تصعيد الهجمة الصهيونية على القدس وتجدّد أنماط المقاومة

أمجد أحمد جبريل

                                                                

على الرغم من استمرارية الاستراتيجية الصهيونية في تهويد القدس، منذ بدايات المشروع الصهيوني في فلسطين، فإن حكومة بنيامين نتنياهو تسارع في تكثيف خطواتها، بغية إنجاز أغلب أهداف ذلك المشروع (القائم على الاستيطان، والتهويد، وتهجير الفلسطينيين)، ربما قبل أن يطوي عام 2026 أوراقه، على نحو يستدعي المقارنة مع سياسات حكومة أرييل شارون (2001- 2005)، التي عملت على توظيف وجود إدارتي جورج بوش الابن (2001- 2008)، والاستفادة من توافق أفكار اليمين الإسرائيلي مع تيار اليمين الأميركي (المحافظين الجدد)، في تصفية مرتكزات قضية فلسطين عموماً، سيما قضايا اللاجئين والقدس ومصير الضفة الغربية، فهل ينجح نتنياهو في ما فشل فيه شارون وأسلافه جميعاً؟ أم تنهض مقاومة المقدسيين وإرادة الشعب الفلسطيني، حائلاً أمام نجاح المشروع الصهيوني في تحقيق أهدافه في القدس وفلسطين إجمالاً؟

(1)

كانت قضية القدس، خصوصاً مسألة السيادة على الحرم القدسي والبلدة القديمة، من أسباب فشل مفاوضات كامب ديفيد الثانية (10-25 يوليو/ تموز 2000)، بين رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك، برعاية أميركية. بيد أن “صاعق تفجير” انتفاضة الأقصى، كان اقتحام شارون باحة المسجد الأقصى بحماية ألفي عنصر من الجيش والشرطة (28/9/2000). وبمجرّد فوز شارون في الانتخابات الإسرائيلية، أرسى نموذجه الخاص في إدارة الصراع؛ فأعاد التأكيد على يهودية الدولة، وإثبات فاعلية الأمن في الحياة السياسية، وتطبيق سياسة فصل عنصري، واستخدام أقصى درجات القوة لقمع انتفاضة الأقصى. وفي هذا السياق، وظّف شارون خمس أدوات؛ اجتياح الضفة الغربية ربيع عام 2002، وارتكاب عدة مجاز (أشهرها في جنين). دعم عصابة “شبيبة/ فتية التلال”، التي تؤمن بوجوب إقامة “دولة يهودية” على “أرض إسرائيل الكبرى”، وإقامة بؤر استيطانية عليها، بعد تهجير الفلسطينيين منها. الطلب من المحكمة الإسرائيلية العليا البحث في سبل تيسير الصلاة لليهود في الحرم القدسي. تهيئة الأجواء لتقوم جماعة “أمناء جبل الهيكل”، بوضع حجر أساس للهيكل اليهودي الثالث قرب الأقصى. وخامسها إغلاق بيت الشرق وعدة مؤسسات فلسطينية أخرى في القدس وأبو ديس (أغسطس/ آب 2001)، بغية القضاء على الوجود المؤسّساتي الفلسطيني في القدس.

كانت قضية القدس، خصوصاً مسألة السيادة على الحرم القدسي والبلدة القديمة، من أسباب فشل مفاوضات كامب ديفيد الثانية

وعلى الرغم من نجاح شارون (آنيّاً) في إضعافها، فقد تجدّدت صور المقاومة الفلسطينية في القدس والضفة الغربية، في عهود خلفائه، في خمسة أشكال، فردية وجماعية؛ أولها ظاهرة “المرابطين في الأقصى”، التي حظرها وزير الأمن الداخلي، جلعاد أردان (9/9/2015)، ثانيها الهجمات الفلسطينية ضد الإسرائيليين بالسكاكين، وخصوصاً في القدس والخليل (أكتوبر/ تشرين الأول 2015). وثالثها رفض الفلسطينيين نصب الاحتلال بوابات/ كاميرات إلكترونية على الأقصى (يوليو/ تموز 2017). رابعها احتجاجات أهالي قرية الخان الأحمر شرقي القدس ضد قرار المحكمة العليا الإسرائيلية إخلاء القرية وهدمها (سبتمبر/أيلول 2018). خامسها أنماط مقاومة حي الشيخ جرّاح وباب العامود في القدس، وقرية بيتا في الضفة الغربية، وكلها جاءت بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب صفقة القرن (28/1/2020).

(2)

منذ بداية عام 2026، تسابق حكومة نتنياهو الزمن في “هجومها الشامل” على القدس والضفة الغربية، عبر توظيف ثلاثة متغيرات استراتيجية: التوافق الاستراتيجي بين رؤى الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتيار اليمين الصهيوني الديني، بزعامة الثنائي إيتمار بن غفير – بتسلئيل سموتريتش. حالة التفكك/ الهشاشة الإقليمية، وإحجام الدول العربية والإسلامية عن الضغط على واشنطن لكبح جماح نتنياهو، في غزّة والضفة الغربية وفي المنطقة إجمالاً؛ إذ تميل أغلب هذه الدول للتكيّف مع سياسات القوة الإسرائيلية، خشية الصدام مع إدارة ترامب وسياساتها المتقلّبة. توظيف تداعيات حرب الإبادة الإسرائيلية على غزّة، لإرهاب فلسطينيي القدس والضفة الغربية وعرب 48.

تكشف سياسات حكومة نتنياهو، مستوى مرتفعاً من “الحرب على / اقتلاع المؤسسات الفلسطينية” في القدس بشتى الأدوات

وفي هذا السياق، يمكن فهم أسباب التصعيد الإسرائيلي، في القدس والضفة الغربية، سيما ما يتعلق بخمس خطوات: هدم مباني مجمع “أونروا” في حي الشيخ جرّاح (20/1/2026)، بدلالاته الرمزية/ السياسية الثلاث، تهويد القدس، وإنهاء حق العودة، وإلغاء الهوية/ الوجود الفلسطيني من القدس. شقّ طريق استيطاني جديد شمال القدس، بطول ستة كيلومترات، يمتد من بلدة مخماس شرق المدينة وصولاً إلى قرية قلنديا غرباً، ضمن مخطط لإقامة أوسع شبكة من الطرق الالتفافية الاستيطانية التي تُحيط بالقدس المحتلة. قرار الحكومة الإسرائيلية (15/2/2026) بدء عملية تسوية وتسجيل مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية باعتبارها “أراضي دولة”، التي وصفها وزير المالية الإسرائيلي سموتريتش ب “الثورة الاستيطانية”. قرار وزير الأمن القومي، بن غفير، إغلاق مقر جمعية برج اللقلق المجتمعي في البلدة القديمة من القدس (17/2/2026)، ستة أشهر. اقتحام بن غفير المسجد الأقصى (20/2/2026) بذريعة “التقييم الأمني” ودعم الشرطة الإسرائيلية في تحقيق الردع والسيطرة، بالتوازي مع تكثيف الاعتقالات والتضييق على وصول المصلين إلى المسجد الأقصى في رمضان.

واستطراداً في التحليل، تكشف سياسات حكومة نتنياهو، مستوى مرتفعاً من “الحرب على / اقتلاع المؤسسات الفلسطينية” في القدس بشتى الأدوات، بغية تحطيم الإنسان المقدسي وتعليمه وثقافته، وطمس هويته، سيما ما يتعلق بقيم المقاومة والتضحية في سبيل التمسك بالأرض والحقوق والكرامة.

(3)

لا يمكن فهم الاستراتيجية الإسرائيلية في القدس والضفة الغربية من دون تقويم الموقف الأميركي من هذا التصعيد الإسرائيلي، الذي ذكرت بعض مظاهره للتو، ما يقتضي تأكيد أربعة أمور: أولها، مسألة إرث إدارة ترامب الأولى (2017-2020)، خصوصاً قراره الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل (6/12/2017)، ونقل سفارة بلاده إلى القدس الغربية (14/5/2018)، وإغلاق قنصلية بلاده في القدس الشرقية، ودمجها في السفارة الأميركية في القدس الغربية (4/3/2019). وثانيها إشادة ترامب في خطابه أمام الكنيست (13/10/2025) بالمليارديرة الإسرائيلية الأميركية، ميريام أديلسون، ما يكشف دور أنصار إسرائيل في دعم عودته إلى البيت الأبيض، ودور عوامل المال والعقيدة والهوية، في ترسيخ أسس التحالف الأميركي الإسرائيلي، خصوصاً في ظل إدارتيه (ترامب) الأولى والثانية. وثالثها تصاعد نفوذ المسؤولين الأميركيين من أنصار المسيحية الصهيونية في التأثير على ترامب (مثل زعم السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي (20/2/2026) أن لإسرائيل حقّاً توراتيّاً في السيطرة على المنطقة من نهر الفرات إلى نهر النيل). ورابعها الشراكة الأميركية الكاملة في صياغة المشروع الإسرائيلي، وضبابية الموقف من الاستيطان وضمّ الضفّة الغربية، والحرب على المخيّمات وتهجير سكانها، ودعم واشنطن انشغال العالم بتداعيات التوظيف الإسرائيلي لإبادة غزّة في شنّ قوات الاحتلال “حرب صامتة/ موازية” في الضفّة الغربية والقدس، بغية تقويض السلطة الفلسطينية، ما يعكس استمرارية الاستراتيجية الإسرائيلية الرامية إلى تغييب الشعب الفلسطيني، وتشديد الحصار عليه، وخلق بيئة طاردة للسكان بغية تشجيع “الهجرة الطوعية”.

أعادت إسرائيل ترتيب خرائط الصراع، وبينما تجلت الإبادة في غزّة بصورة مباشرة، كانت القدس تتعرض لنسختها الصامتة

ومن نافل القول إن مرور عام على إدارة ترامب يكشف دورها المحوري في دعم سياسات الإبادة والتهجير، على الرغم من السياسات الاحتفالية والدعائية المبالغ فيها، على نحو ما تجسّد في انعقاد “مجلس السلام” في المؤسسة الأميركية للسلام بواشنطن (19/2/2026).

(4)

إجمالاً لما تقدم، يمكن استخلاص خمسة أمور: استمرارية الاستراتيجية الصهيونية تجاه القدس، على الرغم من تنوع أدواتها وتجديدها وشموليتها. نجاح حكومة نتنياهو في توظيف الدعم الأميركي اللامحدود لتصفية قضايا غزّة والقدس وفلسطين عموماً، بعد “7 أكتوبر” (2023)؛ إذ أعادت إسرائيل ترتيب خرائط الصراع، وبينما تجلت الإبادة في غزّة بصورة مباشرة، كانت القدس تتعرض لنسختها الصامتة، حيث تسارع نزع الهوية، وتكثيف الهندسة الديموغرافية، وتحويل المدينة إلى مختبر قانوني وأمني للتطهير البطيء. توظيف إسرائيل محدودية ردة الفعل العربية والإسلامية على التصعيد في غزّة والضفة الغربية والقدس والمنطقة، في استكمال مخططاتها الاستعمارية، ما يستوجب صياغة استراتيجية عربية إسلامية جديدة لإدارة الصراع مع معسكر إسرائيل وداعميها، ردّا على تصاعد التحدي الإسرائيلي، في هذه المرحلة، من تاريخ الصراع على القدس وفلسطين والمنطقة إجمالاً. ورابعها، أن التعويل الحقيقي يبقى على صمود المقدسيين والشعب الفلسطيني على أرضه التاريخية ودفاعه عن مقدساته الإسلامية والمسيحية، وخامسها أن الحرم القدسي، لعب دوماً دور “صاعق تفجير” الهبّات الفلسطينية (أحداث البراق 1929، افتتاح نفق الأقصى خريف عام 1996، اقتحام شارون الأقصى عام 2000، باب العامود 2017، أحداث الشيخ جراح ومعركة سيف القدس مايو/ أيار2021).

يبقى القول إنه ليس مستبعداً أن تؤدّي سياسات إسرائيل في فرض سيطرتها الفعلية والرمزية والدينية على القدس، وفرض ضرائب جديدة على الكنائس، والضغط على البطريركيات المسيحية لبيع أراضٍ لجمعيات استيطانية، وتكثيف الاقتحامات للحرم القدسي بقيادة أعضاء كنيست ووزراء، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني على الحرم، إلى سيناريوهين: أحدهما فوضى شاملة (بمعنى انفلات الأمور في القدس والضفة الغربية، وخروجها عن السيطرة الإسرائيلية، بالتوازي مع احتمال فوضى إقليمية في حال إسقاط النظام الإيراني). والآخر، انتفاضة فلسطينية جديدة تعبّر عن نمط جديد من المقاومة الفلسطينية في مواجهة تحديات المشروع الصهيوني، بشرط توليد مركز ثقل فلسطيني جديد يتجاوز شلل السلطة والانقسام الوطني؛ إذ تبقى القدس مركزاً حيويّاً في إعادة تشكيل الهوية الفلسطينية، ويمكنها، في حال توفّر استراتيجية نضالية صحيحة، أن تخرج المشروع الوطني الفلسطيني من أزمته الطويلة.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى