موائد ناقصة.. ما مصير نساء سوريات رُحـّل أزواجهن من مصر؟

مع اقتراب شهر رمضان، تتبدل أولويات آلاف الأسر السورية المقيمة في مصر؛ الطعام والإيجار، ومصاريف المدارس، والاستعداد لشهر يفرض التزامات إضافية على ميزانيات هشة أصلا.
هذا العام، تظهر فئة جديدة من الأسر في واجهة القلق المعيشي، نساء سوريات تُركن مع أطفالهن بعد ترحيل أزواجهن خارج مصر إلى سوريا خلال الأسابيع الماضية، دون مصدر دخل ثابت أو خطة واضحة للعودة أو الاستقرار.
هذا التقرير يتناول ما تغير في حياة هذه الأسر، وكيف انعكس عمليا على تفاصيل يومهم، بالاستناد إلى شهادات نساء متضررات ومعلومات من محيطهن الاجتماعي.
سوريات من دون معيل.. ما الذي تغير ومتى؟
خلال الشهر الأخير، بدأت تظهر حالات ترحيل لرجال سوريين كانوا يقيمون في مصر، معظمهم بسبب أوضاع قانونية غير مستقرة، وآخرون نتيجة إجراءات أمنية أو إدارية مفاجئة، بحسب إفادات أقاربهم. في عدد من هذه الحالات، بقيت الزوجات والأطفال في مصر، إما لعدم قدرتهم على السفر فورا، أو لعدم توفر المال، أو بسبب ارتباط الأطفال بالمدارس.
سلام (اسم مستعار)، 34 عاما، تقيم في مدينة السادس من أكتوبر، تقول لموقع تلفزيون سوريا، “رحلّوا زوجي منذ أسبوعين تقريبا، بعد أن اعتقل لمدة أسبوعين أيضا لأن إقامته لم تعد سارية، استيقظت على اتصال يريدون مني حجز تذكرة طيران له، بعت خاتمي الذهب لأسدد ثمن التذكرة”.
تضيف سلام، “يحاول زوجي البحث عن عمل منذ وصوله إلى سوريا، ونحن هنا لم يعد لدينا أي مورد مادي بغيابه، هو كان المعيل الوحيد، والأيام القادمة تحمل الكثير من الضغوطات المادية، ولا أعلم ماذا سأفعل”.
هذه الحالة ليست فردية، وفق شهادات متقاطعة لسوريات في القاهرة والجيزة والإسكندرية، تحدثن عن ظروف مشابهة بدأت منذ نهاية العام الماضي وتسارعت خلال الأسابيع الماضية.
كيف انعكس ذلك على المعيشة اليومية؟
الانعكاس الأول كان ماليا، في معظم الحالات، كان الزوج هو المصدر الأساسي أو الوحيد للدخل، بعد ترحيله، وجدت النساء أنفسهن أمام التزامات ثابتة؛ إيجار، وفواتير ومصاريف مدارس وطعام يومي.
أم محمد (طلبت عدم ذكر اسمها)، 37 عاما، لديها ثلاثة أطفال، تقول: “قبل رمضان كنا نحسب كيف سننهي الشهر من دون ديون، وكان زوجي معنا، اليوم أنا لوحدي، صاحب البيت يطالبني بالإيجار، والأطفال يريدون الطعام، وأنا لا أملك سوى مساعدة بسيطة من الجيران”.
بحسب شهادتها، حاولت البحث عن عمل، لكن إقامة اللجوء الخاصة بها لا تمنحها تصريحا للعمل، ويمكن أن تعتقل هي أيضا، وإذا حصل هذا لا يوجد من يحجز لها تذكرة أو حتى يعتني بأولادها.
في حالات أخرى، لجأت بعض النساء إلى بيع مقتنيات منزلية بسيطة أو الاستدانة من معارف، إحدى السيدات في الاسكندرية قالت إن أول ما باعته كان هاتفها المحمول القديم، لتؤمن ثمن الطعام لأسبوع.

شهر رمضان.. زيادة في الكلفة لا في الخيارات
دخول شهر رمضان لا يعني فقط تغيير نمط الطعام، بل زيادة في المصاريف، حتى لدى الأسر التي تحاول الاقتصاد، فأسعار المواد الغذائية، من زيت وسكر وأرز وخضار، تشكل عبئا إضافيا على ميزانية شبه معدومة أصلا.
رائدة، تقيم في حي شعبي بالقاهرة، تشرح الأمر بشكل مباشر: “في الأيام العادية يمكن أن نكتفي بوجبة بسيطة، ولكن في رمضان الوضع مختلف، الأطفال يتوقعون سحورا وإفطار، أحاول أن أهيئهم للوضع الجديد بعد ترحيل والدهم، لحين أن نستطيع السفر إليه”.
هذه الشهادة لا تصف شعورا عاما بقدر ما تشير إلى تغيير عملي في نمط الاستهلاك ومحاولة التكيف مع واقع مالي جديد.
خيار العودة إلى سوريا.. لماذا ليس متاحا؟
نظريا، يبدو خيار العودة إلى سوريا مطروحا، أما عمليا، تقول معظم النساء اللواتي تحدثن إن هذا الخيار غير متاح حاليا لأسباب مالية أو لوجستية.
كلفة تذاكر السفر، حتى في حال السفر البري، تتجاوز قدرة كثير من هذه الأسر، إضافة إلى ذلك، هناك من لديه أطفال في المدارس، أو لا يملك أوراقا مكتملة، أو لا يعرف أين سيذهب داخل سوريا.
رجاء محمد تقول: “زوجي هناك، لكن لا بيت جاهز لنا، ولا عمل، ولا مال لنصل إلى هناك أصلا، نحن عالقون هنا، وهو عالق هناك”. هذه الجملة تلخص وضعا عمليا، انفصال جغرافي للأسرة من دون موارد كافية لإعادة جمعها في مكان واحد.
شبكات الدعم.. حلول مؤقتة ومحدودة
في بعض الحالات، تدخلت مبادرات خيرية صغيرة، أو أفراد من الجالية السورية لتقديم مساعدات غذائية أو مالية محدودة، لكن هذه المساعدات، بحسب من تلقوها، لا تشكل حلا طويل الأمد.
سيدة سورية مقيمة في الجيزة، قالت لموقع تلفزيون سوريا، “قدمت لي جمعية محلية ” كرتونة رمضان”، تحتوي على بعض المواد الغذائية التي بالكاد تكفي لأسبوع واحد، نتلقى بعض المساعدات، ولكن ماذا بعد، كيف سأدفع الإيجار وأطعم أطفالي، حياتنا انقلبت بلحظة واحدة، وافترقنا دون القدرة على الاجتماع في الوقت القريب”.
ما يجمع هذه العائلات السورية في مصر اليوم هو واقع محدد: غياب المعيل، والتزامات مالية ثابتة، وموارد شبه معدومة، وخيارات محدودة للغاية.
المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى