المذاريب الخمسة 

عساف سلامة السلمان

حين قرر صديقي ان يخطب زوجته، لم يكن يعرف ان المراسم ستتحول الى درس في الفنون القتالية الابوية. ابتدأ الامر طبيعي: قراءة الفاتحة، اكل الجغلاطة، تبادل الابتسامات، وكأن العالم كله يحتفل معنا. كل شيء كان يسير بسلاسة… حتى وصلنا الى نقطة “التحذير الابوي”.
ابوها، رجل ذو خبرة سنتين في تربية البنات وخمس سنوات في فهم القلوب البشرية، احضر خمسة مذاريب، ورتبهم على الجدار كأنها لوحة تعليمية في مدرسة الصبر الابوي. وقال بصوت جاد: يا فلان، انظر الى تلك (المذاريب ) العصي.
نظرنا جميعا، انا وزوجتي المستقبلية، بإمعان، كأننا نحاول حل لغز الفراعنة. وابتسم ابوها وقال: هذه مقسمة حسب العمر: ابن سنة، ابن سنتين، ثلاث سنوات… وحتى الخمسة. إذا جاءتني عروسك في يوم من الايام حردانة او زعلانة… لن استخدم الاربع الاولى، فورا سأصل الى ابن خمس سنوات.
ضحكت في داخلي، وقلت: “ان شاء الله خير يا عم، لا حاجة لذلك.” لكن قلبي كان يعرف ان هذه المذاريب ليست للزينة فقط.
ومرت الايام، ومع كل مشكلة صغيرة تواجهني في الحياة الزوجية، كنت اتذكر المذاريب الخمس على الجدار. كان صمتي حاميا لقلبي، حتى جاء اليوم الذي طفح فيه الكيل. قلت لها بنبرة تهكمية: خلي ابوكي يطالع النووي… وأبرد قلبي بها.
وبعد دقائق، جاء ابوها مع ابنه، يدخلا البيت معا كأنهما فرسان عتيقون. وعند دخوله، لاحظت ان الاب يحمل الغردة، سيف صغير بالخاصة، والابن يراقب بحذر، اما اخوها، نمرة ايدو، ورجله ستة واربعون، كأداة تهديد متحركة.
ارتجفت وخريطت، وقلت في نفسي: “يا ساتر… اليوم انتهت كل الحيل!”
دخلا غرفة الضيوف وأنا أقرأ كل المعوذات، بس زوجتي ما تخبر اهلها بشيء..
بعد قليل، جاءت زوجتي معطرة ومغندرة، قبلت يد ابوها، ثم قالت لي بابتسامة ماكرة: ما بدك تغدي ضيوفنا؟
هرولت خارجا، لأحضر ذبيحة للضيوف على عجل، كأنني دخلت لعبة فيديو فيها مراحل صعبة. دعوت الجيران، كي يكونوا (حواجيز) كوسطاء سلام بيني وبين اهلها، “عند اللزوم  “.
وعندما جلست مع زوجتي وبعد أن غادر اهلها راضين وبسلام، سألتها: لماذا لم تخبري ابوكي بما حدث؟
ابتسمت، وقالت: اهلي ضيوف… وما حدث بيني وبينك، يحل داخليا.
شعرت بالخجل من نفسي، وفكرت: “ربما يجب ان اشتري لها شيء لتلطيف الاجواء.” فتوجهنا الى صائغ الذهب، واشتريت لها هدية تليق بها. ضحكت وقالت:
إذا كل مشكلة، بها ذهب… كل يوم كررها يا معود!
(المذروب: عصا غليظة تستخدم في المشاجرات الكبيرة.)

فيكخو /ابريل 15 /2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى