
إن نظرة موضوعية للواقع العربي تظهر كم هو متشابك القضايا متعقد الأخطار ومتعدد التحديات..في كل مجالات الفكر والوعي والثقافة والقناعات والقيم ..إن سنوات طويلة جدا من الإحتلال الأجنبي وما نتج عنه من تخريب مجتمعي على كل المستويات ؛ ومن قهر وفساد وتبعية النظام الإقليمي ومعه تبعية وجمود المؤسسة الدينية ؛ يضاف إليها مضاعفات وآثار إغتصاب فلسطين وإقامة الكيان الصهيوني على أرضها ؛ أنتجت تنوعا كبيرا في طبيعة المشكلات التي تعاني منها المجتمعات العربية وتعقيدا في عواملها وتداخلا بارزا في إمتداداتها وتشعباتها ..ثم تناقضا ملحا في رؤية أولوياتها ومدى خطورة أي منها أو أسبقية إحداها على الأخريات..كل هذا يضع المثقفين والمهتمين بالرد على تلك الاخطار والتحديات في مواقع متباينة لا سيما لجهة ترتيب الأولويات وكيفية التعاطي معها..إن كثيرين جدا من أبناء الأمة يفكرون ويكتبون ويجتهدون ويبذلون جهودا لا بأس بها بهدف تشخيص معطيات الواقع وكيفية حل مشكلاته ..كل حسب رؤيته ومنطلقاته وخلفياته الفكرية والثقافية والنفسية..نفترض في مثل هؤلاء حسن النية وصدق الولاء والإخلاص للأمة وهويتها ومقوماتها الحضارية..نستثني من الحديث من لا يتمتع بصدق الولاء والإنتماء وحرية الرأي والقرار..فكثيرون ممن يكتبون في قضايا الواقع العربي لا يتمتعون بمثل هذه المواصفات بل ويرتهنون لشكل من أشكال النفوذ الأجنبي فيسقط عنهم الوفاء والأمانة والإخلاص فيما يكتبون..حتى أن كثيرين منهم يكتبون فيخربون ويعرقلون ويشتتون الإنتباه ويزرعون الفتنة أو يحرضون عليها ويساهمون بصناعة وعي مزيف يعرقل ولا يقدم مفيدا ؛ عن سابق معرفة وقصد وتصميم..
بعض هؤلاء أو كثير منهم تملى عليهم أفكار خبيثة من جهات غامضة فيلهثون لتسويقها وتبريرها بحجج متنوعة فينسبونها إلى العقل العربي المنغلق أو المتخلف أو الجاهل ؛ متجاهلين دور وتخريب التدخلات الأجنبية المتجذرة في البنيان السياسي منذ خمسة قرون..
نتوجه في هذا المقام بتصور يحاول ترشيد الجهود الفكرية والبحثية والكثابية للمثقفين والمهتمين بالشؤون العربية من المخلصين الأوفياء أصحاب الرأي الحر..نسعى أن نقدم عرضا لأمهات الموضوعات الاساسية التي تشكل ميدانا رحبا جدا لكل أو معظم المشكلات التي تعاني منها بلادنا وأمتنا ومجتمعاتنا..
موضوعات أساسية نرى أن تتركز الجهود الفكرية – التحليلية والنقدية – على معالجتها وتشخيصها وإجتراح أفكار عملية وميدانية للتصدي لها..
إن جهودا صادقة كثيرة تهدر في التصدي لمسائل لا تمت للواقع المعاش بصلة موضوعية أو جوهرية..
كما ان أبحاثا أخرى كثيرة أيضا تتصدى لمسائل لا يفيد بحثها في تغيير أي أمر أة تصويب أية أفكار أو التحريض على التصدي لمهمات تغيير الواقع ..
فضلا عن أن جزءا منها يشيع بلبلة ثقافية غير نقصودة تأخذ من معركة توحيد الجهود الخيرة القادرة على التغيير..
إن أهمية أي عمل بحثي أو فكري يتعلق بالواقع الحياتي ؛ تكمن في مدى قدرته على الإتصال العميق بنبض الإنسان ومعاناته الحقيقية وبالتالي ما يمتلكه أو يثيره من تفاعل أيجابي يعزز إمكانيات التغيير..
إن تكاتف القوى المعادية للمستقبل العربي لإجهاض أو وأد أي عمل عربي يهدف لبناء المستقبل الأفضل ؛ وغياب أية قاعدة رسمية لرعاية العمل العربي الهادف إلى التغيير للأفضل ؛ يترك القوة الشعبية صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير ؛ وحيدة في مواجهة أعتى القوى المعادية له والعاملة على إفشاله..لذا من الأهمية القصوى ان يتركز أي عمل شعبي – نخبوي أو سواه – على عدة امور اساسية توفيرا للجهود من البعثرة وضآلة التأثير :
أ – تركيز البحث والتفكير في المسائل الجوهرية التي تشكل أولوية في عداد سلسلة طويلة من مشكلات الواقع العربي..مسائل إستراتيجية في تأثيرها السلبي ونتائجها المعيقة والمخربة.
ب – تركيز على العمل التعاوني التكاملي من خلال المؤسسات وكل ما من شأنه جمع أكبر قدر من الطاقات الفردية حتى تصبح مؤهلة لإمتلاك قدرة ما على الفعل والتأثير كخطوات لازمة لإطلاق عملية تغيير طويلة..
وفي الظروف الحاضرة ؛ وحدها قوة العمل الشعبي التعاوني قادرة على تشكيل مركز ثقل ميداني فاعل ومؤثر..عدا ذلك فكل مصادر ومواقع القوة ؛ لا تدخل في حسابات تغيير الواقع لا بل تدخل في عرقلته وإعاقته..
لذا فإن العمل الفردي مهما علت إمكانياته لن يحل مشكلة ولو كانت صغيرة ..
ولعل القضايا التالية ؛ تشكل حسبما نرى أهم المجالات التي ينبغي التصدي لمعالجتها وتفكيك آثارها التخريبية على مستوى الوعي أولا ثم على مستوى الإهتمام والعمل :
1 – النفوذ الأجنبي وتداخلاته التاريخية المزمنة في الواقع العربي..وهي تدخلات لم تكن يوما إيجابية بل كانت ولا تزال مخربة وذات أهداف ومصالح تخريبية مدمرة..فهو المسؤول عن تعطيل القدر الأعظم من القدرات العربية : العقلية والعلمية والتنموية والإجتماعية..
2 – النظام الإقليمي الذي فرضه وأقامه التدخل الأجنبي المباشر والمتراكم والمتواصل..ولعله من الملفت أن لا نجد – إلا القليل – كتابات بحثية ونقدية عربية ؛ تشرح وتفند آثار التجزئة الإقليمية ودور النظام الإقليمي في تفكيك وتشويه وتعميق كل ما لا يمت إلى المصير العربي الواحد ؛ بأية صلة..
3 – المشروع الصهيوني وقاعدته في فلسطين المحتلة ..وما يبذل فيه ولأجله من جهود وإمكانيات عالمية لترسيخه وحمايته ورعايته على حساب كل وجود عربي وكل سعي عربي للتغيير والتحرر والتقدم ..
4 – الفكر الديني المغلق والمنقطع الصلة بالواقع ..تبثه مؤسسات دينية مرتهنة للنظام الإقليمي ذاته..تعمل في خدمته ومن وحي مصالحه وتطلعاته ؛وما يحمله ويبثه من تقاعس وتواكل وسلبية وإكتفاء بالشكل والمظاهر دون المضمون..وما يحرض عليه ويؤسس له من عصبيات إنقسامية مذهبية وطائفية..
5 – العولمة الرأسمالية وما تشكله من تهديد يومي مباشر على بنية الإنسان العقلية والنفسية والأخلاقية..حتى لتكاد تنتزع أجيالا عربية بحالها ؛ من هويتها وإنتمائها لتزرع فيها ذاتية فردية مادية إستهلاكية تهدد المستقبل العربي بجدية كبيرة..
وما كل أنواع الفساد المالي والإداري وحتى الفردي إلا إحدى نتائج تلك العوامل الأساسية الخمسة المذكورة آنفا..
وما كل مظاهر التخلف والفقر والضعف البائنة إلا مظهر من مظاهرها ونتيجة من نتائجها..
إنها أم المشكلات والتحديات والأخطار المحدقة بالمصير العربي..
إننا نرى ونهيب بالمخلصين أن يتركز جهدهم وتفكيرهم في مواجهة نتائج ومفاعيل هذه العوامل الخمسة الأساسية تحقيقا لنشر وعي يشكل أرضية متماسكة لعمل شعبي عربي فاعل ومؤثر..
إن مقارنة موضوعية بين الواقع العربي الراهن بحال مجتمعاتنا قبل نصف قرن أو أكثر ؛ تبين مدى الآثار التخريبية الخطيرة لتلك العوامل الخمسة التي ذكرناها..
لا يعني هذا أن مجتمعاتنا كانت خالية من المشاكل ؛ بل كانت أكثر تماسكا وأعمق وعيا بهويتها وإنتمائها وأكثر قدرة على العطاء النضالي والتضحية في سبيل الأهداف المشتركة..
إن الحاجة ماسة إلى عمل عربي شعبي شمولي يستند إلى رؤية متكاملة الأبعاد لكل ما يدخل في تشكيل الواقع الراهن وكل ما يحركه ويؤثر فيه أو يتحكم به..ظاهرا أو مستترا..
إن الفعالية الحقيقية للمثقف لا تأتي مما يعرفه من معلومات بل بكيفية توظيفها لتأسيس وعي عام مشترك يدفع لتغيير واقع إجتماعي أو إنساني ما..
إن قدرة المثقف الحقيقية تتمثل في مدى إدراكه لفعالية القوانين التي تحكم الظواهر الإجتماعية وتتحكم بها..ومن ثم المعرفة العميقة بالقوة أو مجموع القوى التي تحرك تلك الظواهر..القوى الحقيقية غالبا ما تكون خفية أو مستترة تختبئ خلف واجهات أو شعارات أو أدوات محلية تقدم ذاتها على أنها مستقلة وحرة فيما هي تخدم مصالح غير واضحة غالبا ، ترتبط بتلك القوى..قد تكون قوى محلية بحتة بات وجودها ومصيرها مرتهنا لقوى خارجية ذات فعالية أكبر..وقد تكون واجهات لقوى أجنبية ذات أهداف لا تريد لها أن تنكشف لعلمها أنها لا تخدم مصالح أبناء المجتمع ؛ فتسعى لتسويقها بوسائل دعائية منسقة تخفي حقيقتها..
إن المثقف الحقيقي الأصيل هو الذي يدرك بعقله النقدي أولوية مشكلات مجتمعه فيتصدى لمعالجتها واستنباط حلول عملية لها ووضعها في متناول كل إنسان ..ولا يفكر خارج إطار التزامه بمصلحة مجتمعه بما يترجم ولاءه وإنتماءه ويعبر عن هويته الحضارية..
إن المسؤولية تجاه الجماعة هي المحك لبيان صدق المثقف وحقيقة دوافعه..
المصدر: كل العرب


