
منذ الثامن من كانون الأول 2024، تتصاعد الشكاوى الواردة من قرى ريفي القنيطرة ودرعا وبلدات بيت جن في ريف دمشق، بشأن اعتقالات نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي طالت مدنيين سوريين في مناطق حدودية.
وبين شهادات مفرج عنهم، وتحركات قانونية دولية، وتوصيفات حقوقية تصل إلى حد الحديث عن “اختفاء قسري و”مخالفات جسيمة” لاتفاقيات جنيف، تتكشف ملامح ملف معقّد يطول اليوم أكثر من 43 معتقلاً سورياً، بينهم قاصر لا يزال دون سن الثامنة عشرة.
من خمسين إلى 43 معتقلاً
بحسب أحمد الموسى، محامٍ يعمل في توثيق الاعتقالات الإسرائيلية بحق السوريين ويتابع الملف منذ أشهر، فإن العدد الإجمالي للمعتقلين السوريين لدى سلطات الاحتلال بلغ في مرحلة سابقة خمسين معتقلاً، قبل أن يُفرج عن سبعة منهم خلال الأسابيع الماضية.
ويقول الموسى، في حديث خاص لموقع تلفزيون سوريا، إن أربعة من المفرج عنهم أُطلق سراحهم قبيل وصول لجنة تقصّي حقائق إلى القنيطرة الشهر الماضي، في حين أُفرج عن ثلاثة آخرين قبيل انعقاد جلسات فريق العمل المعني بحالات الاختفاء القسري في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، التي جرت بين 26 و30 كانون الثاني/يناير الماضي.
ويوضح أن عدد المعتقلين الحاليين يبلغ 43 شخصاً، أربعة منهم كانوا قاصرين عند اعتقالهم، ولا يزال أحدهم قاصراً حتى اليوم.
ويضيف أن 39 من هؤلاء اعتُقلوا بعد تاريخ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، في حين تعود اعتقالات أربعة منهم إلى ما قبل هذا التاريخ.
شهادة من داخل سجن “سيدي تيمان” في إسرائيل
في موازاة هذه الأرقام، تداول ناشطون وصحفيون عبر مواقع التواصل الاجتماعي إفادة شاهد أُفرج عنه مؤخراً بعد احتجازه لمدة شهرين وخمسة أيام، قال فيها إنه التقى داخل سجن “سيدي تيمان” في منطقة بئر السبع بنحو 50 معتقلاً سورياً، بينهم ثمانية من بلدة بيت جن بريف دمشق، وسبعة من محافظة درعا، و35 من محافظة القنيطرة.
وتعزز هذه الشهادة المخاوف بشأن نقل معتقلين من الأراضي السورية إلى داخل إسرائيل، وهو ما يثير إشكاليات قانونية دولية تتعلق باتفاقية جنيف الرابعة.
“جهد فردي” لتحريك ملف مهمل
المحامي أحمد الموسى، الذي يتابع الملف، يقول إنه بدأ العمل عبر التواصل المباشر مع أهالي المعتقلين في المناطق الحدودية وتوثيق أسمائهم وبياناتهم، قبل أن يفوضه معظمهم لتحريك القضية التي وصفها بأنها كانت “مهملة على الصعيدين المحلي والدولي”.
ويشير إلى أنه تواصل مع جهات دولية عدة، بينها مجلس حقوق الإنسان، ولجنة التحقيق الدولية المستقلة الخاصة بسوريا، ولجنة الاختفاء القسري، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، إضافة إلى منظمات حقوقية تعمل داخل أراضي الاحتلال مثل منظمة “هموكيد”، وكذلك منظمة العفو الدولية.
وبحسب قوله، جرى إعداد أضابير خاصة لكل معتقل وإحالتها إلى لجنة الاختفاء القسري، التي باشرت التواصل مع سلطات الاحتلال بانتظار رد رسمي حول أماكن الاحتجاز والوضع القانوني لكل معتقل، وما إذا كان قد صدر بحقه أي حكم.
كما تم، بالتعاون مع منظمات حقوقية داخل إسرائيل، توكيل محامين للدفاع عن المعتقلين، في خطوة يقول المحامي إنها أسهمت في الإفراج عن السبعة الذين أُطلق سراحهم مؤخراً، مع استمرار العمل للإفراج عن البقية.
بعثة تقصٍّ واجتماع أممي
ويؤكد الموسى أن الضغط الحقوقي والتواصل المستمر مع الجهات الدولية أفضيا إلى إرسال بعثة تقصّي حقائق إلى القنيطرة في شهر كانون الأول الماضي، حيث التقت بعدد من أهالي المعتقلين، كما خُصص اجتماع في مجلس حقوق الإنسان لبحث قضية المعتقلين السوريين.
ويضيف أن الجهات الأممية تواصلت مع سلطات الاحتلال، متوقعاً ورود معلومات رسمية خلال الفترة المقبلة بشأن أوضاع المعتقلين وظروف اعتقالهم.
تحقيقات “الخريطة” والضغط النفسي
في سياق متصل، سبق أن روى شاب من قرية جباتا الخشب في ريف القنيطرة الجنوبي، أُفرج عنه بعد احتجازه لساعات لدى جيش الاحتلال، تفاصيل ما جرى معه داخل غرفة التحقيق.
وقال الشاب لموقع تلفزيون سوريا إن قوة إسرائيلية مؤلفة من سبعة عناصر دهمت المكان واقتادته مع ثلاثة شبان آخرين بعد تغطية أعينهم إلى موقع يُعتقد أنه قاعدة عسكرية داخل سوريا، حيث صودرت هواتفهم وبدأ التحقيق معهم.
وأوضح أن ضابط التحقيق وضع خريطة أمامهم وطلب تحديد أماكن سكنهم وسكن أقاربهم، ثم انهالت الأسئلة حول أعمالهم وأعمال عائلاتهم وجيرانهم ومواقفهم خلال الثورة السورية، وما إذا كانوا موالين للنظام المخلوع أم معارضين له.
وبحسب شهادته، ركزت الأسئلة بشكل خاص على أي ارتباط محتمل بحزب الله أو إيران، أو معرفة أشخاص يعملون لصالحهما، إضافة إلى طلب رأيه في التدخل الإيراني في سوريا.
ويقول الشاب إن من يُعتبر “حيادياً” يُفرج عنه بعد ساعات، في حين لا يُطلق سراح من يُشتبه بتورطه في نشاط سياسي أو ميداني لصالح أي طرف.
وقد أُفرج عنه بعد نحو سبع ساعات، في حين بقي مصير الشبان الثلاثة الذين اعتُقلوا معه مجهولاً بالنسبة إليه.
وتتقاطع المعلومات التي ذكرها المحامي أحمد الموسى عن تفاصيل الاحتجاز وأسئلة التحقيق مع ما رواه أحد الشبان المعتقلين لموقع تلفزيون سوريا في شهر أيلول/سبتمبر الماضي، لكن الموسى أكد أن تهم الاعتقال لا تتعلق بأسئلة التحقيق، إذ وثّق حالات اعتقال لشبان كانوا معتقلين سابقين لدى نظام الأسد المخلوع، وبعد الإفراج عنهم في يوم التحرير جرى اعتقالهم من قبل الاحتلال الإسرائيلي بعد أسابيع قليلة.
“أشخاص محميون” بموجب القانون الدولي
من الناحية القانونية، يرى المحامي والمختص في القانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني، في حديث لموقع تلفزيون سوريا، أن المدنيين المقيمين في أراضٍ واقعة تحت الاحتلال يُعدّون “أشخاصاً محميين” بموجب اتفاقية جنيف الرابعة.
ويشير إلى أن المادة 27 من الاتفاقية تنص على احترام الأشخاص المحميين وكرامتهم، في حين تجيز المادة 78 لدولة الاحتلال اتخاذ تدابير أمنية، كالاعتقال الإداري، فقط لأسباب أمنية قهرية وبضمانات وإجراءات محددة.
أما المادة 76، فتوجب احتجاز الأشخاص المحميين داخل الإقليم المحتل إذا جرى احتجازهم، مع توفير الضمانات الإجرائية. ويؤكد الكيلاني أن نقلهم إلى أراضي دولة الاحتلال يُعد محظوراً بموجب المادة 49، التي تحظر النقل القسري أو الترحيل الفردي أو الجماعي للأشخاص المحميين من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولة الاحتلال.
ويضيف أن النقل غير المشروع يُعتبر “مخالفة جسيمة” بموجب المادة 147 من الاتفاقية، ما يرتب مسؤولية جنائية فردية.
بين الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري
وإلى جانب القانون الدولي الإنساني، يوضح الكيلاني أن قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان تظل سارية بالتوازي في أثناء الاحتلال، مستشهداً بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تحظر مادته التاسعة الاعتقال التعسفي، وتوجب إبلاغ المحتجز بأسباب القبض عليه وتمكينه من الطعن أمام قاضٍ.
ويرى أن أي احتجاز بلا أساس قانوني واضح، أو دون ضمانات إجرائية فعالة، أو بشكل تمييزي، قد يُعدّ اعتقالاً تعسفياً.
ويذهب أبعد من ذلك بالقول إن الحالة الراهنة قد ترقى إلى مستوى “الاختفاء القسري” وفق الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، التي تعرفه بأنه اعتقال أو احتجاز على أيدي موظفين رسميين يعقبه رفض الاعتراف بالحرمان من الحرية أو إخفاء مصير الشخص أو مكان وجوده.
ويشير إلى أن توافر عنصري الحرمان من الحرية وإنكار أو إخفاء المصير أو مكان الاحتجاز يضع الشخص خارج حماية القانون، وهو ما ينطبق – بحسب قوله – على عشرات الحالات الموثقة.
41 حالة موثقة
ويقول الكيلاني، وهو مدير ومؤسس مؤسسة “من حقي”، إن المؤسسة وثّقت اختفاء 41 مواطناً سورياً منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، بعد التواصل مع الأهالي في المناطق الحدودية.
ويضيف أنه لا تتوافر معلومات دقيقة عن أماكن وجودهم، مرجحاً أن يكون بعضهم في سجن سيدي تيمان وأماكن احتجاز أخرى، خاصة أن بعض المفرج عنهم تبيّن أنهم كانوا محتجزين في مواقع مختلفة.
ماذا عن المحكمة الجنائية الدولية؟
وفي ما يتعلق بإمكانية الملاحقة أمام المحكمة الجنائية الدولية، يوضح الكيلاني أن إسرائيل ليست طرفاً في نظام روما الأساسي، كما أن سوريا ليست طرفاً كذلك، ما يخلق عقبة اختصاص إقليمي أو شخصي.
ويبين أن المحكمة يمكن أن تمارس اختصاصها إذا كانت الدولة المعنية طرفاً، أو إذا أحال مجلس الأمن الوضع إليها، أو إذا قُبل الاختصاص وفق المادة 12(3) من نظام روما. ومن دون إحالة من مجلس الأمن، يبقى تحريك الدعوى أمراً بالغ التعقيد.
ومع ذلك، يشير إلى أن نظام روما يعرف في مادته السابعة الجرائم ضد الإنسانية، ومنها الاضطهاد عندما يُرتكب كجزء من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد سكان مدنيين، مع العلم بذلك الهجوم، مؤكداً أن إثبات الطابع الواسع أو المنهجي والسياسة الممنهجة عنصر حاسم في هذا السياق.
دور اللجان الدولية.. وحدودها
وحول دور اللجان الدولية، يوضح الكيلاني أن لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا توثق الانتهاكات وتصدر تقارير علنية وتحفظ الأدلة لدعم المساءلة، لكنها لا تملك سلطة قضائية لإصدار أوامر إفراج.
أما اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فتعمل بولاية إنسانية لزيارة المحتجزين ومراقبة ظروف احتجازهم وتسهيل الاتصال بالعائلات عبر حوار سري مع السلطات، من دون إعلان نتائج علنية عادة.
في المقابل، ترصد لجنة الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري تنفيذ اتفاقية 2006، ويمكنها طلب إجراءات عاجلة لتحديد مصير المختفين، لكنها أيضاً لا تملك سلطة إلزام قضائي مباشر بالإفراج.
ومع ذلك، فإن التقارير والتوصيات الصادرة عن هذه الجهات يمكن أن تُستخدم للضغط الدبلوماسي، أو كأساس لإجراءات قضائية وطنية، بما في ذلك الولاية القضائية العالمية في بعض الدول، خاصة في حال ثبوت “مخالفات جسيمة” لاتفاقيات جنيف.
المصدر: تلفزيون سوريا






