في الرومانسية الاقتصادية للمعارضة التركية

إسلام أوزكان

لم يكتفِ حزبُ الشعب الجمهوري، أكبرُ حزبٍ معارضٍ في تركيا، في مؤتمره العام العادي التاسع والثلاثين، نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بتجديد مقعد الرئاسة العامة فحسب، بل جدَّد أيضاً برنامجه الذي يُعتبر بمثابة “دستور” الحزب. أثارت خطوةُ التجديد هذه أصواتاً متباينةً من مختلف الجبهات الأيديولوجية؛ فبينما اعتبرها بعضهم “عودةً إلى الديمقراطية الاجتماعية”، أدانها آخرون باعتبارها “تكريساً للتحوّل نحو اليمين”. ولكن، بعيداً عن التصنيفات الأيديولوجية، يظلّ السؤال الجوهري الذي يجب أن يطرح: هل يستطيع هذا البرنامج وهذه الكوادر كسرَ البنية السياسية المتصلِّبة في تركيا وحملَ الحزب إلى السلطة؟ أم أن المعارضة ستهمّش مرةً أخرى صوتها عبر ترديد شعار “الأولوية هي التخلّص من هذه السلطة، الآن ليس وقت النقاش الأيديولوجي”؟
هناك سرديةٌ سائدةٌ في جبهة المعارضة التركية منذ أمدٍ بعيد، وهي صورةُ “القدّيسين العلمانيين” الذين يحرقون أنفسهم من أجل الوطن، والمتجرِّدين من الطموحات الشخصية كافّة. هذه السردية تطالب الناخبَ بالولاء المطلق والتبعية السلبية؛ إذ يُفرض عليه دورٌ محدَّدٌ وواضح: “صفِّقوا لقدّيسينا مهما فعلوا (حتى لو ناقضوا ما قالوه بالأمس) واذهبوا إلى صناديق الاقتراع يوم الانتخابات أدواتٍ سلبيةً، وأعطوا أصواتكم للمعارضة”. هذه الحالة ليست حكراً على تركيا وحدها؛ ففي علم الاجتماع السياسي، هناك مفهومٌ يُعرف بـ”المرونة الأخلاقية الحزبية” يفسِّر كيف يميل الناخبون في المجتمعات المُستقطَبة إلى تبرير الانتهاكات والخطايا الصادرة عن معسكرهم السياسي بسهولة. وحزبُ الشعب الجمهوري يحاول منذ سنوات صهرَ ناخبيه في بوتقة “معاداة أردوغان” عبر هذه المرونة الحزبية. لكن هذا الأسلوب، الذي اعتُمِد في عهد دنيز بايكال على خطاب “إنقاذ النظام”، وفي عهد الرئيس السابق للحزب كليجدار أوغلو على “إنقاذ الديمقراطية”، انتقل في عهد الرئيس الجديد أوزغور أوزيل إلى مرحلةٍ مختلفة تتمثّل في ادّعاء: “نحن أيضاً نستطيع الإدارة”.
تحمل فترةُ أوزيل نيةً لبناء سياسةٍ “عضوية” تضع بناءَ قدرات الدولة والعدالةَ الاجتماعية في المركز. ولكن هنا تكمن مفارقةٌ هائلة: فبينما نرى توجّهاً عضوياً يحاول الاندماج مع المجتمع في الخطاب، نجد أن هيكلية الكوادر لا تزال محكومةً بعلاقاتٍ نخبويّة “غير عضوية” ومنقولة من الخارج. هذا “المظهر المزدوج” يترك سؤالاً معلَّقاً: هل يبني الحزب قوةً اجتماعيةً حقيقيةً أم مجرّد صورةٍ دعائية/ واجهة؟
السلطة تعاقب الطبقةَ الوسطى العلمانية في المدن الكبرى بضرائبَ باهظة
يسعى خبراءُ الاقتصاد في حزب الشعب الجمهوري هذه الأيام إلى تقديم “قصةٍ جديدة ومصاغة بدقة” للدوائر المالية الدولية. يدّعي هذا الفريق أن تدفّق رؤوس الأموال الأجنبية إلى تركيا لن يكون ممكناً إلا من خلال سيادة القانون والثقة المؤسّسية. لكن هذا النهج يبدو رومانسيةً “نيوليبرالية” توقّفت عقاربُ ساعتها عند عالم ما قبل 20عاماً. بين 2003 و2008، التي اتسمت بـ”وفرة السيولة العالمية”، كانت رؤوس الأموال تتدفّق إلى كل مكانٍ يَعد بالديمقراطية. أمّا اليوم، فالاقتصاد العالمي يمرّ في مرحلةٍ مختلفة تماماً؛ فنحن في عصرٍ تسوده “الانكفاءة” التي تحدّدها السياسات الحمائية، والاستقلالية الاستراتيجية، والتنافس الأميركي – الصيني. واليوم، لا يبحث رأس المال عن الديمقراطية بقدر ما يبحث عن الأجور المنخفضة، والنقابات المُقيَّدة، والانسجام الجيوسياسي.
تقريرَ صندوق النقد الدولي أخيراً، الذي صادق فيه على البرنامج الاقتصادي لوزير المالية محمد شيمشك، بل وأوصى بمزيدٍ من الضغط على الأجور، ينسف معادلةَ حزب الشعب الجمهوري القائلة بـ”إذا جاء القانون جاء المال”. فالمؤسّسات الدولية والغرب ليسوا منزعجين من تآكل المؤسّسات في تركيا بالقدر الذي يُتخيَّل؛ ما يهمهم هو “العائد” و”القدرة على التنبّؤ”. وبناءً عليه، فإن انفتاح الحزب اقتصادياً بهذا الشكل ينطوي على مخاطرةٍ بالفشل، لأنه يأتي في التوقيت الخاطئ؛ فبينما يتّجه العالم نحو “القومية”، قد يؤدّي توجّه الحزب نحو “العولمة” إلى تذرُّره وتلاشيه.
تفترض المعارضة أن الأزمة الاقتصادية تضرب الجميع بالتساوي، وأن هذه الأزمة ستسقط السلطة تلقائياً. لكن سلطةَ أردوغان خبيرةٌ في توزيع الأزمة والرفاه على حدٍّ سواء وفقاً لـ”سلوك الناخب”. فالسلطة تعاقب الطبقةَ الوسطى العلمانية في المدن الكبرى بضرائبَ باهظة (على الكحول، والعطلات، والاستهلاك الفاخر)، بينما تحاول إبقاء قاعدتها الانتخابية في الأطراف والأرياف فوق سطح الماء من خلال زيادات الحدّ الأدنى للأجور والتحويلات العامة.
تنظيم الغضب الشعبي تجاه الإبادة الإسرائيلية في غزّة يمنح حزبَ الشعب الجمهوري الطاقةَ السياسية
البيان الأهم الذي يجب أن نراقبه هنا ليس الأرقامَ الاقتصاديةَ الكلية، بل “مؤشّرَ ثقة المستهلك”. تُخبرنا البيانات التاريخية أن حزب العدالة والتنمية فاز في الانتخابات كلّها التي تجاوز فيها هذا المؤشّر حاجزَ 90 نقطة، بينما تضرّر بشدّة في انتخابات 2009 و2019 و2024 المحلّية، حين نزل المؤشّر إلى ما دون 90 نقطة. وفي الوقت الذي تراجع فيه المؤشّر إلى نحو 79% خلال العملية الانتخابية المحلّية للعام 2024، عاد ليرتفع أخيراً إلى 85%. وهذا يثبت أن السلطة حقّقت تقدّماً ملموساً حتى قبل تفعيل “اقتصاد الانتخابات”. طالما استمرّت السلطة في تسويق قوتها العسكرية وميزاتها الجيواستراتيجية “مورداً طبيعياً” لجلب التمويل الخارجي، فهي تهدف إلى الحفاظ على هذا النموذج الاقتصادي القائم على “الأمّتين”.
تُعدّ السياسة الخارجية اليوم واحدةً من أكثر المجالات التي تُضيِّق الخناق على المعارضة. فبينما تدير السلطة كافة مساوماتها خلف ستار “سرّ الدولة” و”المصلحة الوطنية”، يُدفع بحزب الشعب الجمهوري إلى زاوية “الطرف الذي يشتكي تركيا للخارج” عندما يتواصل مع الديمقراطيين الاجتماعيين في الغرب.
كسرُ هذا الاختلال لا يكون عبر لغةٍ تكنوقراطية تخاطب الغرب، بل البديل الحقيقي يكمن في كشف علاقات التبعية التي بنتها السلطة مع دونالد ترامب أو غيره. إن تنظيم الغضب الشعبي تجاه الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزّة ضمن خطٍّ سياسي “مناهضٍ للإمبريالية” ومرتبطٍ بسياسةٍ خارجيةٍ شريفة، هو ما قد يمنح الحزبَ الطاقةَ السياسية التي يحتاجها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات

في الرومانسية الاقتصادية للمعارضة التركية
إسلام أوزكان
لم يكتفِ حزبُ الشعب الجمهوري، أكبرُ حزبٍ معارضٍ في تركيا، في مؤتمره العام العادي التاسع والثلاثين، نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بتجديد مقعد الرئاسة العامة فحسب، بل جدَّد أيضاً برنامجه الذي يُعتبر بمثابة “دستور” الحزب. أثارت خطوةُ التجديد هذه أصواتاً متباينةً من مختلف الجبهات الأيديولوجية؛ فبينما اعتبرها بعضهم “عودةً إلى الديمقراطية الاجتماعية”، أدانها آخرون باعتبارها “تكريساً للتحوّل نحو اليمين”. ولكن، بعيداً عن التصنيفات الأيديولوجية، يظلّ السؤال الجوهري الذي يجب أن يطرح: هل يستطيع هذا البرنامج وهذه الكوادر كسرَ البنية السياسية المتصلِّبة في تركيا وحملَ الحزب إلى السلطة؟ أم أن المعارضة ستهمّش مرةً أخرى صوتها عبر ترديد شعار “الأولوية هي التخلّص من هذه السلطة، الآن ليس وقت النقاش الأيديولوجي”؟
هناك سرديةٌ سائدةٌ في جبهة المعارضة التركية منذ أمدٍ بعيد، وهي صورةُ “القدّيسين العلمانيين” الذين يحرقون أنفسهم من أجل الوطن، والمتجرِّدين من الطموحات الشخصية كافّة. هذه السردية تطالب الناخبَ بالولاء المطلق والتبعية السلبية؛ إذ يُفرض عليه دورٌ محدَّدٌ وواضح: “صفِّقوا لقدّيسينا مهما فعلوا (حتى لو ناقضوا ما قالوه بالأمس) واذهبوا إلى صناديق الاقتراع يوم الانتخابات أدواتٍ سلبيةً، وأعطوا أصواتكم للمعارضة”. هذه الحالة ليست حكراً على تركيا وحدها؛ ففي علم الاجتماع السياسي، هناك مفهومٌ يُعرف بـ”المرونة الأخلاقية الحزبية” يفسِّر كيف يميل الناخبون في المجتمعات المُستقطَبة إلى تبرير الانتهاكات والخطايا الصادرة عن معسكرهم السياسي بسهولة. وحزبُ الشعب الجمهوري يحاول منذ سنوات صهرَ ناخبيه في بوتقة “معاداة أردوغان” عبر هذه المرونة الحزبية. لكن هذا الأسلوب، الذي اعتُمِد في عهد دنيز بايكال على خطاب “إنقاذ النظام”، وفي عهد الرئيس السابق للحزب كليجدار أوغلو على “إنقاذ الديمقراطية”، انتقل في عهد الرئيس الجديد أوزغور أوزيل إلى مرحلةٍ مختلفة تتمثّل في ادّعاء: “نحن أيضاً نستطيع الإدارة”.
تحمل فترةُ أوزيل نيةً لبناء سياسةٍ “عضوية” تضع بناءَ قدرات الدولة والعدالةَ الاجتماعية في المركز. ولكن هنا تكمن مفارقةٌ هائلة: فبينما نرى توجّهاً عضوياً يحاول الاندماج مع المجتمع في الخطاب، نجد أن هيكلية الكوادر لا تزال محكومةً بعلاقاتٍ نخبويّة “غير عضوية” ومنقولة من الخارج. هذا “المظهر المزدوج” يترك سؤالاً معلَّقاً: هل يبني الحزب قوةً اجتماعيةً حقيقيةً أم مجرّد صورةٍ دعائية/ واجهة؟
السلطة تعاقب الطبقةَ الوسطى العلمانية في المدن الكبرى بضرائبَ باهظة
يسعى خبراءُ الاقتصاد في حزب الشعب الجمهوري هذه الأيام إلى تقديم “قصةٍ جديدة ومصاغة بدقة” للدوائر المالية الدولية. يدّعي هذا الفريق أن تدفّق رؤوس الأموال الأجنبية إلى تركيا لن يكون ممكناً إلا من خلال سيادة القانون والثقة المؤسّسية. لكن هذا النهج يبدو رومانسيةً “نيوليبرالية” توقّفت عقاربُ ساعتها عند عالم ما قبل 20عاماً. بين 2003 و2008، التي اتسمت بـ”وفرة السيولة العالمية”، كانت رؤوس الأموال تتدفّق إلى كل مكانٍ يَعد بالديمقراطية. أمّا اليوم، فالاقتصاد العالمي يمرّ في مرحلةٍ مختلفة تماماً؛ فنحن في عصرٍ تسوده “الانكفاءة” التي تحدّدها السياسات الحمائية، والاستقلالية الاستراتيجية، والتنافس الأميركي – الصيني. واليوم، لا يبحث رأس المال عن الديمقراطية بقدر ما يبحث عن الأجور المنخفضة، والنقابات المُقيَّدة، والانسجام الجيوسياسي.
تقريرَ صندوق النقد الدولي أخيراً، الذي صادق فيه على البرنامج الاقتصادي لوزير المالية محمد شيمشك، بل وأوصى بمزيدٍ من الضغط على الأجور، ينسف معادلةَ حزب الشعب الجمهوري القائلة بـ”إذا جاء القانون جاء المال”. فالمؤسّسات الدولية والغرب ليسوا منزعجين من تآكل المؤسّسات في تركيا بالقدر الذي يُتخيَّل؛ ما يهمهم هو “العائد” و”القدرة على التنبّؤ”. وبناءً عليه، فإن انفتاح الحزب اقتصادياً بهذا الشكل ينطوي على مخاطرةٍ بالفشل، لأنه يأتي في التوقيت الخاطئ؛ فبينما يتّجه العالم نحو “القومية”، قد يؤدّي توجّه الحزب نحو “العولمة” إلى تذرُّره وتلاشيه.
تفترض المعارضة أن الأزمة الاقتصادية تضرب الجميع بالتساوي، وأن هذه الأزمة ستسقط السلطة تلقائياً. لكن سلطةَ أردوغان خبيرةٌ في توزيع الأزمة والرفاه على حدٍّ سواء وفقاً لـ”سلوك الناخب”. فالسلطة تعاقب الطبقةَ الوسطى العلمانية في المدن الكبرى بضرائبَ باهظة (على الكحول، والعطلات، والاستهلاك الفاخر)، بينما تحاول إبقاء قاعدتها الانتخابية في الأطراف والأرياف فوق سطح الماء من خلال زيادات الحدّ الأدنى للأجور والتحويلات العامة.
تنظيم الغضب الشعبي تجاه الإبادة الإسرائيلية في غزّة يمنح حزبَ الشعب الجمهوري الطاقةَ السياسية
البيان الأهم الذي يجب أن نراقبه هنا ليس الأرقامَ الاقتصاديةَ الكلية، بل “مؤشّرَ ثقة المستهلك”. تُخبرنا البيانات التاريخية أن حزب العدالة والتنمية فاز في الانتخابات كلّها التي تجاوز فيها هذا المؤشّر حاجزَ 90 نقطة، بينما تضرّر بشدّة في انتخابات 2009 و2019 و2024 المحلّية، حين نزل المؤشّر إلى ما دون 90 نقطة. وفي الوقت الذي تراجع فيه المؤشّر إلى نحو 79% خلال العملية الانتخابية المحلّية للعام 2024، عاد ليرتفع أخيراً إلى 85%. وهذا يثبت أن السلطة حقّقت تقدّماً ملموساً حتى قبل تفعيل “اقتصاد الانتخابات”. طالما استمرّت السلطة في تسويق قوتها العسكرية وميزاتها الجيواستراتيجية “مورداً طبيعياً” لجلب التمويل الخارجي، فهي تهدف إلى الحفاظ على هذا النموذج الاقتصادي القائم على “الأمّتين”.
تُعدّ السياسة الخارجية اليوم واحدةً من أكثر المجالات التي تُضيِّق الخناق على المعارضة. فبينما تدير السلطة كافة مساوماتها خلف ستار “سرّ الدولة” و”المصلحة الوطنية”، يُدفع بحزب الشعب الجمهوري إلى زاوية “الطرف الذي يشتكي تركيا للخارج” عندما يتواصل مع الديمقراطيين الاجتماعيين في الغرب.
كسرُ هذا الاختلال لا يكون عبر لغةٍ تكنوقراطية تخاطب الغرب، بل البديل الحقيقي يكمن في كشف علاقات التبعية التي بنتها السلطة مع دونالد ترامب أو غيره. إن تنظيم الغضب الشعبي تجاه الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزّة ضمن خطٍّ سياسي “مناهضٍ للإمبريالية” ومرتبطٍ بسياسةٍ خارجيةٍ شريفة، هو ما قد يمنح الحزبَ الطاقةَ السياسية التي يحتاجها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى