
بينما كانت المفاوضات الأميركية الإيرانية تحاول التقدم تنفيذاً للشروط الأميركية الأربعة بديلاً عن الحرب، وفي لحظة مفاجئة، اختارت أميركا وإسرائيل بدء عملياتها العسكرية وضرباتها الجوية على قيادة النظام الإيراني صباح يوم 28 شباط، ما أدى إلى مقتل المرشد الأعلى للنظام الإيراني ومعظم قادة الصف الأول العسكري والأمني من حرسه الثوري. الأمر الذي أحدث تغيرات حادة في مسارات الشرق الأوسط، والتي قد تشعل كامل منطقة الشرق الأوسط بحرب واسعة طالما تم التحذير منها. اذ إن الرد الإيراني أتى مباشراً باستهداف مدن الخليج العربي وضرب كل القواعد الأميركية في المنطقة وشن هجمات صاروخية على إسرائيل، والتوعد برد قاسٍ على مقتل مرشدها الأعلى.
الامر الذي يهدد أمن الخليج العربي برمته وإمكانية اشعال فتيل حرب إقليمية واسعة إذما تدخلت بها دول أخرى، ما ينذر بخطر عالمي يتجاوز منطقة الشرق الأوسط. خاصة وأن التحذيرات السابقة لنشوب هذه الحرب لم تتوقف سواء من الخليج العربي أو الدول الأوروبية ومدى تأثرها بنتائجها سواء من اغلاق مضيق هرمز، أو من تداعيتها التي تتنامى إذا ما توقفت كل من الصين وروسيا عند خطر الاستيلاء على إيران وقلب الشرق الأوسط وأثاره على المعادلة العالمية سياسياً وخطوط التجارة البرية والطاقة اقتصادياً.
إنها الحرب إذا ولا أحد يستطيع التكهن بنهايتها، فهل سيسقط نظام الملالي الإيراني بمقتل مرشده الأعلى؟ وهل ستنتهي هذه الحرب خلال الأربعة أيام المحددة أولياً بدءاً من 28 شباط أم خلال أربعة أو خمسة أسابيع كما صرح ترامب؟ أم ستطور سيناريوهاتها وتتوسع دوائرها كما كانت احتمالات توقعها حال نشوبها وتمتد لجنوب لبنان كما يحدث الآن، أو العراق قريباً أو تشمل مناطق أخرى في المنطقة؟ وهل إعلان قادة إيران القبول بجولة مفاوضات جديدة بعُمان تعني بدء مرحلة جديدة في إيران والشرق الأوسط رغم استمرارها في استهداف مدن الخليج العربي ومواقع القواعد الأميركية في المنطقة؟ أم سيقع المحذور وتدخل منطقة الشرق الأوسط برمتها في أتون حرب كبرى تأتي على بقية مدنها وعواصمها؟ أسئلة متعددة وتلح على كل المهتمين بالشأن الدولي والإقليمي، وتبدو أن اجاباتها غير نهائية، ولا يمكن لأحد توقع نهايتها الأكيدة، سوى أن الحرب قد بدأت فعلياً.
التفوق التقني العام والعسكري التكنولوجي الذي أفاد بإمكانية رصد حركات المرشد الأعلى وجميع قادته، ما يشبه تماماً ما جرى مع نصرالله في جنوب لبنان.
ربما لن تقف هذه الحرب عند إيران وفقط وهذا خطر جسيم، لكن ما يمكن توقعه على مستوى إيران متعدد الاتجاهات، وهي اليوم أمام سيناريوهات متعددة:
– قد تبقى إيران مدافعة بضربات عسكرية صاروخية على دول الخليج في محاولة للضغط عليها للمساهمة في وقف هذه الحرب، وإن لم يكن، فاستدراجها لحرب مفتوحة تسعى من خلالها إيران لنقل دائرة الحرب الجوية المباشرة على أراضيها إلى أراضي الجوار العربي والانتقال لحرب برية مفتوحة معها، هذا مع بقاء نظامها الملالي مهيمناً في خلفية المشهد مهما توالت عمليات الاغتيال لقادته وخلفائه.
– في حين يبرز السيناريو الآخر وهو الذهاب لجولة مفاوضات جديدة تحت ضغط الضربات العسكرية الجوية الأميركية الإسرائيلية والدفع بضغط عربي خليجي لمحاولة إيقاف الحرب والتسليم ببعض الشروط الانتقالية الممكنة، وأهمها استغناؤها الكلي عن برنامجها النووي وصواريخها الباليستية مقابل الحفاظ على منظومة القيادة الإيرانية بمرجعيتها القائمة مع تبديل الأسماء.
– بينما يأتي حديث ترامب ومثله نتنياهو، بالتوجه للشعب الإيراني وحثّه على اقتناص ما وصفوه بالفرصة التاريخية وأخذ زمام المبادرة وخلع سلطة نظام الملالي بأكمله بعد أن مهدت هذه الضربات الطريق واسعاً أمامها. وهنا يذهب الشك بعيداً بأن دلالة الخطاب تذهب لأبعد من الشعب بقدر الإشارة بالتعامل مع بعض مراكز القوى العسكرية داخل إيران للانقضاض على السلطة، ما يشبه ما حدث بالعراق 2003، مع طرح بديل أميركي للمرحلة الانتقالية، كما أشار ترامب أكثر من مرة.
– وأيضاً، يأتي تشجيع المكونات العرقية الإيرانية في السياق ذاته، ولكنه يذهب باتجاه البحث عن إمكانية تقسيم إيران إلى دويلات، وبهذه الحالة سيحتفظ نظام الملالي بمكانته الجزئية ضمن دويلة شيعية، لتبرز معادلات العرب والبلوش والكورد وغيرهم كمكونات في دويلات أخرى..
فيما لو ذهبنا بعيداً عن النتائج والتي واضح أنه من المبكر التكهن بها وصعوبة تحديد أرجحية احتمال على آخر، لكن الدلالات الأولية لمجريات هذه الحرب تشير إلى جملة من النقاط الهامة:
– التفوق التقني العام والعسكري التكنولوجي الذي أفاد بإمكانية رصد حركات المرشد الأعلى وجميع قادته، ما يشبه تماماً ما جرى مع نصرالله في جنوبي لبنان، والذي يدلل على قدراته كسلاح فعّال بديلاً عن الترسانات النووية التي تجبر جميع القوى العالمية التي تمتلكه للتوقف عند حسابات التكنولوجيا فائقة الفعالية.
– سعة الضربة العسكرية الأولى كادت أن تشلّ معظم الدفاعات الإيرانية، لكنها لم تتمكن بعد من إنهاء منظومتها العسكرية كلياً، ما يعرض أمن الخليج للتهديد اليومي، وبالضرورة لم تزل مسألة حسم الحرب تعتمد على المنتج المتحقق برياً سواء كان عسكرياً أو تفاوضياً أو انقلاباً داخلياً.
– تراجع وانحسار نظريات التوأمة الأيديولوجية التي طالما ترددت عن تحالف عضوي بين كل من إيران وإسرائيل وأميركا على المنطقة، وأدلتها طبعاً المتعلقة بدخول إيران بالحرب ضد العراق 2003 أو دخولها ضد الشعب السوري ومساعدة نظامه السابق للإجهاز على ثورته وذلك تحت العين والموافقة الأميركية المباشرة! لكن هذه المنظومة الأيديولوجية لا تريد أن ترى أن علاقات الدول قد تغيرت من معادلات “مصاهرة” سياسية إلى تحالفات متعددة الأوصاف عسكرياً واقتصادياً وسياسياً عولمياً معتمدة نظام المصالح الآنيّة والأهداف المحددة.
– “صديق الأمس عدو الغد”، وهذا ما يجب الحذر منه سواء على مستويات السياسة المرحلية في المنطقة وقادتها، أو على مستوى نسج التحالفات الدولية وعدم الانجرار الكلي خلف منافع راهنة قد تنقلب عكسياً حين تتضارب المصالح. وهو تماماً ما حدث مع إيران التي قدمت خدمات جليلة في تفكيك العراق ومحاولة الإجهاض على الثورة السورية وتحويل مساراتها لصراعات دامية، وكل ذلك تحت العين الأميركية، وها هي اليوم باتت منافساً كبيراً في الشرق الأوسط يجب اجتثاثها وتغييرها كلياً.
مقتلة كبرى قد تتحجم مرحلياً إذما نأت دول العالم بنفسها عنها، وقد تتوسع وتشكل كارثة عالمية كبرى خلاف ذلك، ويبدو أن التموضع على القاعدة الداخلية المتماسكة لكل دولة واستعادة قوة التحالفات السياسية تحت عنوان نبذ الحرب هو الأقدر على تفادي مخاطرها.
– المواجهة القائمة اليوم هي بين التكنولوجيا والأيديولوجيا من جهة وبين الجيوبوليتيك والعلاقات الدولية السياسية من جهة أخرى. فإن كانت الإيديولوجيا العقائدية التي حاولت نشرها إيران طوال العقود الماضية باتت في مواجهة مباشرة مع قوة التفوق التقني العصرية، فمنظومة التحالفات الدولية باتت متأخرة جداً أمام هيمنة نظريات التوسع
الجيوبوليتيكية، والتي تنذر بمقدمات حرب عالمية واسعة كما حدث إبان الحربين العالميتين السابقتين، واليوم تتكرر إنذاراتها فائقة الخطر.
أمام تعقيد المشهد الحالي وتعدد احتمالاته ومؤشراته، سيكون من الخطأ الدخول في هكذا حرب، ومحاولات جر دول المنطقة لها سيكبرها دورياً ككرة الثلج، في حين يتوجب على الجميع إدراك خطر الجيوبوليتيك والأيدولوجيا اللتين أشعلتا الحرب العالمية الثانية وقادت غالبية دول العالم إليها ولم تحسمها سوى قنبلة نووية مفاجئة! في حين تقول قراءة التجربة التاريخية بضرورة تفادي تأجيج الصراعات ومغرياتها واتخاذ موقف الحياد منها، فكلا المتحاربين (الإيراني والإسرائيلي) شديدا الإجرام. فهي مقتلة كبرى قد تتحجم مرحلياً إذما نأت دول العالم بنفسها عنها، وقد تتوسع وتشكل كارثة عالمية كبرى خلاف ذلك، ويبدو أن التموضع على القاعدة الداخلية المتماسكة لكل دولة واستعادة قوة التحالفات السياسية تحت عنوان نبذ الحرب هو الأقدر على تفادي مخاطرها.
المصدر: تلفزيون سوريا






