
في لحظة حرجة في المنطقة التي تعيش حرباً إقليمية غير مسبوقة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تمّ اطلاق صواريخ من لبنان تجاه إسرائيل، وهي خطوة كانت إسرائيل تنتظرها لتوسّع عدوانها المستمر على لبنان منذ العام 2024. وأتت التحليلات الأولية لتفيد أن هناك من يريد توريط لبنان وحزب الله في الحرب، الى أن صدر بيان باسم “المقاومة الإسلامية”، يتبنى العملية.
تعتمد هذه القراءة على مقاربة تحليل الخطاب السياسي ضمن حقل الاتصال الاستراتيجي في سياقات النزاع. وتنطلق من فرضية أن البيانات الصادرة عن الفاعلين المنخرطين في صراعات مسلّحة لا تؤدي وظيفة إعلامية فحسب، بل تشكّل أداة لإدارة الرسائل وبناء الشرعية وضبط التوقعات لدى جمهورين متمايزين: داخلي وخارجي.
وعليه، يركّز التحليل على ثلاثة عناصر أساسية: اتساق البنية اللغوية للبيان، التناسب بين الإطار الرمزي والفعل الميداني، وتأثير ذلك في البيئة السياسية اللبنانية، ولا سيما في ما يتصل بدور حزب الله داخل النظام السياسي.
أولاً: تحليل الخطاب السياسي للبيان
عند القراءة المتأنية لنص البيان الصادر باسم “المقاومة الإسلامية”، نلاحظ وجود “ثنائية” في الخطاب. بدأ البيان في الفقرة الأولى برفع سقف الخطاب الأيديولوجي بتوصيف العملية بأنها ثأر لشخصية دينية بمقام “المرشد”، وهو ما يعكس التزاماً عقائدياً أبعد من حدود لبنان- الدولة.
ومع ذلك، جاءت الفقرة الثانية لتعيد توصيف الفعل بأنه “رد تحذيري” وهو ما يخلق نوعاً من التباين بين الفقرة الأولى والثانية من الخطاب. مع العلم انه في العلم السياسي والعسكري، “التحذير” يسبق الفعل ولا يلحقه. وهكذا، إن استخدام مصطلح “الرد التحذيري” يفرغ المقدمة من محتواها.
ثم يعود البيان الى استخدام لغة “الدفاع المشروع” عن لبنان، والمطالبة بخروج الاحتلال في الفقرة الثانية، وهو ما يعكس رغبة واضحة في مواءمة الفعل مع سقف القانون الدولي وشرعية حق الشعوب في تقرير مصيرها، ومع حدود لبنان- الدولة.
إضافة الى ما سبق، يمثل استهداف موقع “مشمار الكرمل” – وهو موقع ذو طبيعة دفاعية تقنية – بصلية محدودة من 6 صواريخ، “تناقضاً وظيفياً” مع حجم المظلومية المعلنة في الافتتاحية، ويظهر عدم تناسب بين طبيعة الهدف العسكري وحجم الشخصية التي يتم الثأر لها (كما أتى في الافتتاحية).
ثانياً: التداعيات على الواقع السياسي اللبناني
بعيداً عن الميدان، أفرزت هذه العملية وتوقيتها والبيان تحديات سياسية وقانونية لحزب الله. للمرة الأولى منذ التسعينيات، تميّز الحكومة اللبنانية بين المستوى السياسي والعسكري لحزب الله.
منذ انتهاء الحرب الأهلية ولغاية 2025، أقرّت البيانات الوزارية للحكومات اللبنانية المتعاقبة، حق المقاومة، وغطّت عمل حزب الله “المقاوم” وسلاحه. إن القرار الحكومي الجديد بالتمييز بينهما، يضع “الغطاء الرسمي” الذي تمتعت به المقاومة في البيانات الوزارية السابقة أمام اختبار حقيقي، ويفرض تحدياً جديداً على العلاقة بين مكونات الدولة السياسية والطائفية.
من ناحية أخرى، أدت العملية والبيان الى إحراج المستوى السياسي في حزب الله، الذي كان قد أعطى وعوداً للرئيسين جوزاف عون ونبيه برّي، بأن الحزب لن يتدخل في حال حصلت الحرب على إيران. إن صدور مواقف حكومية حازمة، وبموافقة وزراء حركة أمل – الحلفاء التاريخيين- تضع الحزب أمام مسؤولية ضرورة إعادة تنسيق “هندسة الإجماع الوطني” لتفادي أي استفراد إسرائيلي بالساحة اللبنانية، خصوصاً في ظل اتساع رقعة الاعتداءات الإسرائيلية، التي ستؤدي الى تهجير وضغوط هائلة على البيئة الحاضنة.
في النتيجة، إن الجمع بين خطاب ذي حمولة عقائدية مرتفعة أكبر من لبنان، وفعل عسكري محدود يطرح إشكالية التناسب وإدارة التوقعات، ويسعّر النقاش الداخلي حول موقع العمل المسلح ضمن معادلة الدولة. تُظهر هذه الحالة مدى التعقيد الذي يحيط بإدارة الرسائل السياسية في سياق نزاع إقليمي مفتوح. فالبيان الصادر عن “المقاومة الإسلامية” التابعة لحزب الله يمكن قراءته ليس فقط من زاوية الفعل الميداني، بل من دلالاته وتأثيرها في البيئة السياسية الداخلية، وهذا ما يجعله مثار استقطاب سياسي ومجتمعي لبناني في ظل حرب إسرائيلية كبرى على لبنان.
المصدر: المدن






