
في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها بلادنا، يبرز التساؤل حول المسار الذي نسلكه نحو المستقبل، هل هذا المسار هو الأقل كلفة والأكثر استدامة، وهل سيوصلنا هذا المسار إلى مستقبل أكثر استقراراً وأماناً؟ وفي حين نعيش مستويات متباينة من العنف في هذه المنطقة أو تلك، يبقى الواقع بعيداً عما نطمح إليه كسوريين من أمان واستقرار. ولعل التحدي الأكبر الذي نواجه اليوم يكمن في القدرة على التمسك بالمعايير الأخلاقية الثابتة، والابتعاد عن الانتقائية في إدانة الانتهاكات، أياً كان مرتكبها، فالحق لا يتجزأ بتغير الظروف أو الأشخاص أو الجهات.
إن القاعدة الأخلاقية والإنسانية التي ننطلق منها تفرض علينا رؤية واضحة، فكما أن إدانة ما تعرضت له السويداء من انتهاكات هو واجب وطني لا مساومة عليه، فإن رفض تعميم وصم أي طائفة أو مكون بالجرائم التي ارتكبتها عصابات الأسد هو أيضاً جوهر هذا الموقف الأخلاقي، وبذات الرؤية، فإن تطلعات الكرد السوريين في الوصول إلى صيغة تضمن حقوقهم وتعزز وجودهم كقوة فاعلة في بناء سورية المستقبل هي حق أصيل، تماماً كما هو حق أبناء الجزيرة في الرقة ودير الزور والحسكة في الحرية والتنمية والعيش بكرامة كسائر حقوق السوريين، لا يوجد تمايز بين حق وحق، ولا تفاوت في قدسية الكرامة الإنسانية.
إن جوهر المأزق الأخلاقي يتجلى حين تتحول الضحية، تحت ضغط الظلم، إلى ممارسة الدور ذاته، وهو ما يمثل الانتصار الأكبر للمعتدي الذي يسلب من الضحية شرعيتها وحقوقها.
لقد استثمر نظام الأسد طويلاً في دفع المناطق الثائرة ضده نحو الهاوية، مستفيداً من كل انزلاق أمني أو فوضى لتعزيز روايته الإعلامية وتعميق الشرخ المجتمعي، واليوم نحصد ثمار هذا التدهور في صورة “تعميمات عمياء” تفتقر للمسؤولية، وتنشر بذور الكراهية، وتدمر ما تبقى من ثقة مجتمعية، وغالباً ما تُدفع فاتورتها من دماء الأبرياء.
نحن لسنا محكومين بالاختيار بين سيئين، بل لدينا خيار الانحياز للموقف الحق والمنسجم مع المعيار الأخلاقي الصرف
إن غض الطرف عن انتهاكات “قسد” في الجزيرة السورية —من قمع وسلب ونهب وتجهيل ممنهج— بحجة معارضة السلطة في دمشق، هو سقطة أخلاقية وانتصار للظلم على الحقيقة، وتمثيل صارخ لقدرة الظالم على جرّ خصومه لتبني أدواته ذاتها، وخلال تحولات الثورة وتحدياتها رفع بعضهم سابقاً شعار “مع الشيطان ضد الأسد”، ليكتشفوا لاحقاً أن الظلم لا دين له، وأن الوقوف مع “الشيطان” يلوث الموقف تماماً كما يفعل الوقوف مع الأسد المستبد. نحن لسنا محكومين بالاختيار بين سيئين، بل لدينا خيار الانحياز للموقف الحق والمنسجم مع المعيار الأخلاقي الصرف.
وهنا يبرز التساؤل الجوهري: لماذا نحتفي بموضوعية – ابن الجزيرة – الناقد حين يدين انتهاكات وجرائم نظام الأسد أو الانتهاكات في الساحل والسويداء وعفرين، ثم نتهمه بالتحيز وعدم المصداقية حين يسلط الضوء على سياسات “قسد” في منطقته؟ هذا الأمر ينسحب على كل الحالات لممارسات سلطات الأمر الواقع والمتطوعين الذين يسارعون إلى التبرير والتفسير لهذه الممارسات، هذا التناقض هو أصل العلة.
لابد من الاعتراف بأن غض الطرف عن التجاوزات التي ارتكبتها قوى الأمر الواقع المتعاقبة في المنطقة، أو تبريرها تحت أي ذريعة يمثل تعثراً في مسارنا الأخلاقي
أما عن الجزيرة السورية فقد كان قدرها ومنذ زمن بعيد أنها تمتلك أسباب التنمية ولا تنمو، فكل السلطات التي تعاقبت على حكمها اشتركت في النظرة إليها بعين التحدي الأمني والسياسي وغابت عنها عين التنمية، وقد عانت هذه المنطقة طويلاً من نظرة قاصرة غيبت عنها فرص التنمية الحقيقية، وهو ما يستوجب اليوم وقفة جادة لمراجعة السياسات التنموية وتحديد الفجوات والخلل فيها، و لابد من الاعتراف بأن غض الطرف عن التجاوزات التي ارتكبتها قوى الأمر الواقع المتعاقبة في المنطقة، أو تبريرها تحت أي ذريعة يمثل تعثراً في مسارنا الأخلاقي.
لا شك أن الوقوف في “الموقف الحق” يتطلب شجاعة الاعتراف بالانتهاكات أينما وجدت وكيفما ارتكبت، فالتحول نحو تبني خطاب الكراهية أو الانتقائية في الدفاع عن المظلومين هو الفخ الذي يجب أن نتجنب الوقوع فيه. وعلينا أن لا نغفل الجانب الأجمل والأكثر حيوية في الجزيرة السورية؛ حيث يمتزج المورد البشري بتنوع مذهل يكتنز جمالاً ثقافياً وفكرياً نادراً، فالجزيرة السورية ليست مجرد جغرافيا وموارد طبيعية، بل هي لوحة إنسانية فريدة يتجاور فيها العربي والكردي والسرياني، والتركماني والأرمني والشركسي، في تناغم يعكس قيم الجوار وعراقة التقاليد، هذا التنوع يمثل ثروة وطنية حقيقية، حيث تنسجم عادات السكان وكرمهم مع خيرات الأرض الطيبة و مواردها، مما يخلق هوية مجتمعية غنية قادرة على أن تكون نموذجاً يحتذى به في البناء والإنتاج إذا ما توفرت لها بيئة الإيمان بقدرات إنسانها.
في نهاية المطاف، إن ما تحتاجه هذه الأرض ليس مزيداً من العسكرة أو خطابات التحريض، بل تحتاج إلى تنمية متوازنة ومستدامة تحتكم لقاعدة ذهبية: “لا حق يتقدم على آخر، ولا كرامة تتميز عن كرامة”. إن الانتصار الحقيقي ليس في الغلبة العسكرية، بل في انتصار المعيار الأخلاقي الذي يرفض العنف بكل أشكاله، ويؤمن بأن مستقبل سورية يبنى بالتوافق والثقة المجتمعية الراسخة.
المصدر: تلفزيون سوريا


