
كتابٌ سبق اسمُه وصولي إلى دمشق مُستضافاً في معرضها الدولي للكتاب، اسمُه “هل أتاك حديث الرافضة…”، يضمّ نصوص تسجيلات صوتية ألقاها “الشيخ المجاهد أبو مصعب الزرقاوي يرحمه الله”، كما هو ظاهرٌ، حرفياً، على صورة غلافه. جمع وإعداد ثغر الشامي (هل الاسم حقيقي؟)، وصدر عن دار نقش للطباعة والنشر والتوزيع (في إدلب على ما ذاع). أوصاني صديقٌ بأن آتي له بنسخةٍ من هذا الكتاب، غير أنّ أخباراً جاءت، قبل يوم من افتتاح المعرض، عن استجابة جهاتٍ مختصّةٍ في سورية لطلب المخابرات العراقية بمنعه في المعرض. وأياً يكن مدى جموح ليبراليّتك وقناعاتك بحرّية الرأي، فإنك لا بدّ ستناصر هذا القرار؛ لأن الممنوع هنا ليس كتاباً، وإنما منشوراتٌ بين دفَّتي غلافَيْن، مثقلةٌ بالكراهية، وبالدعوة إلى قتل فئةٍ من المسلمين، وهذه وتلك ممنوعتان في القانون السوري نفسه، وفي العرف الإنساني والأخلاقي من قبل ومن بعد. والسؤال هنا عن مسؤولية الجهة الرسمية المعنيّة بالرقابة، والتي تبحلق في كل كتابٍ قيد النشر، وكل مسلسل تلفزيوني قيد التصوير، لماذا مرّرت هذا المنشور وأجازت طباعته، ثم سمحت إدارة معرض الكتاب بعرضِه وبيعه؟
كان فعلاً حسناً، لا ريب، إزاحة الزرقاوي، الذي يكفّر ناساً لا يروقون له، من المعرض الذي رعى افتتاحه رئيس الجمهورية أحمد الشرع، وسمعنا منه، في حفل الافتتاح البهيج، أنّ “إعادة بناء سورية لا تنفصل عن إعادة الاعتبار للعلم والثقافة”. ومؤكّدٌ أن سورية لا تعيد الاعتبار المشتهى للعلم والثقافة، وفيها مَن يأنسون إلى إرهابيٍّ عتيد، ويتداولون كراهيّاته في تظاهرةٍ ثقافيةٍ كبرى. وإنّما بالاحتفال بمَن شوهدوا على الشاشة قدّامنا، وأنصتْنا إليهم، في محاكاةٍ بصريةٍ في حفل الافتتاح، ممدوح عدوان والمتنبّي ونزار قبّاني والمعرّي والجاحظ ومحمّد الماغوط وأبي فراس الحمداني، في عرض حواري قصير، بين جدّةٍ (أدّت دورها وفاء موصلي) وحفيدها. الجمال والحرّية والإنسانية والشجاعة والحب قيمٌ تمثلت في قصيدهم ونثرهم. أضاءوا في مجرى الأدب الإنساني، من سورية حيث انتسبوا وأقاموا، عيوناً من الإبداعات المفرحة. وفي لحظةٍ سوريةٍ تُرمى بما يشوّش على أهل الحُكم الراهنين فيها، يكون شديد الدلالة أن يحضُر نزار وعدوان والماغوط والمعرّي (وغيرهم) إشاراتٍ إلى ما يُحتاج إليها من ثقافة في سورية الغد، سورية المستقبل، سورية التي جاءت فقرةٌ غنائيةٌ في الحفل على ما مرّت بها من حضارات، وعلى ما أعطى فيها شعبُها من علوم ومعارف.
ولمّا سمعنا وزير الثقافة السوري، محمد ياسين الصالح، يقول للحفل إنّ هذا المعرض “يجسّد إيمان الدولة بالكتاب ودوره في بناء الوعي والحرّية الثقافية”، فإننا لا بدّ سنأمل الكثير من الدولة السورية بشأن تنشيط مؤسّساتها الثقافية والإعلامية باتجاه ما يعزّز قيمة الحرية، الأمر الذي يحتاج، بداهةً، انفتاح هذه المؤسّسات على مختلف الحساسيات السياسية والإبداعية السورية في الوطن والمهاجر، وعلى عموم أهل الثقافة وصنّاع الإبداعات الشعرية والمسرحية والسردية ممّن يعكسون لاسم سورية في العالم حقيقة صورتها، ضدّ ما أريد إشاعتُه عنها بلدَ تشدّدٍ وملعب احتراباتٍ أهلية، بل بلداً صاحب سهم في التنوير الثقافي والاحتفاء بالحياة، بلداً يُنصتُ طفلٌ منه أمام جمهور عام، وبحضور رئيس الدولة، إلى ممدوح عدوان، الكاتب الأجرأ، الساخر، الذي احترف نقد السلطة، أياً كانت.
ندخل إلى قاعة الحفل، ونرى، على جانبَي المدخل، علائم أخرى دالّة على سورية التي نتمنّى، حيث أسماء “عظماء سطّروا التاريخ”، وتعريفاتٌ موجزةٌ بهم: طه حسين، محمّد كرد علي، حسيب كيالي، سعدالله ونّوس، محمّد عابد الجابري، محمّد عبده، عبد السلام العجيلي، محمّد إقبال، خيري الذهبي، عبّاس محمود العقاد، مالك بن نبي، مصطفى صادق الرافعي، شكيب أرسلان، عبد الوهاب المسيري، حسن حنفي، حنّا مينة. ومع التحفّظ على غياب أيّ اسم نسائي، وأياً تكن المعيارية في انتقاء هؤلاء، لك أن تغتبط بأن المؤسّسة الثقافية الرسمية السورية تستأنس بما صنع كبارٌ من أهل الفكر والتفكير والأدب من قماشة هؤلاء. والمتمنّى أن يُلحظ هذا في سياساتٍ وخطط ومشاريع ثقافية، فالفرحة بإزاحة ممدوح عدوان الإرهابيَّ الزرقاوي لن تكتمل إذا ما تبدّت هذه الالتفاتة البديعة فعلاً عابراً احتفالياً، بل تكتمل عندما تمضي سورية إلى ما يمثله هذا الكاتب الرائق (وصحبُه)، وإلى كل ما يعترض تسلّل أي منظوماتٍ ذهنيةٍ زرقاويةٍ إلى سورية، والعياذ بالله.
المصدر: العربي الجديد





