
في الإجازة الصيفية، عدتُ إلى منبج قادمًا من الكويت. كنت أعود كل مرة محمّلًا بشيئين: شوقٍ ثقيل، وأحلامٍ مؤجّلة. هذه المرّة أردت أن أبدأ بما يُشبه تثبيت القدم في الأرض: سورٌ لأرضٍ اشتريتها خارج المخطط، على أطراف المدينة، حيث تمتد الحقول قبل أن تبدأ السياسة. لم يكن المشروع كبيرًا، مجرد سور، لكن في بلادنا حتى الأسوار تحتاج أعصابًا.
اتصل بي المعمار عصرًا، وصوته مشحون أكثر من اللازم: “القرميد اللي وصل ما يصلح للبناء… تشاجرت مع صاحب المكبس، نزل البلوك وترك المكان”. سكتُ لحظة. لم أسأله من المخطئ، ولا من بدأ. أعرف هذه الحكايات: الجميع على حق، والنتيجة دائمًا خراب مؤقت.
قلت له بهدوء: “أعطني رقم صاحب المكبس… وأنا أتصرف”.
اتصلت بالرجل. لم أبدأ بشكوى، ولا بتهديد، ولا بذكر اسمي ولا عملي. قلت فقط: “أنا صاحب الأرض… وأحب أشرب فنجان قهوة عندك، إذا ممكن”.
صمت قليلًا، ثم جاء صوته حذرًا: “المكبس على طريق الخفسة… جنوب دوار منبج “. وصلت.
كان المكبس بسيطًا، والعربة مهشّمة، والرجل واقف عند الباب كأن المكان كله يقف معه. عرفت فورًا أنه من إخوة أكراد ريف تل أبيض، من أولئك الذين لا يرفعون صوتهم، لكنهم لا يلينون بسهولة. قالها دون مقدمات: “القرميد… ما يرجع”. قلت بابتسامة: “أنا جاي أشرب قهوة، مو أرجع قرميد”. تغيّر وجهه.
تلك الجملة الصغيرة فتحت الباب الذي لم تفتحه المناقشات كلها.
دخلنا البيت. قهوة سادة، جلوس متقابل، وأحاديث عن الأرض، والسنين، والغربة، وغلاء كل شيء إلا الكلام الطيب. بعدها قال: “يا أستاذ… المعمار يريدني أرجّع القرميد. وأنا ما بقدر.
ماذا يقول الجوار من أصحاب المكابس؟ رجّع قرميد أبو محمد! ”
ثم أضاف، كمن يقدّم حلًا كريمًا: “أنا أبعت لك ثلاث أضعافه، وبدون مصاري… بس ما يرجع البلوك”. ضحكت. ضحكة فهم، لا سخرية.
الرجل لا يدافع عن مال، بل عن سمعة، وعن مكانة وسط مهنته، وعن كلمة إن خرجت لا تعود. قلت له: “اسمع… أنا أدفع لك ثمن القرميد اللي ما يصلح، واللي رح تبعثه. وأنا ناوي أبني بيت، وأنت تزودني بكل اللي أحتاجه من إسمنت وحديد. ولا تناقش أحد… كل ما يطلبونه منك، أنا أدفع”. نظر إليّ طويلًا، كأنه يزنني لا الصفقة.
ثم قال: “اتفقنا”. ومن يومها، لم تعد المسألة سورًا. صارت صداقة. كنت أذهب إلى الكويت وأعود، وأجده كما هو: صادقًا، دقيقًا، لا يساوم على الكلمة. لم يتأخر يومًا، ولم يُدخل غشًا، ولم يحتج إلى تذكير. حتى جاء صيف 2003.
زارني أبو محمد، مهنئًا بعودتي بالسلامة. جلسنا، وبعد حديث طويل، سألني فجأة: “كم صار لنا أصدقاء؟” قلت: ” أكثر من ثلاث سنوات”. هزّ رأسه، وقال بنبرة مختلفة: “ولد لنا طفل… وأريدك تكون كريفي”.
ثم شرح لي معنى الكرافة كما يفهمها هو، لا كما تُروى في الكتب: أن تصير العلاقة دمًا رمزيًا، أن يُربط طفل باسم رجل يُؤتمن، وأن تمتد الأخوّة بين عائلتين قبل أن تمتد بين فردين. ثم قال جملة لم أنسها: “من الأفضل أن تكون علاقة كرافة بين كل كردي وعائلة عربية… هكذا فقط نبني وطنًا يسوده المحبة والإخاء، مو بالكلام… بالفعل”.
لم أتردد. قلت: “شرف لي أكون كريفك “.
أقام احتفالًا بسيطًا، دعا أقاربه، زرناهم، وتَمّت مراسم المكارفة. يومها لم أشعر أنني ضيف، كنت واحدًا من أهل الدار.
مرت السنوات. فرّقتنا المنافي، وبقيت الكرافة في القلب. رحل أبو محمد، ولم أستطع أن أقف على قبره، ولا أن أقرأ الفاتحة عند رأسه كما يليق. لكنني كلما تذكرت مكبس القرميد، وفنجان القهوة الأول، عرفت أن الوطن لا يُبنى بالأسوار وحدها، بل برجالٍ يشبهون أبا محمد، يفهمون أن الأخوّة قرار، وأن الكرافة ليست عادة… بل مشروع وطن.
رحم الله كريفي أبا محمد. ترك في حياتي أكثر من بيت، ترك معنى.






