قراءة في رواية: وطن بعين واحدة

عبد المجيد عرفة

حسين علو روائي سوري واعد ومتميز، روايته وطن بعين واحدة هي أول عمل روائي اقرؤه له…تعتمد رواية وطن بعين واحدة السرد تارة بلغة المتكلم على لسان شخصياتها المحورية وتارة على لسان الراوي. كما أنها تبدأ من لحظة ما من الحدث الروائي ليس البدء وليس الختام، بل لحظة فارقة في الرواية، كما ان الرواية تكاد تكون روايتين مندمجتين كجدائل الشعر تتابع حياة الملازم عمر ناصر وكذلك الشاب بلال ابن احدى قرى منبج وعائلته…
تبدأ الرواية عندما يزور عمر ناصر القابع في مشفى يعالج من محاولة انتحار، يزوره أحد أصدقاء والده، يشد أزره ويزرع به الامل وان الحياة تستحق أن تُعاش وأن هناك ما يمكنك أن تقوم به وترضى عنه مهما كانت حياتك قاسية، أن الانتحار هروب من حياة تستحق جسارة أن تعيشها وتنتصر لما تريده فيها ومنها…
كما تبدأ الرواية في منحاها الآخر عندما توقظ الام ابنها بلال ليذهب باحثا عن عمل، خاصة وان لا موارد لها إلا جهد ولدها بلال، و أن ابنها الأكبر اقرب للبلاهة ومصاب بداء الفجع و النهم للطعام دوما، وهو عاجز عن أن يقوم بأي عمل…
يعيش بلال واخوه بشير ووالدته في احدى قرى منبج، بعدما توفي والدهم، الذي كان قد تزوج أمه وهي في سن صغيرة، يتيمة ولا حول لها ولا معين، كان زوجها اقرب للبلاهة ايضا وجاء ابنها بشير الأكبر أشبه به، كان يحن عليهم أهل البلدة ويقدمون لهم بعض العون من باب الشفقة. وما أن كبر بلال حتى اصبحت تدفعه أمه للعمل ليؤمن مصروف حياتهم ، وهكذا بدأ يعمل بالأعمال القاسية التي يتطلبها أهل القرية، تارة في تعزيل بئر مهجورة، يحتاجها أهل القرية عندما تنقطع عنهم المياه لسبب ما. واعمال اخرى…
تعرّف بلال على ابنة جيرانهم بالصدفة وجدها قريبة لنفسه، وهي أظهرت الإعجاب به. حاول التقرب من أهلها، ليكون اقرب لها، طبعا في مجتمع شديد الحذر والحساسية تجاه علاقة بناتهم مع اي غريب. استطاع أن يعمل مع والدها في توزيع البيض والمثلجات، واحيانا يعينه أخيه في عمله، ولو أن عمل أخيه اضره، حيث كان يلتهم المثلجات، ولا بد من دفع الأضرار. خاصة انه ادى لتحطيم دراجة صاحب العمل التي كان يوزع عليها المثلجات والبيض، مما أدى لطرده من عمله. حاول ان يذهب الى لبنان ليعمل لكن لم يفلح، وحاول أن يلتقي بحبيبته في بيتها. فقبض والدها عليه وسلمه للشرطة، التي اكتشفت انه متخلف عن الجيش مما أدى لسوقه الى الجيش لأداء الخدمة الإجبارية. كانت سوريا قد خرجت من هزيمة ١٩٦٧م حديثا، التحق بالجيش وهناك تعرف على الملازم عمر ناصر الذي كان مختلفا عن غيره من الضباط، كان قد التحق بالجيش لأجل أن يكون له شرف المشاركة في الحرب ضد الصهاينة الذين احتلوا الجولان بعد حرب حزيران ١٩٦٧م. أصبح بين بلال والملازم عمر ناصر علاقة احترام متبادل، لقد تعامل الملازم مع بلال معاملة أخوية اصيلة، لم تكن تروق لزملائه الضباط ولا للمجندين، وكان المخبرين من الجنود ينقلون للضباط كل صغيرة وكبيرة، وسرعان ما أصبح الملازم وبلال مستهدفين ليتم الإضرار بهم. حاولوا سرقة بندقية بلال ولم ينجحوا، ومن خلال هذا الصراع الخفي ظهر للملازم ومعه بلال واقع الجيش الفساد والمحسوبية وسرقة خيرات الجيش وأن ذلك يبدأ من اعلى رتبة في اللواء حتى آخر ضابط. وصل الصراع بين الملازم ومسؤولية الى درجة قرروا فيها نقله من مكان خدمته، ونقل الى مكان آخر. قريب من حمص… حاول أن يتواصل مع بعض المسؤولين بالجيش ليكشف الفساد والسرقات حيث كان، لكنه اكتشف أن واقع السرقات والفساد منتشر في الجيش كله وهو القاعدة العامة. كما تأكد له ان البنية الاساسية للجيش بضباطه وامنه من الرتب العالية وحتى الدنيا أغلبها من الطائفة العلوية، وأن واقع حال الجيش وسوريا أنها ضحية هيمنة هذه الفئة الطائفية التي تسبد بسوريا وتستولي على خيراتها…
نعود إلى بلال وعندما انتهت خدمته العسكرية عاد الى امه واخاه، وعمل عند أحدهم في معمل صب بلوك البناء، وسرعان ما ساعده أخاه وتحسنت احوالهم المعيشية، وتعرف ايضا على ابنة صاحب العمل، احبها واحبته. وكان يلتقي بها سرّا، وفي يوم اخبرته ان هناك من يخطبها. لذلك سارع لأمه حتى تخطبها له. لكن والد الفتاة رفضه لأنه فقير ويتيم، وطرده من العمل أيضا. لكن البنت كانت قد تعلقت ببلال فقررت أن تخطف معه وتهرب خارج قريتهم وهكذا انتقل مع حبيبته الى مدينة اخرى. بمساعدة صديق له. وهناك تزوج من حبيبته، التي سرعان ما حملت منه، ولم تمض أشهر على ذلك حتى جاء صديقه يزوره ويطمئن عليه وكان يتبعه سرا احد اخوة زوجته. وعرفوا أين يسكن، وجاءوا بعد ذلك وهو بالعمل وخطفوا زوجته واخذوها الى بلدتها وذبحها والدها واعلن ان اخا صغيرا لها قتلها غسلا للعار وسلم نفسه للشرطة ليخرج بعد وقت قليل لصغر سنه ولأنه قتل اخته في جريمة شرف.؟!!. وهكذا علم بلال حقيقة اختفاء زوجته وقتلها. وإن أمه ماتت حسرة عليه ومن شدة اذيتها من أهل زوجته. وكذلك آذوا أخاه بشير فقد اصيب بالجنون الكامل جراء التعديات عليه أيضا…
لم يكن أمام بلال جراء ضعفه وقلة حيلته وعجزه عن الانتقام لزوجته وامه واخيه إلا أن يحمل همه وعاره ويتجه إلى لبنان للعمل هناك.
في لبنان كانت الحرب الأهلية قد بدأت عام ١٩٧٥م وكان الكثير من العمال السوريين قد عادوا الى بلداتهم هربا من الموت والقتل العشوائي. لكنه عمل هناك حارسا في احدى البنايات. عند أحد التجار المسيحيين المتنفذين. وكانت القوات السورية قد دخلت لبنان على انها تريد ان توقف الحرب الأهلية بين المسيحيين المعادين للفلسطينيين وبين القوى الوطنية اللبنانية المسلمة المتحالفة مع ياسر عرفات والفدائيين الفلسطينيين. لم يكن النظام السوري حياديا. سكت وساعد على حصول مجزرة تل الزعتر وحاصر الفلسطينيين وقضى على القوى الوطنية اللبنانية وحجّم القوى الانعزالية المسيحية. وأصبح الحاكم الفعلي في لبنان. ومع ذلك بقيت المناطق المسيحية في معزل عن سلطة السوريين. لذلك حصلت حملات اعتقال وتصفية وقتل لكثير من السوريين والفلسطينيين في مناطق سيطرتهم. وكاد ان يقتل بلال ذاته لولا أن وصل خبر خطفه لمن يعمل عنده وانقذه. ونقله بعد ذلك الى العمل حارسا في مزرعة له في الجنوب اللبناني…
تعرّف بلال في جوار المزرعة التي يعمل بها على جارته التي جعلت من زاوية بيتها دكانا صغيرا. لديها طفل. أعادت إلى بلال حاجته للمرأة واصابته لوثة الحب مرّة اخرى، سرعان ما فاتحها لكنه تعاملت معه بحذر، كما تعرّف على هاشم ذلك الرجل المصاب بعينه، والغريب عن البلدة، يعمل بالمياومة وحسب حاجة الناس، كما يصطاد من البحر الأسماك ويساعد جارة بلال الذي يقول انها ابنة عمه، فهي تحت حمايته…
مع مرور الأيام يتعرّف بلال على حقيقة جارته انها فتاة غير متزوجة وأن طفلها أخاها وليس ابنها وأنها جاءت للبلدة هربا من عصابة مخدرات قتلت والدها في بدلتها في البقاع. وان هاشم هو في الحقيقة الملازم عمر ناصر الذي كان قد خدم معه في الجيش، عرف ذلك عندما اطلع على دفتر مذكرات كتبه الملازم وأعطاه لبلال ليوصله لصديق والده الذي تبين أنه توفي منذ سنتين. عندها اطلع بلال على محتوى المذكرات، التي أوضحت بالتواريخ دخول عمر ناصر حرب تشرين ١٩٧٣م واصابته بها في عينه وانه فقد ذاكرته لوقت طويل، وعثرت عليه عائلة وساعدته لينتقل الى جنوب لبنان ومن هناك رصد التطورات التي حصلت في سوريا ولبنان والقضية الفلسطينية في عقد من الزمان تقريبا. دخول الجيش السوري الى لبنان وهيمنته عليه اولا بأول و القضاء على القوى الوطنية اللبنانية اغتيال كمال جنبلاط وقبله اللواء محمد عمران الذي انسحب من النظام وعاش في لبنان. وحصول مجزرة تل الزعتر بحق الفلسطينيين بيد النظام والسكوت عن مجازر اخرى قام بها الانعزاليين المسيحيين اللبنانيين. والصراع داخل المعسكر المسيحي وكيف قتل وأنهى بشير الجميل ابن زعيم الكتائب منافسيه من القوى اللبنانية المسيحية الأخرى. وتحول الى القوة الأكبر التي ستؤهله بعد ذلك ليكون رئيس لبنان المدعوم من الاسرائليين الذي قاموا بعدة اجتياحات للبنان اولها وصل الى الليطاني وعينوا سعد حداد ضابط لبناني حاميهم في الجنوب بالحدود مع فلسطين المحتلة، وبعد ذلك وصلوا الى بيروت عام ١٩٨٢م وحاصروا أبو عمار ياسر عرفات و تدخلت أمريكا وبالتوازي مع الدور السوري في لبنان تم طرد المقاومة الفلسطينية إلى تونس لتدخل بعد ذلك طورا آخر في النضال الفلسطيني. .
لم تترك مذكرات الملازم عمر ناصر أي حدث إلا وأتت عليه. وكيف قام عمر ناصر بالاستحواذ على بعض أسلحة الفلسطينيين وتم اعادة استخدامها في نويات عمليات مقاومة في الجنوب اللبناني ضد الصهاينة…
تنتهي الرواية عندما يعود بلال حاملا مذكرات عمر ناصر ليجد أن عمر ناصر قد استشهد عندما تم كشفه وأنه وراء عمليات اغتيال لكثير من الصهاينة في الجنوب اللبناني…
لقد ربط بلال مصيره بمصير تلك الجارة واعترفا بحبهما لبعضهما وأعلنا عزمهما على الزواج…
في التعقيب على الرواية اقول:
انني امام رواية مكتوبة بدراية واقتدار، فهي كثيفة جدا، رغم كونها لا تتجاوز ١٢٠ص لكنها تحمل الكثير من الرسائل فهي من جانب تومئ لواقع الفقر والتخلف والتفاوت الاجتماعي والتمايز الذي يجعل حياة الناس أقرب للصراع والحسد وعدم التكافل منه للتراحم والقيام بالواجب الذي تفرضه القيم والأخلاق . كما تومئ الرواية و باسهاب الى واقع النظام السوري وبنيته العسكرية والأمنية والطائفية العلوية والظلم والاستبداد وواقع الدور المخرب والمستعمر الذي قام به النظام السوري في لبنان وفي القضية الفلسطينية وغيرهما من قضايا الامة العربية. هذا غير خسارته للجولان في حروبه وانهزامه أمام الكيان الصهيوني…
توضح الرواية أنها كتبت عام ٢٠٠٩م. هذا يعني ما قبل الثورة السورية التي حصلت ربيع عام ٢٠١١م . الثورة التي أظهرت واقع النظام المستبد المجرم الذي ظهر بأسوأ حال في أفعاله منذ بداية الثورة للآن بعد مضي ثلاث عشر سنة وكيف فرط النظام بالشعب السوري قتل أكثر من مليون إنسان وأصاب واعاق مثلهم وشرد ثلاثة عشر مليون إنسان داخل سوريا وخارجها. ودمر أكثر من نصف سوريا وأورث سوريا استعمار إيراني وروسي وميليشيات طائفية حزب الله وغيره. واستعمار امريكي وميليشيات حزب العمال الكردستاني الانفصالية. وبعض سوريا محرر من سيطرة النظام…
هذا واقع حالنا…
ومازلنا نأمل ونعمل لتحقيق الحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية، ننتصر على عدونا النظام المستبد ونحرر أرضنا من الصهاينة وجميع المحتلين ونعيش حياتنا الافضل…
ثم… مرت الأيام والشهور وانتصر الشعب السوري وسقط النظام المستبد المجرم .
ونحن نعيش الآن الحرية والعمل الدؤوب من الشعب ودولة الثورة لإعادة إحياء سورية بعد مواتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى