مصر والاتزان الاستراتيجي والتغيّر السياسي

خيري عمر

بعد عقد من التقلّبات السياسية والأمنية، اقترحت وزارة الخارجية مصطلح “الاتزان الاستراتيجي” في كتاب “الاتزان الاستراتيجي… ملامح من السياسة الخارجية المصرية في عشر سنوات” (وزارة الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، ديسمبر/ كانون الأول 2025)، عنواناً لمرحلة تعاملت فيها الدولة مع تداعيات انهيار نُظم حكمٍ وانتشار العنف، لتبدو المعضلة في قراءة الحكومة لتحدّيات الأمن الإقليمي وصياغة خريطة المصالح في بيئة مضطربة فترة طويلة. وفي إطار الأمن القومي، تبدو أهمية الاقتراب من استعراض السياسة الخارجية وملامحها العامة، وخصوصاً ما يتعلّق بالمحتوى الفكري ومسار العلاقات السياسية.
خلال العقد الماضي، تشكّلت بيئة السياسة الخارجية في سياق عاملَين: تطوّر السياسات العامة والتنافسية الإقليمية. على المستوى الداخلي، في 2015، بدأت بالإصلاح الأمني، وتحسين البنية الأساسية، ومراجعة السياسة النقدية، وعلى التوازي اتجهت إلى هيكلة قطاع الدفاع والتسليح والتجارة الخارجية. جرت هذه العمليات في بيئة معقّدة؛ فداخلياً شكّلت مكافحة الإرهاب في سيناء عاملاً أساسياً في محدّدات العلاقات السياسية. وعلى المستوى الخارجي، شكّلت بيئة الصراع الإقليمي والدولي قيداً على مرونة استئناف برامج التعاون مع الولايات المتحدة، لتنعكس عملية مأسسة الحوار الاستراتيجي وانتظامه في تجاوب الجانب الأميركي مع الجوانب العسكرية.
وعلى المستوى الإقليمي، يشير الكتاب إلى الأعباء المتكرّرة أمام السياسة الخارجية، بدأت مرحلتها الأولى في تداعيات أحداث 2013، وخصوصاً ما يرتبط بتجميد عضوية مصر في الاتحاد الأفريقي، وضغوط ملفات حقوق الإنسان، والانصراف للشؤون الداخلية. ووفق حزمة المعايير، تمكّنت مصر من تجاوز الارتباك مع الاتحادين الأفريقي والأوروبي، لتعود العلاقات لطبيعتها في 2015، فيما تستمر حالة الشدّ والجذب مع الولايات المتحدة لفترة متأخّرة، ارتبطت أسبابها بالخلاف على سياسة مكافحة الإرهاب وترتيبات الجيش في سيناء.
شكّل تزامن اشتعال الأزمات على مدار الحدود البرية والبحرية ذروة التحدّيات، لتكون الدولة في مواجهة تداعيات الاضطراب العسكري والاقتصادي
وفي مرحلة لاحقة، شكّل تزامن اشتعال الأزمات على مدار الحدود البرية والبحرية ذروة التحدّيات، لتكون الدولة في مواجهة تداعيات الاضطراب العسكري والاقتصادي، وتحت ضغط استقبال اللاجئين من مجتمعات لها ميراث مشترك مع المجتمع المصري. بدأ التوتّر بالحرب الأهلية في السودان في 15 إبريل/ نيسان 2023، ثم حرب غزّة بعد “7 أكتوبر” من العام نفسه، وما تبعها من نشرٍ للقوات الأميركية والألمانية في البحر المتوسّط، وأخيراً دخول حركة “أنصار الله” (الحوثية) الحرب وتسببها في خنق قناة السويس.
ظهر مصطلح “الاتزان الاستراتيجي” في بيئة تنافسية. وطرحت إيران “الصبر الاستراتيجي” مفهوماً دفاعياً، ترتكز مقوماته على دور الجماعات المسلحة في الدفاع عن المصالح الإيرانية. فيما اقترحت تركيا مصطلح “المئوية التركية” مرتكزاً على الدولة القوية. وفي ظل التطوّرات الإقليمية، ستشكّل المصطلحات ملامح العلاقة بين الدول الثلاث، على أرضية الموقف من الدولة الوطنية والجماعات المسلحة.
على هذه الأرضية، تشكّلت ملامح السياسة الخارجية وفق معياري دوائر الانتماء الحضاري/ الجغرافي وكثافة العلاقات العسكرية والاقتصادية. لا يحمل هذا التصنيف ميزةً تفضيليةً بقدر ما يضع المعايير المساعدة لشرح خريطة المصالح وتوزيع أعباء السياسة الخارجية وفق مصفوفة مرنة للمزج ما بين العمق الحضاري، والتاريخ، والتجارة، والأمن.
ومن وجهة الفواعل الدولية، ارتكزت السياسة المصرية على الدولة القومية أساساً للعلاقات بين الدول، ولهذا تُركّز في احترام مبدأ السيادة وتماسك نظم الحُكم، ومبدأ سلمية العلاقات الدولية. وضمن أهداف السياسة الخارجية، شكّل التصدّي لمشروع الشرق الأوسط، بشقّيه العسكري والسياسي، أولويةً لأن فيه إطاحة الدولة الوطنية، وتمهيداً لتصفية القضية الفلسطينية. ولذلك، ومع تعدّد حالات الاضطراب، اتّسمت الاستجابة المصرية باتباع سياسة وقائية ودفاعية، تمثّلت في منع تسرّب تداعياتها في داخل الدولة، والدعوة لاستيعاب مكوّنات المجتمع في بناء النظام الجديد.
كان التصدّي لمشروع الشرق الأوسط أولويةً مصرية فيه إطاحة الدولة الوطنية وتمهيداً لتصفية القضية الفلسطينية
وبشكل عام، نظرت السياسة الخارجية إلى أعباء صعود الجماعات المسلحة وانتشار الأعمال العدائية تهديداً سياسياً، إذ يمثّل انقسام السلطة تحدّياً حرجاً، وخصوصاً مع حالات انهيار الحكومات في مواجهة الشبكات المسلحة، لتنشأ أنماط من السلطات الضعيفة والمصحوبة بأزمات التكامل الوطني. وهنا، يقدّم الكتاب أحداث 2011 أساساً للاضطراب في السنوات اللاحقة، تلازم فيه انهيار الحكومات مع تصاعد دور العامل الخارجي، لتواجه الدول هشاشةً أمنيةً وإدارية.
ومع تداعيات صعود الإسلامية الجهادية، تصاعد اهتمام السياسة المصرية بمكافحة الإرهاب باعتباره تهديداً للدولة الوطنية وللسلم والأمن الدوليَين، فيوفّر صعود الجماعات المسلحة بيئةً مناسبةً لوضع الدول على مشارف الانقسام. وهنا، سعت مصر إلى إنشاء آلية التنسيق الجماعي وتحسين القواسم المشتركة ما بين الدول لمواجهة العنف والتطرّف. وفي هذا السياق، أبدت السياسة المصرية مرونةً في تسوية الخلافات مع تركيا مع الحفاظ على جوهر مكافحة الإرهاب، من دون تعطيل المضي نحو شراكة استراتيجية ثنائية ضمن نطاق الأمن الإقليمي.
ووفق مبدأي المصالح المشتركة ومكافحة التهديد، يلمّح الكتاب إلى فرصة تحالف الدول متوسّطة القوة لإثراء تعدّدية الفاعلين في النظام الدولي، بتجميع قدرات الدول الراغبة في تجاوز التهميش وتحسين نفوذها الدبلوماسي. ولذلك انشغلت السياسة الخارجية بإرساء ملامح الاتزان الاستراتيجي السياسية والاقتصادية؛ فقد ارتبطت كثافة التفاعل مع تركيا وباكستان والسعودية بملفات الأمن الإقليمي، وأمن الخليج، وآليات التنسيق الاقتصادي. وكانت هذه المجموعة رافعةً أساسيةً لتفعيل منظمة التعاون الإسلامي تجاه الحرب على غزّة عقب “7 أكتوبر” ومساندة إيران ضدّ العدوان الإسرائيلي.
يفرض تعدّد حالات الدول الفاشلة وانتشار الجماعات المسلحة توجّهاً نحو السياسة الدفاعية، ومن هذه الوجهة يمكن فهم “الاتزان الاستراتيجي” إطاراً للتفاعل المرن مع التحدّيات المتجدّدة. وفي ظل ارتكاز السياسة الخارجية على مبدأَي الدولة والعلاقات السلمية، يمكن فهم السلوك السياسي في حالتَين: فإنه رغم تصنيف هيئة تحرير الشام ضمن الحركات المسلحة، لم ترفض مصر وجودها في السلطة الانتقالية، لكنها ربطت موقفها بالمضي نحو تأسيس حُكم واسع يمثّل المكوّنات السورية. وفي هذا النطاق، ارتبط الموقف المصري من تطوّرات الأزمة اليمنية أخيراً بالحياد تجاه أمن الخليج ووحدة اليمن.
تشكّلت بيئة السياسة الخارجية المصرية خلال العقد الماضي في سياق تطوّر السياسات العامة والتنافسية الإقليمية
يوضح هذا السياق إطار التحرك فيما بين الإقليمي والدولي لمكافحة العزلة بالاعتماد على تنويع العلاقات أساساً لتجنّب الاحتكار وتفكيك الحصار؛ فقد تحرّكت ضمن إطار عربي ـ إسلامي لمواجهة تداعيات الحرب على غزّة، كما تمكّنت من تنشيط علاقاتها مع التجمّعات الدولية الكُبرى، ولا سيّما مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون. وكان التطوّر المهم في استئناف المشاركة المصرية ـ الأوروبية وتسيير الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، وتوسيع العلاقات الأفريقية.
وضمن مداخل عدّة، كانت الحرب في غزّة واحداً من مداخل المطالبة بإصلاح النظام الدولي للاستجابة لمطالب الفلسطينيين ووقف الحرب، فقد تحركت مصر دبلوماسياً مع شركاء جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، فوضعت القضية الفلسطينية في مسار التعامل الدولي، بدأت نتائجه في السير بمراحل وقف الحرب ضمن إطار الترابط ما بين تسوية القضية الفلسطينية وتحقيق الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
وعلى المستوى الأفريقي، أسّست مصر سياساتها في جانبَين: وقف تآكل رصيد دعمها لحركات التحرر الوطني والاستقلال في القرن الماضي، وعدم تناسب التعاون الاقتصادي مع الإمكانات التنموية. قامت معالجة هذه الفجوة على ثلاثة محاور: توسيع الدور الدبلوماسي، والشراكة الثنائية والجماعية، والمزج بين الدور التنموي للمياه والتمسّك بالحقوق المائية.
على أيّ حال، لا يقدّم الكتاب إطاراً نظرياً للسياسة الخارجية بقدر ما هو تبويب يستعرض حقبةً شهدت تقلّبات على المستويات الإقليمية والدولية، بصورة تساعد في قراءة خريطة المصالح والتهديد والقدرة على التكيّف معها. ولذلك، لا يقتصر تقييم السياسة الخارجية على محتوى الكتاب، بل يرتبط بتحقيق أهدافها في منع تسرّب التوتّر الخارجي للشؤون الداخلية وكفاءة التعامل مع التحدّيات طويلة المدى، وخصوصاً ما يرتبط بمرونة التعامل مع مشكلات المياه، والأمن الإقليمي، واستقرار تنوّع العلاقات الخارجية.
المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى