
يمكنك الكتابة عن الفيلم، الفاتن حقّاً، “هامنت” (بعد أن تشاهده بداهةً!)، متخفّفاً من أنه مستوحى من بعض سيرة شكسبير، سيّما وفاة ابنه هامنت (بالطاعون) في الحادية عشرة من عمره، وكتابته، على ما شاع، مسرحيّته (أو تُحفته؟) الشهيرة “هاملت” ليبثّ فيها شيئاً من أحزانه لفقده ذاك. هذا تفصيلٌ يلزم أن يكون ثانوياً. ببساطةٍ، لأن الفيلم (2025)، لمخرجته الأميركية الصينيّة كلوي تشاو، غنيٌّ بتعبيراتٍ ومعانٍ لا صلة لها بالكاتب المسرحي العتيد، وغزيرٌ بمقترحاتٍ جماليةٍ، تصرفك عن مقطعٍ وحيدٍ من حياته، فالتخييل الذي صنعت منه كاتبة الرواية التي أخذ الفيلم مادّته منها، الأيرلندية ماغي أوفاريل، يبني فضاءً مكانياً لا نُصادف شيئاً منه في أيٍّ من أعمال شكسبير، فضاءَ ريفٍ إنكليزي، كأنه غابةٌ مكتظةٌ بالأشجار ذات الأوراق الطويلة غالباً، وفيها بيوتٌ متشابهةٌ بعض الشيء، وليست متقاربة. فضاء انشغلت المخرجة بتصوير إيقاعاته، وما قد يُحدِثه من انفعالاتٍ لدى المشاهد الذي يُغادِر إلى القرن السادس عشر، وهو مشدودٌ إلى عوالم هذا العمل السينمائي الذي أتقن إيحاءاته، وجعل مادّته الأساس المشاعر وجوانيّات أبطاله، مع تصويرٍ بالغ الإدهاش، رافقت مشهدياتٍ وفيرةً فيه موسيقى تصويريةٌ على بعض البساطة، لكنها مع أصوات حيواناتٍ غير مرئيةٍ وأصوات الشجر (ورياحٍ أحياناً) في الأثناء، ومع صمتٍ يتوالى بعد أصواتٍ كأنها همس، جعلت الفيلم قيمةً فنيةً عاليةً على هذا المستوى، وقد شاركت صاحبةُ الرواية والمخرجة في كتابة السيناريو له، وبدا أنهم اشتغلوا جيّداً على روح المكان، وعلى أولوية البصري والشعوري على القصصي (حكاية حبٍّ ثم زواج ثم موت ابن الزوجين)، متوازياً مع أداء الممثلين الفائق، سيّما جيسّي باكلي التي كانت باهرةً في دور أغنيس، المحبوبة الزوجة الأم المكلومة، الحزينة، الساهمة غالباً في بحثها عن فرحٍ مشتهى، وقد بدأت تُحرِز جوائز مقدّرة عنه (منها أخيراً جائزة أفضل دور نسائي في حفل “غولدن غلوب”). وكذا بول ميسكال في دور ويل (وليام؟) الذي أجاد، إلى حدٍّ ظاهر، دور المحبّ الزوج القلق، المتمرّد (إلى حدّ ما) الذي يتحمّل قسوة والده.
نصل إلى مولد هامنت، ثم طفولته وغرامه بالمبارزة بالسيف، ثم وفاته وهو يحتضن شقيقته (توأمه)، المريضة، بعد نحو ثلث الفيلم، وربما نصفه إلا قليلاً، وقد تسأل نفسك عمن يكون هامنت هذا الذي يأخذ الفيلم اسمَه فيما هو ليس البطل الرئيس، ثم تُصبح واقعة وفاته في المنزل شبه المعتم، وحيث الإضاءات الشحيحة، في غياب والده في لندن، مركزيةً بعد أن نتعرّف إلى الزوجيْن اللذيْن تحابّا، بين الشجر والأرض السخيّة بالحميمية، وسط شتاءاتٍ وأمطار خفيفةٍ وأخرى غير خفيفة، وعلى علاقات كل منهما المرتبكتيْن بأسرتيهما، أغنيس التي توصَف بأنها “ساحرة”، وتزاول تطبيب المرضى بسحرٍ تصنعه، بوالدتها الصعبة، وويل بوالده صانع القفّازات، غليظ الطباع. لا تبدو هذه الوقائع في حكاية شابّة وشابٍّ يتصادفان في البلدة التي كأنها بلا صلةٍ بخارجها، في ريفٍ آسرٍ بطراوته وفطريّته، ثم يتزوّجان في ظروفٍ ضاغطةٍ عليهما، لا تبدو في الفيلم مقدّمةًً لفقد الابن هامنت، وإنما ليكون هذا الفقد موصولاً بشعورٍ واسعٍ، ومقيمٍ في الحبيبين، بخسرانهما الطمأنينة، الدّعة، التواؤم مع العالم، وهما الصديقان للطبيعة، للشجر وجذوعها، وللأرض وطينها. … يكتب ويل (بالريشة والدواة) نصوصاً، سنعرف لاحقا أنها مسرحياتٍ، وهو في قلقٍ وغير مرتاح. ولا نراها أغنيس ضحكت (أو ابتسمت) مرّة، أو فرحت بشيء، وإنْ عليها علائم الارتياح لمّا تحتضن ابنتيْها وولدها الذي لا تفلح في مداواته فتفقده.
السينما، أولاً وقبل كل شيء، صورة. والصورة، في صنيع كلوي تشاو، قادمةٌ من زمنٍ قبل أربعة قرون، غير أن ثمّة من هناك ومن هنا، من ذلك الزمن ومن الحاضر، فائضُ المشاعر بالحبّ والحنين والعزاء النفسي، وأيضاً بالألم والخسران، وبالقلق الذي لا يُغادر البدن والروح. وأبدعُ ما نجح فيه “هامنت” التوازي بين هذا كله والصورة الثريّة بالعتاقة والشاعريّة. أما قفلة الفيلم، فأظنها الضربة السينمائية الأقوى، في عملٍ يحسُن نصيحتك أن تراه بعيداً عن محكيات شكسبير، وإنْ يظلّ طيفه حاضراً، ولا تقدر على دفعه. في القفلة طيف هامنت في عرضٍ مسرحي تُشاهده الأم الحزينة، وتبحلق فيه، وفينا، وفي زمننا.
المصدر: العربي الجديد






