تأمّل في زلّة ترامب

محمود الوهب

لو أنّ كل حاكم قوي في العالم يأتي بمثل زلّة الرئيس الأميركي دونالد ترامب باختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته، لأنه ديكتاتور فقط، لكانت انتهت الأنظمة الديكتاتورية من العالم، ولكانت اختفت العبودية أو الفوارق الاجتماعية من حياتنا بأشكالها كافّة، ولكانت البشرية قاطبةً قد حقّقت طموحاتها البعيدة، وعاشت بأمن ورغد مطمئنةً على حياتها وعيشها، وتفرّغت شعوبها للإبداع المتنامي، على غير صعيد.
لكن الأمر لم يكن كذلك، إذ بدا معاكساً لأهداف السياسة وغاياتها النبيلة، وعدم تطابق هذه الغايات مع ما يتطلّبه الواقع الذي تعمل السياسة في تغييره باتجاه أكثر إنسانية، والارتقاء بحال الشعوب لأجل تعايشها السلمي في عالمنا المعاصر، الذي ابتعد عن تكوين الدولة الإمبراطورية. إذ أخذت الشعوب تبني دولها على أسس من العدالة والمساواة والميزات المتقاربة لشعب الدولة الواحدة. فما حدث في ليل 3 يناير/ كانون الثاني الجاري من عملية “مافياوية” اختُطف من خلالها الرئيس الفنزويلي مادورو، لا يؤكّد عدم التطابق فحسب، بل إنّ مقولات القوة تفرض نفسها لا على السياسة، بل على قيم حياتنا الإنسانية كافّة. والحقيقة هي كذلك دائماً، لكنّها عند أغلب الزعماء الأميركيين لا بدّ أن تترافق والعنجهيّة واحتقار الآخر، فقط لأنه لا يمتلك من أسباب القوة ما يمكّنه من الدفاع عن نفسه وعن شؤون حياته. وعلى الرغم من التقدّم الذي وصل إليه إنسان عصرنا علماً وتكنولوجيا، إلّا أنه في علاقاته الإنسانية كثيراً ما يبدو على بدائية ممجوجة. وهذا ما ظهر من خلال العملية التي أمر بتنفيذها رئيس الولايات المتحدة، أكبر الدول وأقواها في غير مجال؛ يعني سيّدة العالم بلا منازع، وفق قانون العبودية القديم، وإن جاء في إطار مُحدَّث.
كانت الأحاديث تجري سابقاً عن أسلوب الولايات المتحدة في تعاطيها مع دول العالم بدءاً بالنصف أو الثلث الأخير من القرن الماضي، أي منذ أخذ الاستعمار الغربي يتراجع، لتقف الولايات المتحدة، على نحو أو آخر، إلى جانب بعض الشعوب في حال جرى عليها عدوان ما. وكانت أميركا قد رفعت شعار الحرية أساساً لسياستها، وتعبيراً عن ذلك أهدتها فرنسا، أمّ ثورات الحرية، تمثال الحرية فجعلته رمزاً لها، وأقامته في جزيرة الحرية الواقعة بخليج نيويورك؛ ويبعد مسافة 600 متر عن مدينة جيرسي بولاية نيوجيرسي، و2.5 كيلومتر إلى الجنوب الغربي من مانهاتن، بمساحة إجمالية تُقدَّر بـ49 ألف متر مربّع.
مقولات القوة تفرض نفسها لا على السياسة، بل على قيم حياتنا الإنسانية كافّة
وممّا يُذكر، على سبيل المثال، أن أميركا وقفت ضدّ العدوان الثلاثي على مصر الشقيقة. وكان الاستعمار التقليدي حينذاك، أي بعد الحرب العالمية الثانية، قد بدأ بإخلاء أماكنه، وكان الاتحاد السوفييتي قد أصبح طرفاً آخرَ في الصراع العالمي، وربما ندّاً لأميركا، أو كانا ندَّين حتى بداية تسعينيّات القرن الماضي حين انهار كليّاً. حينذاك، أخذت دول المنظومة الاشتراكية في أوروبا الشرقية تتهافت على الغرب لإقامة علاقات طيّبة معه والتمتّع بمزايا الحرية، وبعض تلك الدول ذهب إلى أبعد من ذلك، فانضمّ إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو). ولعلّ آخرها أوكرانيا، التي ما إن عبّرت عن رغبتها في الانضمام إلى الحلف حتى ردّت عليها روسيا بحرب لا تزال نارها تشتعل، مستنزفةً قوى الطرفَين بشراً وعتاداً. ولتبقى أميركا وحدها في الميدان سيّدةً على العالم، حتى إن بعض حكام دول العالم أخذوا يتقرّبون منها زلفى، بل يطلبون الحماية عند الضرورة.
وفي النظر إلى واقع فنزويلا، هذه الدولة الغنية بالنفط إذ تمتلك (بحسب معهد الطاقة الذي مقرّه لندن) ما يُقدَّر بـ17% من الاحتياطي العالمي، أي ما يقارب 303 مليارات برميل، وهذا يعني أنها تتقدم على السعودية التي تتصدّر منظمة أوبك المصدّرة للنفط. لكن شعبها إلى الآن يعيش سوء الأحوال المعيشية.
أما الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي لا يزال يفتخر بأنه أطفأ نيران ستّ حروب خلال ولايته الرئاسية، فقد اقترف تلك الجريمة غير المسبوقة، إلّا من بعض حكّام أميركا أنفسهم، وهي جريمة لا تبيحها قوانين الأمم وشرائعها، وجلس يشاهد من البيت الأبيض سير العملية المصوّرة مباشرة. قد يكون الرئيس الفنزويلي ديكتاتوراً ومكروهاً لدى شعبه (وهو كذلك)، ولكن إلى من توكل مهمة إزالته؟ أليس إلى شعبه؟ إذاً فكيف ينصّب الرئيس الأميركي نفسه قاضياً فيقضي بالحكم الجائر، وينفّذه على نظيره الفنزويلي بتلك الطريقة التي لا تُصنَّف إلّا في خانة أفعال المافيات؟
في الجانب الآخر، تلقّى العالم الحدث في حال من الدهشة والذهول، فلم يكن ليصدّق غرابة ما يجري. وقد عُقد مجلس الأمن على وجه السرعة، وأصدر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس بياناً تلته وكيلة الأمين العام، روزماري ديكارلو، خلال الاجتماع، وجاء فيه: “في أوضاع ملتبسة ومعقّدة كالتي نواجهها، من المهم احترام المبادئ”، سيّما “مبادئ السيادة والاستقلال السياسي ووحدة أراضي الدول”.
قد يكون مادورو ديكتاتوراً ومكروهاً لدى شعبه، ولكن إلى من توكل مهمة إزالته؟ أليس إلى شعبه؟
وإذا كانت الروح الإنسانية هي ما دفعت الرئيس الأميركي إلى أن يأمر بهذه العملية، أما كان الأولى به أن ينظر إلى حال الشعب الفلسطيني، إلى أطفاله الذين يموتون من جوع أو من مرض؟ بل إنّ من ينجو منهم يتولاه القصف الإسرائيلي بوحشية الحاقد. لقد حرّكت قضية الشعب الفلسطيني وأحوال غزّة، خلال السنتَين الماضيتَين، ضمائر العالم أجمع، لكنها لم تحرّك ذرّةً من ضمير نتنياهو الذي يستمع إليه ترامب جيداً، فيذهب معه إلى تحويل غزّة بالكامل إلى “ريفيرا”، ويوافق على طرد سكّانها إلى أيّ جهة من جهات العالم. إن حال غزّة بوجود نتنياهو أسوأ بما لا يقاس من حال نيكولاس مادورو.
وأخيراً، قد يقال كثير في مادورو، وفي سواه من حكّام العالم الثالث، وهو قول حق. فهؤلاء لا يمتّون إلى عالم الحرية بصلة، ولا تأخذهم ببؤس حياة شعوبهم رحمة أو شفقة، وتُنهب أموال بلادهم أمام أعينهم، وأحياناً بمشاركتهم. ولا يحسنون إدارة اقتصاد بلدانهم، إذ لا رغبة لهم بتطوير قدرات شعوبهم، وذلك كلّه معلوم جيداً. ولكن أن تجري مقاومتهم بأساليب مشابهة، فذلك لا يستقيم أبداً، ولا يسوّي من اعوجاج الحال شيئاً، وخصوصاً إذا جاء من دولة عظمى كالولايات المتحدة، التي لا يُبرِّر فعلَ رئيسها غير أن عينه على نفط فنزويلا؛ يعني هو قبح قابع في نفوس بعضهم اسمه جشع القوة وصلفها، ولا شيء آخر.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى