، والمجتمع المفتوح على حريات التدين والاعتقاد، والتعبير، والبحث، والمبادرات الفردية والجماعية الحرة، ومن ثم ظل الفكر الديني النقلى التابع للسلطة محاصرًا داخل المؤسسات الدينية، وأدى ذلك إلى تمدد الفكر السلفي والإخواني والراديكاليات الدينية داخل المؤسسات الدينية، ونظامها في التعليم الديني بين الطلاب ونسق تعليمي يرتكز علي الحفظ والتكرار والاجابات الجاهزة لا علي الأسئلة والأنفتاح علي تطورات العلوم الاجتماعية واسئلة المجتمع . من ثم وجد الفكر الديني المحافظ والمتشدد بيئة صالحة لنموه وتمدده داخل التعليم الديني، والمدني، وفي وسط المعلمين، والموظفين العموميين ! هذا الاتجاه الديني النقلى والشعبويات الدينية ، والسياسات الدينية السلطوية العربية، كان مناهضا لمفهوم الحرية، والمساواة، والإخاء الإنساني، والعدالة، واحترام الآخر أيا كان دينه ومذهبه، ومن ثم ساهم في تماسك الأغلبية، ، وتفكك وهشاشة المكونات الأخرى في المجتمع، والدولة والوطنية الهشة ما بعد الاستقلال.
كانت الحريات العامة والفردية قبل الاستقلال في مصر أحد حوافز الفكر الديني نحو الاجتهاد، والتجديد في مدرسة الإمام محمد عبده وتلامذته، المشايخ الكبار الأعلام مصطفى المراغي، ومحمود شلتوت استاذنا الجليل، ومحمد عبد الله دراز وصولا للإمام الأكبر الأستاذ د. أحمد الطيب الذي يواجه في جهد جهيد إرثًا ثقيلا في ظل ظروف مؤسسية متراكمة، ويحاول التعامل معها بحكمة واقتدار، وانفتاح على نحو ما أنجز في صعوبة في المرحلة الماضية. لا تجديد في الفكر الديني في عالمنا العربي دون حريات وانفتاح على أسئلة المجتمع، والعصر، والمستقبل الذي يحملُ نذر تغيرات نوعية مؤثرة على العقل والفكر الديني، ومن ثم تحتاج إلى رؤى مختلفة واجتهادات جسورة ورصينة لما هو سائد ومسيطر.
المصدر: الأهرام



