
من بين أخطر ما أفرزته الحرب الدائرة التي دخلت يومها الخامس، ليس فقط اتساع رقعة النار، بل ذلك الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته طهران، حين مدّت صواريخها إلى محيطها الخليجي، خصوصًا حين أصابت دولة مثل قطر التي لعبت أدوارًا وسيطة لمصلحة ايران في أحلك الظروف، وحين كان لا أحد يريد أن يسمع لطهران. هنا لم تعد المسألة مجرد حسابات عسكرية عابرة، بل تحوّل في بنية الثقة نفسها: من فجوة قابلة للردم إلى حالة “لا ثقة” مرشحة لأن تمتد لعقود.
أولًا: اختلاط خطوط العداء والصداقة
إن السلوك العسكري الإيراني في مواجهة الهجوم الإسرائيلي-الأميركي أثار تساؤلات عميقة في الإقليم. ففي حين كانت طهران تخوض معركتها ضد خصومها المباشرين، بدا في بعض اللحظات أن خطوط العداء والصداقة قد اختلطت عليها، إذ امتدّت صواريخها وطائراتها المسيّرة إلى محيطها العربي الخليجي، ذلك المحيط الذي لم يدّخر، في مراحل سابقة، جهدًا دبلوماسيًا لتجنيبها ما آلت إليه الأمور.
في سلطنة عُمان كانت الوساطة قائمة حين انسدت قنوات التواصل بين طهران وواشنطن.
ولعبت قطر أدوارًا متعددة في فتح نوافذ الحوار عندما بدا أن لا أحد مستعدًا للجلوس مع القيادة الإيرانية. ومع ذلك، وجد هذا الجوار نفسه في مرمى النيران.
يرى محللون سياسيون، خليجيون وغير خليجيين، أن هذا السلوك يمثل خطأً استراتيجيًا بالغ الكلفة؛ فهو يعمّق فجوة الثقة القائمة أصلًا بين ضفتي الخليج، ويمنح خصوم إيران حججًا إضافية لتكريس سرديتهم بأنها مصدر تهديد مباشر لجيرانها. فالضرر لا يقتصر على الخسائر المادية أو الأمنية، بل يمتد إلى خسارة معنوية أشد وقعًا: فقدان التعاطف الشعبي في بيئة كانت، بالرغم من التباينات السياسية، تميّز بين الخلاف السياسي والعداء الوجودي.
ثانيًا: بين “استهداف القواعد” وامتحان السيادة
إيران، من جهتها، تبرر ضرباتها بأنها استهداف للقواعد والمصالح الأميركية المتمركزة في بعض دول الخليج، لا استهدافًا للدول نفسها. لكن في زمن الحرب، لا تكون الرسائل دائمًا قابلة للفصل النظري بين “الموقع” و”السيادة”، ولا بين “الرد العسكري” و”الانعكاس السياسي”.
فالسيادة في الوعي الوطني ليست تفصيلًا تقنيًا. وأي اختراق لأراضي دولة، حتى لو كان بذريعة استهداف طرف ثالث، يُقرأ داخليًا باعتباره مساسًا مباشرًا بكيان الدولة وهيبتها. وهنا تحديدًا تكمن خطورة الخطأ الإيراني: لأنه نقل التوتر من مستوى “الخلاف السياسي” إلى مستوى “التهديد الأمني المباشر”.
ثالثًا: سؤال الحرب… من المنطق إلى الأخلاق
وإذا كانت هذه التطورات من مفاجآت الحرب وتقلباتها، فإن للحرب وجهًا آخر أكثر تعقيدًا: سؤال المنطق والأخلاق.
أيّ حرب هذه؟ وما مبررها الأخلاقي؟
هل تتجاوز أهدافها المعلنة ما صرّح به الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حول ضرورة تغيير النظام الإيراني، وتفكيك قدراته العسكرية، وتحقيق “حرية الشعب الإيراني”؟
التاريخ الحديث يُظهر أن شعار “تغيير النظام” غالبًا ما يفتح أبوابًا لا يمكن التحكم بمآلاتها. فالحروب التي تبدأ تحت عناوين أمنية أو أخلاقية تنتهي أحيانًا بإعادة تشكيل خرائط، وإعادة توزيع نفوذ، وخلق فراغات قوىً تملؤها صراعات جديدة.
وعليه، فإن السؤال الأعمق لا يتعلق فقط بمن سيربح المعركة، بل بمن سيدفع ثمن إعادة تشكيل الإقليم. هل ستكون النتيجة نظامًا إقليميًا أكثر استقرارًا؟ أم مرحلة جديدة من التفكك والاصطفافات الحادة؟
رابعًا: تداعيات الحرب على مستقبل العلاقات الخليجية- الإيرانية
الخطأ الإيراني لم يكن فقط عسكريًا، بل سياسيًا واستراتيجيًا طويل الأمد. فالعلاقات الخليجية- الإيرانية كانت تمر بمرحلة إعادة تموضع حذرة: انفتاح دبلوماسي محدود، قنوات تواصل أمنية، ومحاولات لخفض التصعيد. إلا أن ضرب دول الخليج -ولو تحت عنوان استهداف مصالح أميركية- أعاد إنتاج الصورة النمطية القديمة عن إيران بوصفها مصدر تهديد مباشر للمنطقة.
هذا التحول يحمل تداعيات عدة:
1- تآكل فرص الوساطة مستقبلاً: الدول التي لعبت دور الوسيط ستجد صعوبة في تبرير الانخراط مجددًا في مسارات تهدئة مع طرف استهدف أراضيها.
2- تعزيز المظلة الأمنية الغربية: أي شعور متنامٍ بالتهديد سيدفع بعض العواصم الخليجية إلى تعميق شراكاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة وشركائها.
3- تحول فجوة الثقة إلى لا ثقة: وهو أخطر ما في المشهد، لأن الثقة يمكن ترميمها بتنازلات متبادلة، أما “اللا ثقة” فتصبح جزءًا من العقيدة الأمنية وصنع القرار.
خامسًا: هل تدخل دول الخليج الحرب مباشرة؟
حتى الآن، تبدو غالبية دول الخليج حريصة على تجنّب الانخراط المباشر في الحرب. فاستقرارها الاقتصادي وأمنها الداخلي يرتبطان بتفادي التحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
لكن احتمالية الدخول -ولو على نحوٍ غير مباشر- تبقى رهينة ثلاثة عوامل:
– مدى توسع الضربات الإيرانية داخل المجال الخليجي.
– طبيعة الرد الأميركي والإسرائيلي، وحجم الضغط السياسي والعسكري.
– قدرة القنوات الدبلوماسية، خصوصًا عبر أطراف إقليمية، على احتواء التصعيد.
السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار دول الخليج في سياسة “النأي بالنفس المدروس”، مع تعزيز دفاعاتها ورفع مستوى التنسيق الأمني، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة، إلا إذا فُرض عليها ذلك فرضًا.
لحظة إعادة تعريف الإقليم
الحرب، في نهاية المطاف، ليست مجرد تبادل نيران، بل لحظة إعادة تعريف للشرعية، للردع، ولحدود القوة. وما لم يكن لها أفق سياسي واضح، فإنها تتحول من أداة لتحقيق غاية إلى غاية بحد ذاتها. وتلك هي الدوامة التي تخشاها شعوب المنطقة أكثر من أي شيء آخر.
أما الخطأ الإيراني الأكبر، فليس فقط في حسابات الميدان، بل في خسارة الجغرافيا الأقرب. حين تتحول الدول التي حاولت مدّ الجسور إلى ساحات نار، فإن فجوة الثقة لا تعود مجرد أزمة عابرة، بل تصبح قطيعة نفسية واستراتيجية قد تطول أكثر مما تطول الحرب نفسها.
المصدر: المدن






