
من الصعب تكوين فهم أشمل للحرب التي تشنها الولايات المتحدة، بالتحالف مع إسرائيل، على إيران من دون الالتفات إلى سياقاتها الدولية الأوسع، ويُقصد هنا المواقف منها وتداعياتها على القوى الكبرى الأخرى في النظام الدولي، وتحديداً روسيا والصين، التي خسرت خلال 15 شهراً حليفين على الساحة الدولية، بشار الأسد في سورية ونيكولاس مادورو في فنزويلا، مع احتمال خسارة حليف ثالث، أكثر أهمية، لو نجحت إدارة ترامب في تحقيق أهدافها من الحرب على إيران. ويمثل تموضع إيران، وعلاقتها القوية بكلٍّ من روسيا والصين، أحد الأسباب الخلفية للحرب الأميركية عليها. مع ذلك، كان لافتاً أن الموقف الروسي لم يخرج عن حدود الإدانة اللفظية، فيما اكتفت الصين بالإعراب عن قلقها، معتبرة أن الولايات المتحدة تخرق قواعد القانون الدولي بحربها على إيران.
تعد إيران القطب الإقليمي الأكثر أهمية في منطقة غرب آسيا، فهي من أكبر الدول في منطقتها، بمساحة 1,648 مليون كم مربع وعدد سكان 88 مليون نسمة، والأهم أن إيران تملك ثاني أكبر احتياط غاز في العالم بعد روسيا (17% من احتياطات العالم) وثالث أكبر احتياطي نفط بعد فنزويلا والسعودية (208 مليارات برميل)، وتتمتع بموقع استراتيجي فريد، بحدود تصلها مع 19 دولة، وإطلالة على أحد أهم الممرات المائية في العالم، وهو مضيق هرمز الذي يمر منه يومياً نحو 20% من احتياجات العالم من الطاقة. وتقديراً لأهميتها، وصف وزير الخارجية الأميركي الأسبق، هنري كيسنجر، خسارة إيران حليفاً، بعد سقوط الشاه عام 1979، بأنه أكبر خسارة استراتيجية لحقت بالولايات المتحدة طوال فترة الحرب الباردة، وصارت استعادتها حلماً راود كل الرؤساء الأميركيين من جيمي كارتر إلى جو بايدن، مروراً برونالد ريغان، وجورج بوش الأب، وبيل كلينتون، وجورج بوش الابن، وباراك أوباما، والآن دونالد ترامب، الذي يمنّي النفس بدخول التاريخ بحسم هذا الملف الذي أعيا من قبله.
وفيما لا يخفي ترامب أطماعه في السيطرة على ثروات إيران، كما فعل في فنزويلا، يبغي إضعاف الصين أيضاً بهذه الطريقة عبر حرمانها من حلفائها الواحد تلو الآخر، والسيطرة على مصادر الطاقة التي تعتمد عليها. وكانت إيران، إلى جانب فنزويلا، أبرز مصادر الطاقة الرخيصة بالنسبة للصين، إذ كانت الأخيرة تحصل على النفط منهما بأسعار تفضيلية بسبب العقوبات الأميركية المفروضة عليهما، وقد سمح هذا لها بتقليل تكاليف الإنتاج والمنافسة بشكل أفضل في الأسواق العالمية. وتستورد الصين نحو 13% من احتياجاتها النفطية من إيران، وكانت قد وقعت في مارس/ آذار 2021 على اتفاقية تعاون استراتيجي تحول إيران حرفيًا، عبر ضخ استثمارات بقيمة 450 مليار دولار، إلى محطة وقود للقطاع الصناعي الصيني. إذا تمكنت الولايات المتحدة من تحقيق أهدافها في إيران، فهذا يعني أن واشنطن باتت تسيطر على 70% من مصادر الطاقة الصينية على جانبي الخليج.
إذا كانت هذه هي الحسبة بالنسبة لواشنطن، فما هي حسابات بكين؟ سوف تلتزم الصين، كما فعلت دائماً، بتجنّب الانخراط بأي صراعات مباشرة مع الولايات المتحدة، وترتكز استراتيجيتها على تركها تستنزف قدراتها الاقتصادية والعسكرية في حروب وصراعات حول العالم، وبما يصرف انتباهها عنها أيضاً. وبالفعل، تعد الصين أكبر مستفيد من حروب أميركا في العالم الإسلامي بين 2001-2021 (توافق فترة الصعود الكبير للصين)، وتأمل أن تغرق الولايات المتحدة في حرب طويلة أخرى في المنطقة تعطيها مزيداً من الوقت لتعزيز قدراتها، بما يسمح لها في نقطة ما في المستقبل في إزاحة واشنطن عن عرش القوة في العالم. بدورها، تطمح روسيا، التي تستفيد من ارتفاع الاسعار نتيجة انقطاع إمدادات الغاز والنفط في الخليج، إلى استعادة مكانتها في أسواق الطاقة العالمية، وزيادة اعتماد كل من الصين وأوروبا عليها. تأمل روسيا، فوق ذلك، بأن تطول الحرب بين إيران والولايات المتحدة، وأن تنجرّ إليها دول أوروبا الرئيسة (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) بما يصرف اهتمامها عن دعم أوكرانيا، وتحويل الذخائر المخصصة لها إلى مسرح عمليات آخر. في الواقع، تمثل الحرب على إيران أهم فرصة بالنسبة لبوتين، لإضعاف الأوروبيين، وإنهاء حرب أوكرانيا وفق شروطه. أما إذا حسمت واشنطن الصراع سريعاً لمصلحتها مع إيران، فسوف تكون الحسبة مختلفة تماماً، بالنسبة للجميع.
المصدر: العربي الجديد






