التقرير السنوي الرابع عشر عن الاختفاء القسري في سوريا بمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري ما لا يقل عن 177,057 مختفٍ قسرياً وفق قاعدة بيانات الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان

دمشق – أصدرت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان تقريرها السنوي الرابع عشر الموسَّع عن الاختفاء القسري في سوريا، بمناسبة اليوم الدولي لمساندة ضحايا الاختفاء القسري في 30 آب/أغسطس، بهدف تسليط الضوء على واقع هذه الجريمة وآثارها المدمِّرة على مئات آلاف الضحايا وعائلاتهم. ويأتي هذا الإصدار امتداداً لجهود التوثيق والمناصرة التي تبذلها الشَّبكة منذ عام 2011، بقصد كشف الحقائق، ودعم حق الضحايا في العدالة، وتعزيز المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة المرتكبة بحقهم.

وتكتسب هذه النسخة أهمية خاصة في ظل التحولات الجذرية التي شهدتها البلاد بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وما ترتّب عليه من إخلاء السجون والمراكز الأمنية التي كانت خاضعة لسلطته من المحتجزين، الأمر الذي كشف جانباً إضافياً من حجم الكارثة الإنسانية التي خلّفها الاختفاء القسري في سوريا على مدى أكثر من أربعة عشر عاماً. فقد خرجت أعداد محدودة من المعتقلين أحياء، فيما بقي مصير عشرات الآلاف مجهولاً، فتحوّلوا إلى مختفين قسرياً، وبذلك تكشّفت مأساة كبرى طالت المجتمع السوري برمّته، بما يعكس الطابع البنيوي والممتد للاختفاء القسري في السياق السوري.

اعتمد نظام بشار الأسد منذ 2011 سياسة الاختفاء القسري بشكل ممنهج لترهيب المجتمع ومعاقبته جماعياً، مستهدفاً معارضين ومدنيين من مختلف المناطق والانتماءات. وقد وثّقت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان هذه الجريمة عبر تقارير تحليلية وإحصائية كشفت دور الأجهزة الأمنية والقضائية في ترسيخها وآثارها المدمّرة على المجتمع السوري.

أظهرت قاعدة بيانات الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان أنَّ نظام بشار الأسد مسؤول عن أكثر من 90 % من حالات الاختفاء القسري، وهي جريمة ارتبطت بالاعتقال التعسفي والتعذيب والحرمان من المحاكمة العادلة، وخلّفت معاناة جماعية لذوي الضحايا. ويسعى التقرير إلى إبراز الأبعاد الإنسانية لهذه الجريمة عبر شهادات حية وتحليل للأنماط الممنهجة، مقدّماً توصيات لتحقيق العدالة وكشف الحقيقة وضمان عدم تكرارها.

شهدت حصيلة ضحايا الاختفاء القسري المسجّلة لدى الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان ارتفاعاً ملحوظاً بعد سقوط نظام بشار الأسد، نتيجة الإفراج عن معتقلين كانوا يُعدّون مختفين، وتحويل معتقلين آخرين إلى فئة المختفين، وتوسيع نطاق التوثيق، وتعزيز الأدلة والبيانات. وأسهمت هذه التطورات في تحديث قاعدة البيانات بدقة أكبر، ما كشف عن حجم الكارثة الحقيقية وانعكاساتها العميقة على المجتمع السوري.

وفقاً لقاعدة بيانات الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان، فإنَّ ما لا يقلّ عن 181,312 شخصاً، بينهم 5,332 طفلاً و9,201 سيدة (أنثى بالغة)، لا يزالون قيد الاعتقال التعسّفي أو الاختفاء القسري في سوريا منذ آذار/مارس 2011 حتى آب/أغسطس 2025، منهم 160,123 شخصاً، بينهم 3,736 طفلاً و8,014 سيدة (أنثى بالغة)، في مراكز الاحتجاز التابعة لنظام بشار الأسد السابق، و21,189 شخصاً، بينهم 1,596 طفلاً و1,187 سيدة (أنثى بالغة)، في مراكز الاحتجاز التي كانت تابعة لأطراف النزاع الأخرى في سوريا.

كما تشير الإحصائيات إلى أنَّ نظام بشار الأسد السابق كان المسؤول الرئيس عن الغالبية العظمى من حالات الاختفاء القسري، حيث تتحمل مراكزه وحدها نحو 90 % من إجمالي الحالات الموثقة، أي ما يعادل 9 من كل 10 مختفين. وغالباً ما يتحول المعتقل إلى مختفٍ قسري خلال فترة قصيرة بعد اعتقاله أو مباشرة بعد احتجازه، ما يعكس أنَّ هذه الممارسة كانت منهجية ومخططاً لها، ونفذت على نطاق واسع بدعم مباشر أو ضمني من مستويات عليا في هرم السلطة.

وقد بلغت حصيلة المختفين قسرياً وفق قاعدة بيانات الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان ما لا يقل عن 177,057 شخصاً، بينهم 4,536 طفلاً، و8,984 سيدة (أنثى بالغة)، لا يزالون قيد الاختفاء القسري في سوريا منذ آذار/مارس 2011 حتى آب/أغسطس 2025، منهم 160,123 شخصاً، بينهم 3,736 طفلاً، و8,014 سيدة (أنثى بالغة)، في مراكز الاحتجاز التابعة لنظام بشار الأسد السابق، و16,934 شخصاً، بينهم 800 طفلاً، و970 سيدة (أنثى بالغة)، ومراكز الاحتجاز التي كانت تابعة لأطراف النزاع الأخرى في سوريا.

وذكر التقرير أنَّ الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان واصلت منذ أكثر من 14 عاماً توثيق الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري، مطوّرةً قاعدة بياناتها الوطنية ومعتمدة على مصادر ميدانية متنوعة لضمان الدقة، ما جعل تقاريرها مرجعاً موثوقاً دولياً. وتعمل الشَّبكة بالتعاون مع الأمم المتحدة والهيئات الحقوقية، إضافةً إلى تنسيقها مع الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا، بهدف كشف الحقيقة، حماية حقوق الضحايا وأسرهم، وتعزيز المساءلة ومنع الإفلات من العقاب.

أصدر المرسومان الرئاسيان في 17 أيار/مايو 2025 إنشاء «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» و«الهيئة الوطنية للمفقودين» بمهام تشمل كشف الحقيقة، المحاسبة، جبر الضرر، والمصالحة الوطنية. وترى الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان أنَّ نجاح الهيئتين مرهون باستقلاليتهما، وبالتكامل مع جهود التوثيق الحقوقي السابقة، وبإشراك الضحايا والمجتمع المدني في رسم السياسات، مع ضرورة اعتماد مقاربة شاملة للعدالة تضمن كشف الحقيقة، المساءلة، التعويض، وعدم التكرار.

واختتم البيان بمجموعة من الاستنتاجات القانونية والتوصيات لمعالجة قضية المختفين قسراً في سوريا:

الاستنتاجات القانونية:

  1. الاختفاء القسري جريمة مستمرّة بموجب القانون الدولي:

تُظهر معطيات الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان أنَّ الاختفاء القسري المرتكب منذ عام 2011 يشكّل جريمة مستمرّة وفقاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك الإعلان المتعلّق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري (قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 47/133 لعام 1992) والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، كما قد يرقى في سياقات معينة إلى جريمة ضد الإنسانية بمقتضى القانون الدولي الجنائي.

لا تزال هذه الجريمة ذات أبعاد إنسانية وقانونية هائلة، مع استمرار ما لا يقلّ عن 181,312 شخصاً قيد الاعتقال التعسّفي أو الاختفاء القسري حتى آب/أغسطس 2025، بينهم 5,332 طفلاً و9,201 سيدة (أنثى بالغة)، وفق قاعدة بيانات الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان، ما يدلّ على امتداد آثارها لسنوات وتطلّب معالجات طويلة الأمد.

تمثّل جريمة الاختفاء القسري أحد أكبر التحديات الحقوقية والإنسانية منذ عام 2011، ومعالجتها تستلزم التزاماً قانونياً وحقوقياً مستداماً، وتدابير شاملة تشمل كشف الحقيقة، ومساءلة المسؤولين، ودعم الضحايا، وتعزيز مؤسسات الدولة المستقلّة لضمان عدم التكرار.

  1. مسؤولية نظام بشار الأسد السابق والأطراف الأخرى:

تشير قاعدة بيانات الشَّبكة إلى أنَّ الغالبية العظمى من حالات الاختفاء القسري ارتكبها نظام بشار الأسد السابق (نحو 90 % من الحالات الموثّقة)، مع تحمّل أطراف أخرى في النزاع مسؤولية ارتكاب انتهاكات مماثلة بدرجات متفاوتة. ويقتضي ذلك مساءلةً قانونيةً وفق المعايير الدولية، القاضية بعدم الإفلات من العقاب وتطبيق قواعد المحاكمة العادلة والمسؤولية الجنائية الفردية.

  1. أثر الاختفاء القسري على الضحايا وأُسرهم:

يثبت التقرير أنَّ الاختفاء القسري ليس انتهاكاً فردياً فحسب، بل يخلّف ضرراً جماعياً واسع النطاق على الأسرة والمجتمع، بأبعاد نفسية، واجتماعية، واقتصادية، وقانونية. ويشكّل هذا الواقع التزاماً على الدولة والهيئات الوطنية المعنية بالعدالة الانتقالية لتقديم دعم قانوني وإنساني ملائم للضحايا وذويهم، وضمان جبر ضرر فعّال.

  1. ضرورة التوثيق الشامل والمستقل:

يشكّل التوثيق الدقيق والمستقل حجر الأساس لأي ملاحقة قضائية أو سياسات تعويضية. ويُعدّ عمل الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان وسائر المنظمات الحقوقية مصدراً رئيساً للأدلّة التي يمكن استخدامها أمام المحاكم الوطنية والدولية، مع وجوب الالتزام الصارم بمعايير التحقّق وحماية الشهود وسلامة سلسلة الحيازة.

  1. دور المؤسسات الوطنية الجديدة:

إنَّ تأسيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية وهيئة المفقودين خطوة قانونية مهمة، غير أنَّ فعاليتها مشروطة باستقلاليتها الفعلية، وقدرتها على النفاذ الكامل إلى المعلومات والوثائق. ويتعيّن أن تُصاغ الأطر القانونية الناظمة لعملهما بما يضمن تمثيل الضحايا والمجتمع المدني، وترسيخ شمولية العدالة من كشف الحقيقة إلى المحاسبة والتعويض ومنع التكرار.

  1. الإطار القانوني لضمان عدم الإفلات من العقاب:

يقوم التعامل القانوني الرشيد مع آثار الاختفاء القسري على كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات الفردية وتقديم المتورّطين إلى العدالة. وتؤكّد البيانات أنَّ أي محاولة لتجاهل أو تقييد المساءلة، سواء بحق نظام بشار الأسد السابق أو الأطراف الأخرى، ستُفضي إلى تكريس الإفلات من العقاب وتقويض الثقة في المؤسسات الوطنية ومسار العدالة الانتقالية.

التوصيات لمعالجة قضية المختفين قسراً في سوريا

  1. الكشف عن المعلومات وحق العائلات في معرفة المصير:

– إجراء تحقيقات شاملة ومستقلّة تشمل جميع المسؤولين، من العناصر الميدانية إلى القيادات الإدارية والأمنية، المتورّطين مباشرةً أو غير مباشرة.

– إشراك خبراء دوليين ومحامين مستقلّين لضمان النزاهة والشفافية، وتطبيق المبادئ الدولية للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

– ضمان مشاركة ممثّلي ذوي الضحايا في متابعة التحقيقات وتلقّي التحديثات الدورية.

  1. تحديد أماكن الدفن والكشف عن الجثامين:

– إلزام الجهات التي سبق لها الاحتجاز بالكشف عن مواقع الدفن الجماعي وأي سجلات تتعلّق بنقل أو دفن الضحايا.

– استخدام تقنيات متقدّمة، منها التصوير الجوي وصور الأقمار الصناعية، لتحديد المواقع دون الإخلال بحفظ الأدلة وحماية مسرح الجريمة.

  1. حقوق العائلات:

– تزويد الأسر بمعلومات دقيقة وموثّقة عن ظروف الاختفاء وملابسات الوفاة إن وُجدت.

– توفير دعم نفسي واجتماعي مستمرّ بما يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الضحايا.

  1. توثيق تفاصيل وفاة المختفين قسراً:

– توضيح ملابسات الوفاة وتحديد أسبابها بدقّة، سواء كانت نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي أو الإعدام خارج نطاق القانون.

– التحقيق في أي دور محتمل لجهات أمنية أو طبية في تسهيل الجرائم أو التستّر عليها.

– الحصول على الوثائق الرسمية ذات الصلة (سجلات وفاة، مراسلات إدارية، سجلات احتجاز)، والتحقّق من صحّتها عبر مراجعات مستقلّة لضمان موثوقية الأدلة.

– إعادة رفات الضحايا إلى ذويهم مع احترام الكرامة الإنسانية، وتقديم تقارير رسمية عن ظروف الوفاة، وتأمين دعم نفسي ولوجستي للأسَر خلال عملية الاسترداد، مع توثيقها لضمان الشفافية.

  1. التعامل مع المقابر الجماعية:

– رصد وتوثيق المواقع بالاستناد إلى شهادات الناجين والشهود، وتقنيات الاستشعار عن بُعد وصور الأقمار الصناعية.

– حماية المواقع من العبث وصون سلسلة الحيازة القانونية للأدلّة.

– إجراء فحوص الحمض النووي لمطابقة الرفات مع بيانات المفقودين، وتوثيق الأدلة المادية لتقديمها أمام الجهات القضائية المختصّة.

– نشر تقارير دورية ومفصّلة عن نتائج التحقيقات وإتاحتها لذوي الضحايا والمجتمع الدولي.

  1. التحقيقات والمحاسبة:

– إنشاء آليات قضائية متخصّصة (وطنية أو مختلطة أو دولية بحسب الاختصاص) لمحاكمة مرتكبي جرائم الاختفاء القسري.

– التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية والجهات القضائية الإقليمية والآليات القائمة لتطبيق مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية عن الجرائم ضد الإنسانية.


– إصدار مذكّرات توقيف وملاحقة دولية، والتعاون مع الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول)، واتخاذ تدابير كافية ومنع تنقّل المطلوبين حيثما أمكن.


– إنشاء صندوق لتعويض الضحايا وأسرهم مادّياً ومعنوياً، وتقديم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي وبرامج إعادة الإدماج للمجتمعات المتضرّرة.

  1. ضمان عدم تكرار الجرائم:

– إصلاح المؤسستين الأمنية والقضائية عبر تفكيك الأجهزة المتورّطة وإعادة هيكلتها وفق معايير الاستقلال والرقابة والمساءلة، وبإشراف مهني مستقلّ.


– سنّ قوانين واضحة تُجرّم الاختفاء القسري وتضمن محاسبة مرتكبيه وتكفل حقوق الضحايا.


– إدراج نصوص صريحة في الدستور الجديد تحمي حقوق الإنسان وتحظر الانتهاكات الجسيمة.


– إطلاق برامج توعية وطنية وبناء قدرات للكوادر المعنية بالتوثيق والمحاسبة، وتعزيز الثقافة القانونية بحقوق الضحايا.

  1. تعزيز التعاون الدولي:


– العمل مع الجهات الدولية المتخصّصة، بما فيها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ولجان التحقيق ذات الصلة، والمؤسسات الدولية المعنية بالمفقودين، وتبادل المعلومات مع المنظمات الحقوقية الدولية لضمان توثيق شامل ومشترك.


– إبرام اتفاقيات تعاون ثنائية ومتعدّدة الأطراف مع الدول التي قد يوجد فيها متورّطون أو شهود، وتطوير آليات لتبادل الأدلّة والمساعدة القضائية المتبادلة وملاحقة المسؤولين عبر الحدود.

المصدر: الشبكة السورية لحقوق الانسان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى