قراءة في كتاب: اوْشام

عبد المجيد عرفة

نبيل سليمان كاتب وروائي سوري قرأت له الكثير من الروايات وكتبت عن بعضها: ليل العالم وتحولات الإنسان الذهبي والتبات ونقده.
اوْشام كتاب نبيل سليمان الأحدث يلفت النظر من عنوانه اوْشام جمع وشم ، أراد نبيل سليمان من العنوان ان يحدثنا عن ما ترسخ في وجدانه ونفسه وعقله وروحه وذاكرته في موضوعات متنوعة تشمل بشكل تقريبي حياته المديدة، وما قدمه من إبداع روائي ونقدي وما عاشه.
نبيل سليمان الثمانيني الذي مازال يكتب ويعيش بروح الشباب، يسرد كتابه بضمير المتكلم عن نفسه وما عاشه، والكتاب إذن نوع من السيرة الذاتية الانتقائية في الموضوعات والأزمنة والمُعاش عنده. فهو تناول ما ترسخ في ذاته عبر موضوعات متنوعة في كتابه، تناولها في الزمان ذهاب واياب عبر سبعة عقود ويزيد. وفي المكان جغرافيا سورية وبلاد العرب وحيث وصل في بلاد الله الواسعة.
لا يخفى علينا – كقراء – اكتشافنا المبكر أننا أمام كاتب متمكن من موضوعه ولغته وأنه يأخذنا معه إلى اعماق ما يسرده لنا، في تداخل بديع بين الذاتي والموضوعي. وان يجعلنا ننحاز لموقف نبيل سليمان تجاه ما عاشه، واحيانا نجد نفسنا مترددين بقبول ارائه وقليلا ما نجد نفسنا نختلف معه.
الأهم عند نبيل سليمان في اوْشامه أنه كان صادقا مع نفسه وكأنه يكتب وصيته بعد عمر مليئ بالعمل والانجاز والعطاء، ولسان حاله يقول: كن مع إنسانيتك اولا، فليس بعد بالعمر أكثر مما مضى ، اطال الله بعمره.
يبدأ نبيل سليمان اوْشامه التي جعلها فصولا حسب الموضوعات التي أراد التحدث عنها.
بدأ بالحديث عن النساء في حياته تحت عنوان:
أوْشامهن:
إن المرأة في عالم نبيل سليمان ومنذ بدايات وعيه أي منذ طفولته، يمثل عالما مترعا بالدهشة والجمال والتشهي وحتى التماهي به. تبدو المرأة عند نبيل سليمان النصف الآخر المنفصل عن ذاته قبل قليل وهو في توق دائم لإعادة الوحدة مع هذا النصف الجميل الممتع الرائع حتى تكتمل إنسانية الإنسان ويصبح مشروع خلود.
إن أول النساء في حياة نبيل سليمان وأكثرهن حظوة وحضورا في نفسه وحياته هي أمه، التي اقترنت عنده متماهية مع احساسه بوجوده متصلا بها ومنفصلا عنها. في طفولته وشبابه في حياتها وموتها وحتى كتابته لكتابه هذا. وكل النساء بعد ذلك هنّ عابرات في حياته بعضهنّ عاش معهنّ حب لم يكتمل واحداهنّ كانت له شريكة الحياة وهي زوجته. والكثيرات كنّ جزء من شراكة الحياة حيث عاش وعمل في المجال الثقافي والإبداعي.
نعم في البدء كانت المرأة.
أوشام البيوت:
في هذا الفصل يأخذنا نبيل سليمان منذ طفولته مع أسرته التي تصحب والده الدركي فهو ابن احدى قرى صافيتا في الساحل السوري. ووالده دركي ينتقل من بلد إلى بلد من عامودا في الشمال الشرقي على الحدود بين سورية وتركيا. إلى الدرباسية ثم عين ظاط ثم إلى حديدة. وكلها بلدات تميزت بتنوع الناس بها اثنيا حيث العربي والكردي والشركسي ، ودينيا المسيحي والارمني والمسلم. كلهم زرعوا احساسا بالتنوع الثري في سورية ومنذ سنّه المبكرة.
انتقل نبيل سليمان عندما كبر ودخل الجامعة وخدم بالجيش واختط طريقه في الكتابة والابداع. وعاش في بيت في حلب وآخر في اللاذقية ثم في قريته البودي على قمة مطلة على البحر. هذه البيوت لم يكن مهما مكانها، بمقدار ما كان مهما ما صنع نبيل سليمان بحياته أثناء العيش بها. وكيف جعلها في كل حياته خلية نحل دائبة العمل من قبله ومع صحبه المهتمين ثقافيا: شعراء وكتاب وفنانين و.. الذين وجد بهم امتدادا له ووجدوا به امتدادا لهم.
حديث السكن والبيوت عند نبيل سليمان يغطي عقود، ولأن في هذه العقود لم تكن سورية بالعموم بخير بسبب الاستبداد الذي جاء مع البعث عام ١٩٦٣م ولم تنتهي إلا بانتصار الثورة السورية نهاية عام ٢٠٢٤م. فلا بد أن ينعكس على بيت نبيل سليمان ما انعكس على اغلب بيوت السوريين من تعديات وسرقات وتدمير احيانا.
اوْشام الأمْننة.
الأمْننة من الأمن وعند نبيل سليمان الامن مشتق من الامان بمدلوله اللغوي. ومن أمن السلطة القمعية للنظام كما حصل في سورية عبر عقود، الأمن هنا القمع والطغيان.
كان يدرك نبيل سليمان منذ نضجه أن سورية دولة القمع التي بناها البعث الذي سيطر على سورية منذ ١٩٦٣م حيث كان نبيل سليمان في أوائل سنين نضجه. ولأنه اختط منذ بدايات حياته طريق الثقافة والكتابة والإبداع الروائي والنقدي وبدأ بالكتابة الروائية في عقده الثالث فقد كان شاء او ابى في مواجهة دائمة مع النظام وأمنه، أن الكتابة الصادقة المنتمية للمجتمع وبنيته وحقيقته على كل المستويات لا بد أن تكون مشتبكة حتما في صراع خفي وظاهري مع السلطة السياسية خاصة ان كانت استبدادية وقمعية كما هو الحال في سورية. فكتب وينداح الطوفان والسجن والمسلة وغيرهم ، ومنعت بعض هذه الروايات في سورية لسنوات، وتم استدعاؤه للأمن بسبب بعضها. وتم الاعتداء عليه بسبب بعضها الآخر. ورغم أنه بقي على هامش المعارضة للنظام. فلم يكن منتسبا لأي حزب معارض و بالطبع لم يكن بعثيا، ولكنه كان صديق المعارضين اليساريين من الحزب الشيوعي السوري جناح رياض الترك وكذلك رابطة العمل الشيوعي الذين كانوا مطلوبين للنظام واعتقل الكثير من كوادرهم لسنين طويلة.
كان قد جعل بيته حيث يكون في حلب واللاذقية بمثابة نادي ثقافي سياسي في لقاءات دورية اسبوعية يتابع مع اصدقائه الكتاب والسياسيين وبعض المثقفين الشأن العام دوما. وكان لا يتجاوز الخط الاحمر للنظام في علاقته مع أي معارض. وهو الانتقال الى الفعل الذي ينعكس على الدولة وهيبتها بما تراه الأجهزة الأمنية غير مقبول فيكون الاعتقال والاساءة والتعذيب والسجون بالمرصاد. وعندنا اندفع نبيل سليمان وفتح منزله ليجمع السياسيين والمثقفين وشارك في بيان يندد ضرب الامريكان للعراق اوائل تسعينيات القرن الماضي حاسبته الأجهزة الأمنية بقسوة. وعندما فتح بيته ليجمع فيه السياسيين والمعارضين في اللاذقية كمنتدى على طريقة منتديات دمشق وحلب بعد الانفراجة الكاذبة التي طرحها بشار الأسد أول حكمه عام ٢٠٠٠م. كان حسابه عسيرا. ولولا أن أصبح لنبيل سليمان حضور في الأوساط الثقافية العربية ولم تكن معارضته ناشزة بمفهوم النظام الا نادرا. ولأن له شبكة علاقات متنوعة جعلته في كل المراحل بعيدا ان يقع تحت انياب الاجهزة الامنية ويعيش ويلات ماعاشته اغلب المعارضة السورية من كل المكونات شيوعيون وناصريون واسلاميون وبعث العراق وغيرهم من المكونات الوطنية السورية.
وعندما جاء الربيع السوري وثورته في عام ٢٠١١م وما حصل في سورية من تداعيات تمترس نبيل سليمان أمام مقولة الزلزال السياسي في سورية وليس الثورة في سورية وهذا جعل ما يحصل خرابا ودمارا والكل من النظام والمعارضة مسؤولون عن خراب البلاد وموت العباد وتشريدهم. وهذا موقف نختلف به مع صديقنا نبيل سليمان. فالفاعل المباشر لدمار المجتمع و البلاد وغياب السياسة والقمع والفساد وسرقة خيرات البلاد والاعتقال… كل ذلك من صنع النظام بدأ ، وما كان رد الشعب الثوار بعد ذلك، وأن اصبح مسلحا ، وان أصبح إسلاميا ، فهو رد من صنف فعل النظام الذي كان يعتمد في بنية الجيش والأمن والشبيحة على طائفة معينة أصبحت متهمة بأنها طائفة النظام منها يستمد قوافل مقاتليه الذين اصبحوا عشرات الآلاف يقتلون الشعب السوري و يشردونه و يدمرون البلد كلها…
المهم بقي نبيل سليمان على مسافة من النظام ومن الثورة وبقي يغوص عميقا في إبداعاته الثقافية والروائية وينتج دائما وكأنه نبي مطلوب منه تبليغ رسالته قبل أن يسترد منه ربه روحه التي أودعها في جسده.
حيث انتج في العقد والنصف الأخير الكثير من ابداعاته الرائعة بكل المعايير.
اوْشام المكتبة.
في هذا الفصل يعيدنا نبيل سليمان الى شغفه الثقافي الذي بدأ منذ بداية وعيه والذي استمر على اندفاعته الاولى واصبح لديه مكتبته حيث يسكن ، كان زبونا دائما للمكتبات العامة والخاصة حيث يكون، وكانت القراءة بالنسبة له حياة ، وأصبحت بعد ذلك ارضية لانتقاله الى مرحلة الابداع. ويوضح نبيل سليمان ان كتاباته الابداعية لم تكن من الهواء بل كان ينهمك في بحث وتقصي وقراءة حتى ينتج ما أنتج من كتاباته النقدية والروائية. ويذكر ان في هذا الجدار مراجع لتلك الرواية أو ذلك الكتاب.
لقد كان نبيل سليمان مخلصا الى شغفه في القراءة لأكثر من عشر ساعات ما قبل اصابته القلبية ورغم أن أوقات القراءة والكتابة صارت أقل لكنه لم يتوقف. وأصبحت القراءة و الكتابة عنده حياته الأخرى. حيث تفرغ لها. بعدما ترك مكتبته ودار النشر التي أنشأها لزوجته وابنته لمتابعتها.
لقد تفرغ بالمطلق ليقرأ ويكتب ولذلك حق له أن يفخر أنه كتب ما يزيد عن ثمانين كتابا في حياته.
نعم الحياة ونعم الانجاز.
اوشام الغناء.
ينهي نبيل سليمان كتابه متحدثا عن نفسه وأن له ذائقة فنية تابعت مطربي ومطربات العصر الذهبي الفني العربي أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم ونجاة وفايزة أحمد وغيرهم وبعض العراقيين وقبل هؤلاء وبعدهم من المعاصرين…
في الإبداع الأدبي بعض من الهوى الفني التقطه نبيل سليمان وعايشه في حياته.
انتهى الكتاب عند هذا الحد.
أقول بالتعقيب عليه:
بالمختصر المفيد يكفيك يا صديقي نبيل سليمان أنك أنجزت في حياتك الثمانينية التي عشتها معدل كتاب كل سنة منذ ولدت. وبالطبع فقد قرأت الآلاف من الكتب حتى استطعت أن تبدع ما ابدعت . فأنت قمت بواجبك الوجودي على خير وجه. ويكفيك هذا وساما على صدرك و وشْما في روحك … حتى ترضى…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى