البلور القاتل… “ميثامفيتامين” إيراني وأفغاني يجتاح تركيا

آلاء عامر

تحولت تركيا إلى سوق استهلاكية كبيرة لمخدر “الميثامفيتامين” المعروف محلياً بـ”الميث”، بعدما ظلت لسنوات نقطة عبور مهمة على مسار تهريب المادة المصنعة في إيران وأفغانستان وصولاً إلى السوقين الأوروبية والآسيوية.

 استيقظ سكان حي باغجلار في مدينة إسطنبول التركية صباح يوم 26 سبتمبر/ أيلول 2022 على مشهد لن يمحى بسهولة من ذاكرتهم، إذ وجدوا رأس جارتهم الخمسينية حوّاء سايان ملقى في الشارع، وابنها القاتل علي، يصيح من شرفة المنزل في الطابق الثاني رافعا يديه الملطختين بالدماء “أنا فعلتها، أنا فعلتها”.

“هذا المشهد هو الأكثر رعبًا في مسيرتي المهنية”، يقول الضابط في مديرية مكافحة جرائم المخدرات التركية عادل دامرجي (اسم مستعار لكونه غير مخول بالتواصل مع الإعلام)، لـ”العربي الجديد”: “بمجرد دخولي الشقة وجدت جسدا مبتور الرأس على الأرض ومن حوله الدماء في كل مكان، اتضح أن الشاب العشريني طعن والدته 13 طعنة وقطع يديها وقدميها ورأسها، ولما اقتدناه للمخفر كان غير مدرك لفعلته وطلب التحدث إلى أمه، وحين واجهناه بجريمته نفاها وزعم أنه قطع رأس جنّي”، لاحقًا توصلت التحقيقات إلى ارتكابه الجريمة تحت تأثير تعاطي منشط الميثامفيتامين، ليحكم عليه في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، بالسجن المشدد مدى الحياة.

وتعكس تفاصيل الحالة السابقة واحدة من التجليات الخطيرة لظاهرة انتشار منشط “الميثامفيتامين” المتسارعة في تركيا خلال السنوات الأخيرة، التي شاع فيها إدمان تلك المادة الكيميائية المصنعة مخبريًا والتي تباع على شكل بلورات لامعة بيضاء مائلة للزرقة وتطلق عليها أسماء “الميث” و”الكريستال” و”آيس” وتعد من بين أخطر أنواع المخدرات وأسرعها إدمانا، بحسب “المعهد الوطني الأميركي لتعاطي المخدرات” (National Institute on Drug Abuse – حكومي فيدرالي).

جائحة الميث

تضاعفت القضايا المرتبطة بـ”الميث”، كما يعرف في تركيا، خمسة أضعاف، خلال الفترة بين أعوام 2018 و2023، وتكشف التقارير الرسمية الصادرة سنويا حتى عام 2024 عن المديرية العامة للأمن في تركيا والمعنونة بـ”NATIONAL DRUG REPORT” (تقرير المخدرات الوطني)، أن عام 2018 شهد تحرير ثلاثة عشر ألفًا و49 قضية مرتبطة بالميث، ارتفعت في 2019 لـ23 ألفًا و19 قضية وواصلت الارتفاع في 2020 إلى 34 ألفًا وست قضايا، وفي عام 2021 أصبحت 57 ألفًا و897 قضية، حتى بلغت ذروتها في عام 2022 بـ77 ألفًا و765 قضية وانخفضت بشكل طفيف في 2023 لتبلغ 65 ألفا و800 قضية.

خلال الفترة نفسها، تكشف التقارير التي حصل “العربي الجديد” عليها عبر موقع المديرية العامة للأمن التركي، عن تضاعف الكميات المضبوطة من “الميث” بما يزيد على 38 ضعفًا، ففي عام 2018 ضبطت السلطات 566 كيلوغراما بينما في عام 2023 ضبطت 21 طنًا و912 كيلوغراما من الميث.

البيانات السابقة تدعم ما يذهب إليه الوسط الطبي الذي يصف إدمان “الميث” بأنه بمثابة الجائحة لانتشاره العالمي بين الشباب، حسب ما يقول لـ”العربي الجديد” استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان السوري المقيم في تركيا محمد توفيق الجندي، موضحا أنه من أسرع المواد الكيميائية المسببة للإدمان، و”يستعمل عبر طحن البلورات وحرق مسحوقها ليستنشق متعاطيها البخار الذي يروجون له باعتباره منشطا للقدرات الذهنية ويساعد في أداء المهام المتطلبة جهدا ذهنيا إضافيا كالدراسة”.

نصف عدد وفيات المخدرات في تركيا مرتبطة بـ”الميث

ويشرح الجندي الأثر الجسدي للميث على متعاطيه فيقول إنه يسبب تسارع ضربات القلب وارتفاع ضغط الدم إضافة لارتفاع النشاط الجسدي “وقد يبقى المتعاطي عدة أيام بلا نوم” لكن وبمجرد نقص معدلات المادة الكيميائية في الجسد تظهر أعراض الانسحاب ويدخل المتعاطي في حالة “تدمير” ليشعر بألم متصل وتقلب المزاج والتوتر والكآبة الشديدة، محذرًا من إمكانية دخول المتعاطي في حالات من الاضطرابات النفسية التي تشبه الفصام.

 

 

لماذا ترتفع الجرائم المرتبطة بالميث؟

“بسبب سرعة إدمانه، بعد فترة قصيرة من تعاطيه، تصيب المتعاطي أعراض الهياج والعنف والأرق والهذيان والعدوانية والشك المرضي”، وفق مشاهدات الجندي. ويترتب على ما سبق، بحسب التقرير الوطني للمخدرات لعام 2024، ارتفاع ضخم في نسبة الوفيات المرتبطة بالميث من إجمالي عدد الوفيات المرتبطة بالمخدرات خلال السنوات السبع الأخيرة. ففي 2017، وهو العام الذي شهد أعلى عدد للوفيات بجرعات مخدرات زائدة في تركيا وعددها 941 وفاة، كانت نسبة الوفيات الناتجة حصرًا عن تعاطي الميث 0.3%، لكن النسبة ارتفعت في 2023 وبلغت 16.3% من أصل 300 وفاة مرتبطة بالمخدرات، فيما ارتفعت نسبة الوفيات بسبب جرعات مخدرات مختلطة بينها الميث من 7.7% في 2017 لتبلغ 46.3% في 2023.

ومن بين ضحايا الميث اليافعون بأعمار دون 18 عاما، وهؤلاء الأكثر عرضة للخطر، فهذه المرحلة العمرية، بحسب الجندي، تشهد اكتمال نمو الفص الجبهي للدماغ المسؤول عن التخطيط وضبط الانفعال والتحكم في الوظائف التنفيذية، وتعاطي الميثامفيتامين في هذه المرحلة يخلف أثرًا مدمرا ودائما، ما يفسر تشديد عقوبة مروجي المخدرات للأطفال في تركيا بالسجن من 20 إلى 30 عامًا بالإضافة لغرامة مالية، حسب المادة 188 من قانون العقوبات.

ويفرق قانون العقوبات رقم 5237 بين حيازة المخدرات والمنشطات بغرض التعاطي بناء على نوع وكمية المضبوطات وموقع الضبط، فالمادة 188 من القانون تعاقب بالسجن “بين عشرين وثلاثين سنة، وبغرامة قضائية بين ألفين وعشرين ألف يوم (غرامة مالية متغيرة يفرضها القاضي حسب الوضع المالي للمدان) كل من يصنع أو يستورد أو يصدر مواد مخدرة أو منشطة بدون ترخيص أو بالمخالفة للترخيص، بينما تعاقب المادة 191 من “يحوز المواد المخدرة أو المنشطة بغرض التعاطي بالسجن مدة تتراوح بين سنتين وخمس سنوات”.

تركيا تتحول من نقطة عبور إلى سوق استهلاكية كبيرة

ويوضح المحامي الناشط في إسطنبول إيمرا يلدرم لـ”العربي الجديد” الغرامات المتغيرة المحددة باليوم ويقول: “في القانون التركي، تعرف الغرامات المالية المحددة بعدد الأيام باسم Adli Para Cezası (العدل اليومي) وهي غرامة لا تحدد بمبلغ ثابت بل يفرض القاضي تسعيرة ليوم الغرامة حسب الوضع المالي للمدان ويضرب هذا المبلغ في عدد أيام العقوبة، ما يجعل الغرامة أكثر ردعًا للأثرياء الذين قد لا يتأثرون بغرامة ثابتة”.

كيف تحولت تركيا من نقطة عبور إلى سوق استهلاكية؟

خلال السنوات الثلاث الأخيرة تحولت تركيا إلى سوق استهلاكية كبيرة للميث بعدما ظلت لسنوات نقطة عبور مهمة على مسار تهريب المخدر الإيراني والأفغاني وصولًا إلى السوقين الأوروبية والآسيوية، كما يقول الضابط دامرجي، وهو ما يتقاطع مع ما جاء في تقرير وكالة الأدوية والمخدرات الأوروبية (EUDA تابعة للاتحاد الأوروبي)، الصادر في إبريل/ نيسان 2021 بعنوان “تطورات الميثامفيتامين في جنوب آسيا: الوضع في إيران وتداعياته على الاتحاد الأوروبي وجيرانه”، والذي يؤكد “تهريب الميث إلى تركيا برًا من إيران وأفغانستان قبل نقله جوًا للأسواق الآسيوية، ضمن مسارات تهريب معقدة ساهمت في تنامي تدفق الميث للأسواق الأوروبية”. ونقل التقرير عن السلطات التركية إعلانها تفكيك منشآت غير قانونية لإنتاج الميث وتورط مواطنين إيرانين في بعض هذه العمليات، ما “يعزز المخاوف من تحول تركيا من مجرد دولة عبور إلى مركز لإنتاجه”، بحسب التقرير.

وتقع تركيا على طريق “البلقان”، وهو قناة رئيسية نشطت في تهريب المواد الأفيونية الأفغانية للأسواق في أوروبا الغربية منذ السبعينيات والآن يستخدم لتهريب أنواع المخدرات الأخرى، خاصة الميثامفيتامين، حسبما يؤكد تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة UNODC الصادر في يناير/ كانون الثاني 2024 بعنوان “ديناميكيات تهريب المخدرات عبر العراق والشرق الأوسط”.

ما ذهبت إليه التقارير الرسمية يؤكده علي أليف Ali Mehmet Aliv، الموظف في قسم التدقيق الجمركي بالمديرية العامة للجمارك، لـ”العربي الجديد”، مشيرا إلى تصاعد محاولات تهريب الميث عبر الحدود التركية، خاصة من الاتجاه الشرقي في السنوات الأخيرة، حتى أن عام 2024 شهد ضبطيات قياسية، إحداها كانت الأعلى تاريخيا وزنها 4.5 أطنان، ويضيف: “في 2023 ضبطت 726 شحنة بقيمة خمسة مليارات و474 مليون ليرة (ما يزيد على 150 مليون دولار أميركي)، وفي 2024 ضبط 24.3 طناً بقيمة 30 مليارا و450 مليون ليرة (835 مليون دولار أميركي)، بزيادة 88% في عدد الحوادث، و103% في الكمية، و456% في القيمة”.

تطور أساليب التهريب

يطور المهربون أساليب إخفاء المخدرات، إذ ضبطت داخل مقاعد السيارات الفاخرة وبطاريات السيارات وفي السجاد وحزم القطن، بحسب أليف، الذي تابع مستدركا: “نطور أيضًا أساليبنا، نعتمد على الكلاب المدربة وأجهزة المسح المتقدمة”، مشيرًا إلى التنسيق بين السلطات التركية والأجهزة الأمنية والاستخبارية في الدول المجاورة لتعقب شبكات التهريب العابرة للحدود.

ميدانيًا، يؤكد الضابط دامرجي تحول المدن التركية وخاصة إسطنبول إلى سوق كبيرة للميث، مدللا على ذلك بارتفاع معدلات الضبط سواء للكميات أو للمتعاطين والتجار، ويعزو انتشاره الكبير في مقابل المخدرات الأخرى لرخص سعره، قائلا: “قبل الميث كان المتعاطون يستهلكون المخدرات كالكوكايين والهيرويين بالإضافة إلى esrar (الحشيش) والماريجوانا المستخلصين من القنب الهندي، وهي مواد لا تزال موجودة في السوق ولكن سعرها ارتفع بشدة، فسعر الغرام الواحد من الكوكايين ارتفع من 100 إلى 200 دولار، بينما يراوح سعر غرام الميث بين خمسة وثمانية دولارات”.

وارتفعت بشكل ملحوظ خلال السنوات من 2018 إلى 2023، نسبة جرائم تعاطي الميث في مقابل انخفاض نسبة الاتّجار به، ففي عام 2018 كانت نسبة جرائم التعاطي 78.4% مقابل 21.5% للاتّجار وفي 2019 كانت 80.9% من الجرائم هي حيازة الميث للاستخدام الشخصي و19% للاتّجار، وبلغت نسبة المتعاطين المضبوطين 82.5% مقابل 17.4% للاتّجار في عام 2020، واستمرت نسبة المتعاطين في الارتفاع لتصل عام 2021 إلى 85% مقابل 15% للاتّجار، وفي 2022 بلغت نسبة المتعاطين 85.5% ونسبة الاتّجار 14.8% لتنخفض في 2023 نسبة المتعاطين من المضبوطين على خلفية جرائم متعلقة بالميث وتبلغ 80.8% مقابل 14.2% للاتّجار، بحسب بيانات التقارير الرسمية التي حصل عليها “العربي الجديد”.

والعثور على الميث سهل عبر مجموعات بتطبيقات التواصل الاجتماعي كتليغرام وواتساب، يقول دامرجي: “يستخدم التجار والمتعاطون لغة مشفرة يرمزون للمخدرات بكلمات Şeyler/malzemeler، وتعني أشياء ومواد، وأحياناً يقولون فقط دعنا نلتقي، أو أرسلني فلان”.

في مواجهة ذلك، تحاول السلطات الصحية احتواء الانتشار السريع للميث وتضاعف متعاطيه، وفق تأكيد استشارية طب الإدمان الناشطة في إسطنبول عائشة أكتشاي، التي تقول لـ”العربي الجديد”، إن وزارة الصحة توفر مراكز مجانية للعلاج من الإدمان باسم “AMATEM” تعمل منذ 1984، يتم العلاج فيها على مراحل تبدأ من إزالة السموم من الجسم ثم العلاج بالتأهيل وتدريب المرضى على مهارات التكيف ثم إشراكهم في برنامج تعليمي نفسي للتخلص من الإدمان، وعند خروجهم يدمجون ببرنامج للعلاج الخارجي. يكمل زميلها الطبيب الجندي أن مراحل التأهيل والتدريب والدمج تستغرق مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر، بينما تضيف أكتشاي إلى حديثه أن السلطات خصصت مراكز علاج وتثقيف مجانية ضد إدمان المخدرات للأطفال والمراهقين تحمل اسم ÇEMATEM.

تنتشر مراكز علاج الإدمان المجانية المعروفة باسم “AMATEM” في تركيا (العربي الجديد)

غير أن هذه المحاولات تقف عاجزة أمام ارتفاع كبير في معدلات الوفيات الناتجة عن تعاطي الميث، فترى أكتشاي أن مجابهة الانتشار السريع لهذا “الخطر” ليست مسؤولية السلطات الصحية فحسب، لكن السيطرة عليه “تتطلب تكثيف جهود كل المؤسسات المعنية وتعزيز وعي المجتمع بخطورة هذه المادة للحد من الطلب عليها”.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. نظام ملالي طهران لم يكن خطره محصور بالدجل الذي ينقله باللطميات بإسم الدين ويا”حسين” ولكن أيضاً من خلال المخدرات وكان تصنيع حبوب “الكوبتاجون” وكذلك “ميثامفيتامين” أو “الميت” وهو من الخطورة بحيث تجعل متعاطيه كالثور الهائج لا يعرف ما يعمل، وكان نشاطه بتركيا واضحاً يزداد مع الزمن، الى متى سيظل هذا النظام يتجنى على شعبنا؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى