
تدفع دمشق ضريبة عقد ونصف العقد من حرب تدميرية، شنّها النظام السابق وحلفاؤه الإيرانيون والروس ضدّ الشعب السوري. ويلاحظ زائر المدينة في هذه الفترة، قبل أن تطأ قدماه أرض مطارها الدولي، أن البلد منهك، إذ تهبط الطائرة على مدرّج لم يخضع للصيانة منذ زمن طويل، بينما لا تبدو الآمال التي راجت خلال الشهرَين الماضيَين، عن جهود تركية وقطرية لإعادة تأهيل المطار، منظورة. وفي طريق المغادرة، يعاني تسجيل المسافرين خللاً، مصدره ضعف خدمة الإنترنت، التي لا تتوافر بسويّة جيّدة، إلا في بعض فنادق ومقاهي الدرجة الأولى، ولكنّ المعضلة الكبرى التي تُلقي بظلّها على البلد بأكمله، عدم توافر الكهرباء لأكثر من ساعتَين خلال 24 ساعة. وقد مرّت قرابة ثلاثة أشهر على التحوّل الجديد، ولم يحصل أيّ تقدّم في هذا الصعيد، ويسود الظنّ أن الوعود بتوفيرها بمعدل ثماني ساعات يومياً، خلال ستّة أشهر، غير قابلة للتحقّق، وهذا لا يشجّع عودة المهجّرين، وإقبال المستثمرين.
المسألة التي تتفوق في الأهمية على ضعف الخدمات أن البلد يواجه تحدّيات داخلية وخارجية حقيقية، في المقدّمة منها أنه لم يستكمل وحدته الداخلية بعد، ولا يزال الشرق والجنوب خارج سلطة الدولة، وتهدّد التدخّلات الإسرائيلية بالاحتلال والتقسيم، بالرهان على أطراف داخلية في الجهتَين، في جوّ طائفي مشحون، يتنامى كل يوم في منطقة الساحل، ويتغذّى من دعم إيران وحلفائها. وهناك إجماع في الداخل والخارج على أن إسرائيل هي الخطر الأكبر على سورية، ما يستوجب استعدادات جادّة، سياسية وعسكرية، من أجل إحباط مشروعها. وما لم تُعالج القضايا الداخلية، القابلة للاستثمار الخارجي بسرعة، وعلى نحو حاسم، فإنها تهدّد بأن تصبح أمراً واقعاً من الصعب تغييره، وهناك خرائط متداولة في وسائل التواصل برسم التقسيم، الذي يتطلّب من السلطة الجديدة مقاربةً مختلفةً للملفّات الداخلية من طريق توسيع مجالها السياسي شرطاً للانفتاح السياسي والاقتصادي الدولي والعربي، وتبقى تشكيلة الحكومة والمجلس التشريعي استحقاقاً بالغ الأهمية، ينتظره الداخل والخارج. وبناء على ذلك، سيتضح اتجاه المرحلة المقبلة. وفي هذه الأثناء، تسود حالة من التريّث الدولي والعربي تجاه سورية، على عكس الاهتمام الذي شهدته في المرحلة الأولى، حتى أن دولاً وعدت بتقديم دعم أولي لم تفِ بذلك، والسبب عدم رفع العقوبات الأميركية، التي باتت مشروطة سياسياً.
في خضّم الصعوبات، ينتظر الشارع السوري من السلطة الجديدة الانفتاح على ما يزخر به البلد من طاقات وكفاءات، لديها القدرة والاستعداد للمشاركة في تحمّل مسؤوليات المرحلة، سيّما أن تجربة ثلاثة أشهر أظهرت أن السلطة لا تمتلك خبرة كافية، تؤهلها لإدارة الملفات السياسية والاقتصادية والإعلامية بجدارة، وهذا أمر يتسبّب في اتخاذ قرارات غير مدروسة، وإسناد مسؤولياتٍ ذات طبيعة حسّاسة لأشخاص ليسوا على قدرٍ من الكفاءة. وهناك من يسلّط الضوء على ذلك، ويصوّره نهجاً يصدر من تخبّط، ما ينعكس سلباً، ويضعف الثقة بالتحوّل الجديد، في الداخل والخارج، غير أنه كلّما علا صوت النقد تراجع، بانتظار الإعلان الدستوري، وتشكيل الحكومة الجديدة، التي كان من المرتقب إعلانها في مطلع شهر مارس/ آذار الحالي، ولكنّها تأخّرت، من دون صدور أيّ توضيح رسمي، حول نهاية المرحلة المؤقّتة، التي كانت مقرّرةً حتى بداية الشهر الحالي، الأمر الذي ينعكس بطأً باتخاذ قرارات ذات طبيعة استعجالية لمواجهة الأزمات المتراكمة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، التي يفاقم منها، عدم إسناد المسؤوليات ذات الطابع الخدمي إلى شخصيات تكنوقراط، ذات خبرة، وعلى صلات عربية ودولية.
المصدر: العربي الجديد