الوحدة الوطنية الإيرانية بين النظام ومعارضيه

حسن فحص

القوى والأحزاب المحافظة باتت تعتقد وترى نفسها أنها تمثل الأكثرية السياسية والسلطوية.

كلام المرشد حول الوحدة الوطنية والحد من الخلافات الداخلية، لم يكن المستهدف به كل القوى السياسية الإيرانية، الموالية والمعارضة، وإنما بالتحديد كان يقصد الخلافات المتزايدة والمستعرة داخل القوى الموالية للنظام في التيار المحافظ

كان لافتاً في الخطاب الذي ألقاه المرشد الأعلى للنظام الإيراني صباح عيد الفطر، حديثه عن ضرورة التزام القوى السياسية تهدئة الصراعات السياسية الداخلية في ما بينها لأن البلاد بحاجة إلى تعزيز وحدتها الداخلية وانسجامها الوطني.

كلام المرشد حول الوحدة الوطنية والحد من الخلافات الداخلية، لم يكن يستهدف كل القوى السياسية الإيرانية، الموالية والمعارضة، وإنما كان يقصد تحديداً الخلافات المتزايدة والمستعرة داخل القوى الموالية للنظام في التيار المحافظ، والصراعات التي تأججت في ما بينها على تقاسم السلطة والمواقع والنفوذ بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي توزعت في ما بينها على حساب القوى الأخرى التي لم يسمح لها بالمشاركة أو الشراكة في السلطة التشريعية بصورة منظمة ومنسجمة وككتلة واضحة المعالم والخطاب السياسي.

المرشد طالب القوى الموالية للنظام وأحزابها التي تتقاسم السلطة بالانضباط والحفاظ على وحدة الصف الداخلي وانسجامه في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها إيران وهي على أعتاب أو عشية الدخول في عملية عسكرية غير معروفة النتائج والأبعاد، باعتبار أن هذه الأحزاب المعني الأول والأخير بمستقبل النظام وإيران والسلطة التي تمسك بكل مفاصلها، على العكس من كل القوى الأخرى غير الموالية أو المعارضة التي أخرجها المرشد من شمول هذه الدعوة، باعتبار أنها فقدت شرعية المشاركة أو الدور والموقع داخل آليات النظام والقرار الاستراتيجي.

تراجع الرؤية الشاملة في التعامل مع المجتمع الإيراني بكل أطيافه ومكوناته، يبدو أنه بات المحرك للقوى والأحزاب المحافظة التي باتت تعتقد وترى نفسها، على رغم كونها تشكل الأقلية الاجتماعية، أنها تمثل الأكثرية السياسية والسلطوية، دفعتها إلى إسقاط الآخر المختلف معها وعنها من الاعتبار الوطني الذي تحول إلى امتياز حصري في يدها، خصوصاً ما يتعلق بالقرار الاستراتيجي، واقتران هذا الاعتقاد بآخر ينظر إلى المعارضين بكل أطيافهم على أنهم جماعات تبحث عن تسويات وتنازلات أمام العدوين الأميركي والإسرائيلي تساعد على إضعاف القوى الثورية والعقائدية، وتمهد الطريق أمام عودتها للسلطة ومواقع القرار بعد أن أخرجت منه.

ويبدو أن هذه القوى، ومن خلال إصرارها على استبعاد الآخر أو الشريك المعارض في المجتمع والسياسة، تعاني عجزاً في إدراك حساسيات المجتمع الإيراني الوطنية والقومية، حتى في ظل تراجع حساسياته العقائدية والدينية، وإنها هي الوحيدة القادرة على تأمين هذه المصالح والدفاع عن هذه الحساسيات. وظهر هذا العجز بصورة واضحة في تقويمها للانتخابات البرلمانية الأخيرة التي شهدت تراجعاً واضحاً في نسبة المشاركة الحقيقية، وكذلك العجز عن قراءة الدلالات الحقيقية للأصوات البيضاء والباطلة التي خرجت من صناديق الاقتراع، واكتفت بالتعامل معها من منطلق يخدم مصلحتها برفع نسبة المشاركة.

الحساسيات الوطنية والقومية التي لا يرغب أو يريد التيار المحافظ عودتها أو ظهورها، سرعان ما تبلورت في موقف القوى الإصلاحية والمثقفين والسياسيين المتنفذين والمعترضين على النظام وسياساته الداخلية والخارجية، ولم يستغرق الإيرانيون كثيراً من الوقت للخروج من وقع الصدمة التي لحقت بهم وليس بالنظام وحده نتيجة الضربة التي قامت بها إسرائيل على القسم القنصلي ضمن السفارة الإيرانية في العاصمة السورية دمشق مطلع أبريل (نيسان) الجاري، باعتبارها مساساً بالسيادة والعزة الوطنية التي لا بد من الدفاع عنها.

وعلى رغم هذا الاستنفار وهذه اليقظة التي تجاوزت النظام وجماعاته، فإن الاستجابة لدعوة المرشد الأعلى وفي اليوم نفسه التي رسم فيها السقف المرتفع لموقف النظام من هذه العملية بتأكيده على الرد ومعاقبة إسرائيل، حاولت أن تكون عقلانية، خصوصاً من جانب القوى غير المحافظة، وأن يكون الخيار العسكري آخر الخيارات وأن يكون بعيداً من الانفعال غير المدروس، ولا يتعارض مع الإطار العام للموقف الاستراتيجي الذي حدده المرشد الأعلى للنظام، وهو موقف لم يكُن من دون التشاور والتباحث مع قيادات المؤسسة العسكرية، تحديداً قيادة قوات حرس الثورة الإسلامية، الجهة المعنية أيديولوجياً وعقائدياً بالدفاع عن النظام الإسلامي وثورته في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية.

وأسهم الهامش الذي تركه النظام والمؤسسة العسكرية لأكثر من 10 أيام، بهدف إعطاء الفرصة أمام الجهود الدبلوماسية والسياسية على أمل التوصل إلى تسوية سياسية، في إسقاط كل محاذير القيادات الإصلاحية من تبني موقف النظام والخيار العسكري وإعلان الدعم له، مما تبلور في موقف الرئيسين السابقين محمد خاتمي وحسن روحاني، فضلاً عن مواقف كثير من السياسيين والمثقفين، لكن من دون التخلي عن مخاوفهم من تداعيات هذا الرد وما يمكن أن ينتج منه من بداية خسارات كبرى لإيران في حال أدى إلى إشعال حرب إقليمية واسعة ودخول الولايات المتحدة فيها إلى جانب إسرائيل.

هذا الموقف من أبرز الشخصيات التي تواجه حصاراً قاسياً من النظام ومنظومته السلطوية، وجه رسالة واضحة إلى كل قوى النظام والدولة العميقة، بأن الوحدة والانسجام الوطنيين لا يمكن اقتصارهما على فئة واحدة لا تمثل أكثر من الأقلية في المجتمع الإيراني، أو أن تكون خاصية أو خصوصية تنفرد بها وتحددها المؤسسة العسكرية التي تشهد صراعاً واضحاً بين العقلانية والرؤوس الحامية التي دعت إلى دخول الحرب منذ الأسابيع الأولى لها، وأن أي خيار استراتيجي ومصيري لا بد من أن يكون معبّراً عن كل شرائح المجتمع الإيراني وأطيافه السياسية، كشرط لتحقيق هذه الوحدة وكمدخل لتحمل المسؤولية عن أي تداعيات ربما تحصل في المستقبل.

 

المصدر: اندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. هل أصبحت أوامر وتعليمات المرشد الأعلى خامنئي قابلة للمجادلة والقبول والرفض؟ طبيعة تركيبة نظام الملالي الذي تم تكريسه بعد إستفرادهم بالسلطة الإيرانية بعد ثورة 1979 جعلت كلام المرشد الأعلى منزل ولا يقبل التأويل والجدل، والخلافات بين صفوف القوى الموالية للنظام في التيار المحافظ هي خلافات ثانوية .

زر الذهاب إلى الأعلى