هل تأخّرت إيران في الدخول إلى الحرب الكبرى؟

علي أنوزلا

 

ما تجنّبته إيران وتفاداه حزب الله وقع في النهاية. الحرب المؤجلة، الحرب التي ظل الجميع يتوقعها سنين طويلة، اندلعت أخيراً. لكنها لم تقع في اللحظة التي جرى الاستعداد لها، ولا في التوقيت الذي كان يفترض أن تُخاض فيه، بل جاءت في وقت بدا فيه أن من انتظروها وظلوا يُعدّون لها عقوداً أخطأوا موعد إعلانها حين زفّ وقتها.

إنها الحرب التي طالما استعدّ لها الإيرانيون وتوعّد حزب الله بها إسرائيل. حرب جرى التحضير لها عقوداً، سياسياً وعسكرياً وعقائدياً، باعتبارها المواجهة الكبرى التي ستحدّد موازين القوة في المنطقة. وفي لحظة الحقيقة، فجر يوم 7 أكتوبر (2023)، لم يحدث ما كان متوقعاً. في ذلك الصباح ارتفع صوت الشهيد محمد الضيف منذراً ببداية ما اعتبرها حرباً كبرى. جاءت رسالته نداءً مفتوحاً يدعو إلى الانضمام إلى طوفان كسر، في دقائق معدودة، أسطورة الجيش الذي لا يُقهر والكيان الذي لا يُهزم. لم يوجّه النداء إلى الفلسطينيين وحدهم، بل خاطب قوى المقاومة في لبنان وإيران والعراق واليمن، كما خاطب الجماهير المتعاطفة مع القضية الفلسطينية في كل مكان، وناشد بالتحرّك كل من يرى في هذه القضية معركته المركزية. كان النداء واضحاً، واللحظة حاسمة، والفرصة قد لا تتكرر.

لكن الحسابات السياسية التي حكمت قرارات أعمدة محور المقاومة في طهران وبيروت كانت مختلفة، لأن ما حدث لاحقاً سار في اتجاه آخر. فبدلاً من انخراط إقليمي واسع في المعركة، اختار حزب الله ما سمّاها “حرب الإسناد”، فيما تمسّكت إيران بسياسة “الصبر الاستراتيجي”. وبين هذين الخيارين، بقي الفلسطينيون وحدهم يواجهون آلة عسكرية ضخمة مدعومة من الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، وطوال سنتين كانت غزّة تُباد ومقاوموها الأبطال يستشهدون، بينما كانت الحرب تتوسع تدريجياً وتعيد رسم ملامح الصراع في المنطقة. ولم تستوعب إيران وحزب الله الرسالة، وأن دورهما قادم على لائحة القتل الهمجي التي أعدّتها إسرائيل وباركتها أميركا.

غير أن خلفية هذا المشهد لا ترسمها فقط أحداث 7 أكتوبر، فالقصة بدأت قبل ذلك بسنوات، وتحديداً منذ اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني. يومها حبس العالم أنفاسه انتظاراً لرد إيراني قاسٍ يفتح فصلاً جديداً في المواجهة، وجاءت الضربات المحسوبة والمرتبة أمنياً مع أميركا على قاعدة عين الأسد شبه الفارغة في العراق لتُظهر لإسرائيل وأميركا أكبر نقطة ضعف عند عدوهما: أنه يخافهما أكثر مما يخافانه. لذلك كان طبيعياً أن يستمرئا استباحته، لتصل الاستباحة إلى عرين الحرس الثوري في قلب طهران باغتيال الشهيد إسماعيل هنية، في عملية اعتبرها كثيرون تجاوزاً خطيراً لخطوط كانت تُعدّ حسّاسة بالنسبة لإيران، ورأت فيها إسرائيل اختباراً لحدود الرد الإيراني. ومرّة أخرى، جاء الرد محدوداً ومحسوباً ومضبوط الإيقاع، الأمر الذي قرأته إسرائيل والولايات المتحدة مؤشّراً على أن طهران، رغم خطابها التصعيدي، لا ترغب ولا تقدر على مواجهة مباشرة وواسعة. وكانت تلك نقطة أخرى كشفت عن ضعف كبير في معادلة الردع التي فرضتها إيران عقوداً، ما عزّز القناعة لدى أعدائها بأن سياسة ضبط النفس تعكس حذراً استراتيجياً قد يصل أحياناً إلى حد التردّد والخوف من المواجهة الكبرى.

الأمر نفسه تكرّر مع حزب الله، فالحزب الذي كان أمينه العام الشهيد حسن نصر الله يعلن أن الضاحية الجنوبية لبيروت خط أحمر، وجد نفسه أمام اختبار صعب بعد اغتيال القيادي الفلسطيني صالح العاروري في قلب الضاحية. يومها حبست إسرائيل أنفاسها وانتظرت الرد المزلزل، فجاء رمزياً محدوداً، بمقذوفات رمزية أُلقيت على كيبوتزات إسرائيلية مهجورة. فكانت تلك رسالة قرأها العدو جيداً، وبدأ بعدها في تصفية قادة الحزب واحداً واحداً، حتى وصل إلى رأسه وأمينه العام نصر الله الذي استشهد، وذهبت معه تهديداته بتدمير إسرائيل وحرق تل أبيب.

ربما كانت الحرب الشاملة في “7 أكتوبر” مغامرة كبرى أخطر مما يحدث اليوم، وربما كانت كلفتها ستكون باهظة على الجميع أكبر مما قد تكلفه الحرب الجارية حاليا

في اللحظة الحاسمة ضاعت الفكرة التي بنت إيران وحزب الله استراتيجيتهما عليها، فكرة “وحدة الساحات”، بوصفها أساس معادلة الردع. وحين جاءت اللحظة التي كان يفترض أن تُختبر فيها هذه الفكرة، بدا أن الحسابات السياسية والاعتبارات الداخلية والإقليمية دفعت نحو خيار مختلف: تأجيل المواجهة الكبرى قدر الإمكان. من هنا بدأت ملامح الخلل الاستراتيجي تتشكل. فإسرائيل، التي تقوم عقيدتها العسكرية على مبدأ تفكيك جبهات الخصوم ومواجهتهم فرادى، وجدت أمامها فرصة نادرة. فبدلاً من حرب متعدّدة الجبهات في توقيت واحد، جرى استدراج كل طرفٍ إلى معركة منفصلة، الأمر الذي سمح لها بالحفاظ على التفوق العسكري والسياسي.

هكذا خسرت المقاومة بداية الحرب. وحينما اندلعت حرب الـ12 يوماً أصبحت إيران عارية أمام أعدائها الذين لا يشبعون من الدم والدمار. وطوال عام من الهدنة والترقب والتحرّش والاعتداءات تعاظم طمع الأعداء، حتى بدا لهم أن إيران وحزب الله استسلما للأمر الواقع، فشنّا عدوانهما الراهن لمحوهما من الوجود. فكانت الحرب التي تجنّبتها إيران وأجّلها حزب الله، الحرب الحاسمة، الحرب الطاحنة، حرب البقاء والوجود التي أَعدّا لها عقوداً، وتوعّدا بها منذ عدة سنوات، لكنهما أخلفا موعدها حتى فاجأتهما في أضعف حالاتهما وفي أسوأ لحظات استعدادهما لها. فكان عليهما أن يحاربا من أجل وجودهما وبقائهما أولاً وأخيراً، وإلا فلن يرحمهما التاريخ، لأن المنتصرين من يكتبونه، حتى وإن كانوا ظالمين.

إن نقد هذه الحسابات لا يعني الاصطفاف إلى جانب الحرب مع العدوان أو التقليل من التضحيات التي قدّمتها قوى المقاومة في سياق دعمها القضية الفلسطينية. ولكن ما حدث يطرح أسئلة جوهرية: هل كان الصبر الاستراتيجي خياراً ناجحاً؟ وهل أدّت سياسة ضبط النفس عند حزب الله إلى نتائج معاكسة؟ وهل تأخّرا معا في خوض المواجهة الكبرى، وأخطآ الحساب منذ البداية؟ وهل كان تأجيل المواجهة بعد “7 أكتوبر” خطأهما الاستراتيجي الأكبر؟

إسرائيل ليست دولة طبيعية، بل هي أخطر كيان في المنطقة، سرطان يتمدّد يستمد شرعيته من نصوص توراتية قديمة

ليست الأجوبة سهلة، لأن التاريخ لا يُكتب، أو تُعاد كتابته، بالتمنيات، وإنما بالوقائع والأفعال، ولأن القرارات الاستراتيجية الكبرى غالباً ما تُتّخذ في ظروف معقدة تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية والاقتصادية. ربما كانت الحرب الشاملة في “7 أكتوبر” مغامرة كبرى أخطر مما يحدث اليوم، وربما كانت كلفتها ستكون باهظة على الجميع أكبر مما قد تكلفه الحرب الجارية حاليا.

ومهما تكن الإجابة، ستنتهي هذه الحرب يوماً، كما حروب كثيرة قبلها، غير أن الخطر الذي تمثله إسرائيل لن ينتهي. فالصراع في المنطقة لم يعد مجرّد نزاع حدودي أو سياسي، لأن جذوره تتجاوز حدود المعارك العسكرية إلى صراع أعمق حول النفوذ والهيمنة والتوازنات الجديدة التي سترسم شكل الشرق الأوسط الذي سيولد بعد هذه الحرب. … أما الدرس الأبرز الذي قد تستخلصه دول المنطقة وشعوبها فهو أن المخاطر لا تختفي بتأجيلها، وأن الانتظار في لحظات التحول الكبرى قد يكون مكلفاً بقدر المغامرة نفسها. فالتاريخ لا يرحم التردّد في اللحظات الفاصلة، والواقع لا يعترف إلا بمن يملكون القدرة على فرض شروطهم قبل أن تُفرض عليهم شروط أعدائهم. السياسة، في نهاية المطاف، لا تُقاس بالنيات بل بالنتائج، والتاريخ غالباً ما يُكتب بعد أن تتضح كلفة القرارات المتخذة في لحظات التردّد أو الحسم. ومع ذلك، يظهر ما جرى بوضوح أن كلفة التأجيل قد تكون، في بعض الأحيان، أعلى من كلفة المواجهة المبكرة.

ليست هذه قراءةً لتاريخ ما زال يُصنع أمام أعيننا، ولكن ما يحدث يُعلمنا أن الخطر القادم سيكون على الشعوب التي تجلس اليوم متفرجة، لأن الدور الآتي عليها. وإذا لم تتحرّك الآن، ولو بالتنديد بالعدوان الحالي وشجبه، سوف يأتي الوقت الذي تجد فيه نفسها وحيدة تواجه الخطر الداهم نفسه الذي تزرعه إسرائيل وتموله أميركا. فإسرائيل ليست دولة طبيعية، بل هي أخطر كيان في المنطقة، سرطان يتمدّد يستمد شرعيته من نصوص توراتية قديمة. وكما قال الصحافي الأميركي تاكر كارلسون، إسرائيل أكثر دولة عدوانية في التاريخ، وهذه شهادة أميركي مسيحي إنجيلي متديّن.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى