الحركة الشيوعية السورية ||  تحت الضوء

أحمد العربي

اولا. إن الحديث عن الحركة الشيوعية السورية لا يمكن أن يفهم إلا ضمن سياق الحالة العالمية لتطور الفكر الأوربي. الذي تأسس عبر قرون مستفيدا من التطور العلمي وتوظيفه في تطور حياة البشر والمجتمعات الإنسانية .صنع مقدمة للرأسمالية العالمية التي استثمرت مجتمعاتها اقتصاديا وبشريا. وراكمت رؤوس أموال وصنعت الطبقة الرأسمالية التي استمرت بتطوير ذاتها وصنعت لها حكمها العالمي المباشر . وبالطبع لم تكن رحلة الرأسماليه العالمية مليئة بالورود بل هي بمقدار تقدمها العلمي  ومقدار التقدم التكنولوجي .لصالح البشر. بمقدار ما أساءت لهم عبر الحروب والاستعمار والضحايا  بالملايين عبر حروب الرأسمالية وتوسعها لمصلحتها عبر القرون الماضية

ثانيا.لم يصمت العقل الأوربي العلمي والسياسي عن التنديد بالرأسمالية و مواجهتها فكريا والبحث عن حلول إصلاحية داخلها أو جذرية في مواجهتها. كانت الماركسيه على يد ماركس وانجلز محاولة نظريه تقول بأن أصل الشر بالرأسمالية هو بفكرها المنصب على الملكية الخاصة والدولة المهيمنة والأديان حاملة بذرة قبول الاستغلال.. وعمل لصناعة مجتمعا بديلا سمي بالمجتمع الشيوعي .لكونه مجتمعا بلا ملكية ولا دولة ولا دين مجتمع الحاجات الملباة للإنسان.. بمقدار ما كان هذا الفكر إشكالي ومتناقض مع الرأسمالية وطموح . بمقدار ما لقي له انصار في أوربا وفي جميع أنحاء العالم  وخاصة بعد ان انتصرت الثورة الشيوعية في روسيا والتي رسخت الدولة الشيوعية الأولى في العالم .1917. والتي توسعت في دول اوروبية كثيرة جوارها واصبحت الاتحاد السوفييتي، خاصة بعد انتصارها مع حلف الناتو الرأسمالي الأمريكي البريطاني الفرنسي  ضد حلف المحور الألماني الايطالي الياباني الرأسمالي ايضا، ضمن صراع النفوذ. وثبتت نفسها كدولة مركزية في القرار الدولي. عبر تشكيل مجلس الأمن ودول الخمس دائمة العضوية. المتحكمة بمصير العالم عبر حق النقض الفيتو والتحكم الفعلي بالقرار السياسي  والاقتصادي العالمي… وهذا مستمر للان

ثالثا.كان لا بد للفكر الماركسي الشيوعي أن يكون له امتداد .في المنطقة العربية وسوريا ايضا.فنحن أيضا لنا أسبابنا أن ننظر للغرب وكيف تقدم ونحاول التعلم منه أو تقليده. كانت الماركسية وصفة جاهزة تجسدت على الارض في الاتحاد السوفييتي. وخاصة ان الفكر الماركسي يقصي بالمباشر كل عناصر الاختلاف في البنية المجتمعية. فهو فكر فوق وطني وضد قومي وضد الدين وضد الرأسمالية فكرا والرأسمالية كطبقة على الأرض. امتد العمل الحزبي الشيوعي في سوريا في قليل من المثقفين. وامتد بالفئات المهمشة وبعض الأقليات الطائفية والاثنية اكثر من امتداده المجتمعي العام. وكان ذلك محاولة تماهي مع الامتداد العالمي بمواجهة واقع الشعور الاقلوي المجتمعي .المرفوض والغير صحيح. والغير مقبول أيضا… وكانت أوضاع الدولة السورية في زمن الاحتلال الفرنسي تحتمل وجود هكذا فكر وحالة حيث تبقى بحضور محدود . وتحسّن صورة الديمقراطية الاستعمارية.. والتي لم تغير بالعمق (الشيوعية) هي وغيرها من الإسلاميين والقوميين كنموات جنينية أي حالة واقعية جديّة .في مواجهة المستعمر أو صناعة بديل… وكان لا بد ان نتحرر من الفرنسيين حتى يدخل الشيوعيين السوريين سباق السياسة السورية

رابعا.ان سوريا بما حفلت به من متغيرات داخلية ومؤثرات خارجية .كان هناك مبررات كثيرة لوجود الفكر الشيوعي كحزب شيوعي أو امتدادات فكرية في كثير من الحالات الحزبية الأخرى.. ففي حزب البعث كان هناك تيار يعتبر نفسه متأثرا بالفكر الماركسي . وكان هناك ايضا بعض المفكرين المستقلين أو بعض المجموعات الصغيرة المتمايزة عن الحزب الشيوعي الام .. وكان لذلك أسبابه سواء لوجود قراءات مختلفة للفكر الماركسي أو للسلوك السياسي. فهناك الموقف التابع للحزب الشيوعي السوفييتي. والذي كان موقفا مناقضا مع أغلب ما يجول في عقل ووجدان الشارع العربي والسوري حول العروبة كتوحيد قومي. كان موقف الحزب الشيوعي السوري كان ضد الوحدة المصرية السورية مثلا.. وظهر هنا كأنه خارج التاريخ.. وكذلك موقفه من الاديان عموما والإسلام خصوصا وظهر كأنه يعادي ويتحدى مشاعر اغلب الناس.. والموقف من قضية فلسطين التي اعتبرت قضية كادحين يهود. وليست قضية شعب فلسطين الذي شرّد وبالقوة وتم إحلال آخرين مكانهم دون وجه حق.. وكان لهذه الحالة تأثير كبير على الحزب كوجود وامتداد . بحيث لم يستطع يوما أن يكون شعبيا ومؤثرا فعلا في الواقع السياسي ناهيك أن يكون له دورا تغييريا ما. وهذا أدى لنتائج منها الانفضاض عن الفكر الماركسي عموما .او اعادة تفسيرة في احيان اخرى ليشمل موقفا ايجابيا من العروبة والقومية. أو حتى موقفا مساندا للفلسطينيين وداعما للثورة الفلسطينية ايضا.. وادى هذا في مرحلة ما للوصول إلى الخلاف داخل الحزب الشيوعي الذي أدى لانقسامه .وأخذ كل مسار مختلف

خامسا.في العودة للممارسة على الارض . لم يستطع الحزب الشيوعي ان ينغرس في المجتمع السوري للأسباب المذكورة.لأن المد الوحدوي كان مهيمنا في الخمسينات والستينات .وقد استطاع تحالف البعث مع الناصريين أن يصنع حركة آذار عام ١٩٦٣م .وأن يستحوذ البعث على السلطة . وأن يبدأ بمغازلة كل التيارات السياسية من ناصريين وشيوعيين ليستقر له الأمر وخاصة بعد حركة الأسد في تشرين ثاني عام ١٩٧٠م .وتداعياتها التي أدت لولادة الجبهة الوطنية التقدمية .التي ارتكز عليها النظام ليخلق مشروعية مستمرة .و ليغطي على نظامه العصبوي العائلي المغطى طائفيا.. ويحتكر السلطة والثروة وكل مفاصل السياسة والحياة في سوريا

سادسا.عند مفصل الجبهة الوطنية التقدمية وقبلها المواقف من العروبة والوحدة والقضية الفلسطينية توصل الحزب الشيوعي السوري لقراره بالانشقاق بين عامي ١٩٧٢ و١٩٧٣م . وتحوله لحزبين احدهما يلتحق بالمباشر بالسلطة كحليف تابع ودون اي حضور ومجرد وجود رمزي؛ شكلي. لتغطية فعل النظام ويظهر أن الاغلب الأعم ممن استمروا فيه لهم مصالح انتهازية مع النظام بأي موقف كان

 أما الجناح الآخر الذي سمّي جناح المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري. فكان أكثر جذرية في مواقفه. فقد طور موقفه الفكري من موضوع الوحدة العربية وضرورتها. وفلسطين وحق الشعب الفلسطيني فيها. والموقف من النظام الاستبدادي السوري. وعمل مع بقية القوى السياسية المعارضة الاخرى. ليؤسس بعد ذلك للموقف الديمقراطي السوري وليكون مع بقية الأحزاب المعارضة .موقفا وطنيا ديمقراطيا. بدء من أحداث السبعينات والثمانينات بين النظام والإخوان المسلمين والطليعة المقاتلة بموقف وطني ديمقراطي يرفض استبداد النظام وفعله الوحشي .ويرفض الفعل العنفي للطليعة المقاتلة الاسلاميه. ومن ثم الاخوان و اطروحاتهم الطائفية والغير وطنية. وذلك من خلال تشكيل التجمع الوطني الديمقراطي مع احزاب اخرى .وكان لهذا الموقف الجذري ثمنا على الحزب. فقد استهدف أمنيا وعمل النظام على محاولة استئصاله. فكثير من كوادره اعتقل لسنوات طويلة والبعض توارى والبعض غادر للمنفى.. وأثبت هذا الفصيل السياسي أن موقفه الوطني الديمقراطي .كان له أولوية على الخلفية الفكرية ودفع ثمنا غاليا عبر أغلب عناصره وعبر عن مصداقية تحسب له.. وآخر تطوراته كانت قبل الثورة بسنوات .حيث غادر الشيوعية كفكر (وبقي كمنهج علمي اجتماعي على حد تعبيرهم ). حتى اسم الحزب فقد أصبح اسم حزبهم حزب الشعب الديمقراطي. وكان لهم مثلهم مثل ما تبقى  من كوادر الحركات السياسية السورية المعارضة دورهم ليكونوا من صلب الربيع السوري ومن ثم في ثورته.. وكل في مجاله وامكانياته

سابعا.كان هناك ايضا فصائل اخرى تحمل الفكر الماركسي لكن بقراءات مختلفة .فمنهم حزب العمال الثوري الذي تميز بفكر قومي ماركسي . وكانوا ظاهرة نخبوية ضيقة لكنها صلبة ومثقفه ويتبنون افكار ياسين الحافظ (البعثي السابق). والياس مرقص. والمهم أن هذا الفصيل التحق ايضا بالتجمع الوطني الديمقراطي مع الاتحاد الاشتراكي العربي والاشتراكيين العرب .وحركة البعث المسماة الشباطيين المنتسبين لصلاح جديد وبقايا رفاقه  والتي التحقت ايضا بالموقف الوطني الديمقراطي . وبنفس الخلفية مع التركيز أن أغلب هذه الأحزاب نفس المسمى مع جبهة النظام وجزء من صورته السياسية وادعاءاته الديمقراطية.. وكان هناك أيضا فصيل ماركسي آخر ظهر في السبعينات هو رابطة العمل الشيوعي. تميز قراءات فكرية ملتبسة ومواقف سياسية أكثر التباسا .وكان النظام قد أخذ قرارا باستئصاله . وذلك لقرار له علاقة بوحدة الموقف من النظام (داخل الطائفة العلوية )حيث نشطت بكثافة في أوساط العلويين وبقية الفئات الدينية او الاثنية. وهذا ما لم يقبل النظام به فقرر استئصالهم ولاحقهم بقوة واعتقل اغلبهم  وسجنوا لسنين طويلة وتوارى البعض وانتقل البعض للمنفى. تحولت الرابطة لحزب العمل الشيوعي. لم تكن يوما واضحة التوجه السياسي والفكري . وكانت تغطي على ذلك بحشدها واندفاعها في سلوكياتها النضالية كتوزيع البيانات او النشاطات الاخرى بحيث لم يترك كحزب لنفسه أي فرصة مراجعات نقدية إلا داخل المعتقل وبعد ان اصبح مجرد ظاهرة سياسية سابقة. مثله  مثل أغلب الحركات السياسية السورية

ثامنا .أن التطورات الفكرية للشيوعيين السوريين وخاصة حزب الشعب. والتحاقهم بالخيار الوطني الديمقراطي .جعلهم أقرب للناس ولما يريدون. ومع ذلك لم يستطيعوا ان يقدموا مصالحات جذرية مع الوجدان الشعبي حول العروبة والإسلام وحتى الديمقراطية. التي ظهرت بأنها معلنة فكريا بعيدة عن الممارسة لدى اغلب الاحزاب التي حملتها. فالبنية الحزبية لهذه الأحزاب استمرت على ماهي عليه لعقود متتالية في مواقعها الحزبية. وبعضها توفي وهو في موقع الأمين العام. وهذا جعل مبررا للتساؤل عن مدى جدية التغيير الديمقراطي في الفكر والبنية والسلوك.. لهذا الحزب ولكل الأحزاب الوطنية الديمقراطية السورية..

.اخيرا ان قراءة الحركة الشيوعية السورية تحتاج لأكثر من هذه العجالة المركزة. ومع ذلك فقد توصلنا أن الحالة السورية استوعبت فيها المختلف والمتناقض .وان الشعب فهم وتفهم .ولكن الاغلب الاعم وقع ضحية الرؤية الشمولية التي غطت الاستبداد السياسي والمجتمعي. وأن الكل وقع ضحية فصيل (البعث) الذي وصل للسلطة. وصنع حالة اقصاء بالقوة لبقية القوى السياسية. وحول المجتمع إلى مزرعة خاصة للنظام والشعب لعبيد عنده.. وان المجتمع السوري بتنوعه الأصلي الطائفي والاثني والديني وتنوع توجهات نخبة السياسية . يجعلنا نقف بالمطلق مع الخيار الوطني الديمقراطي لسوريا. وان المستقبل والحكم والحلول هي خيارات الشعب بكل فئاته وعبر القنوات الديمقراطية. وهذا يتطلب قبولا مسبقا بالديمقراطية طريقا وممارسة ونتائج .. ومن ميزاتها انها تداولية وأنها انتخابية توضع تحت المساءلة والمتابعة والتجديد والتطور والتغيير دوما حسب مصلحة الجماعة الوطنية

11.4.2014…

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. قراءة موضوعية لمسيرة الحركة الشيوعية بسورية ، لقد كانت الحركة الشيوعية بالمنطقة العربية تقف أمام نقطتين أساسيتين الموقف من العروبة والدين ، وهذا ما يختلف عن مواجهة الشيةعيين بأوروبا التي كان الموقف الرأسمالية ، لذلك أدى هناك انقسام بالحركة الشيوعية والحزب الشيوعي السوري حول المواقف من العروبة .

زر الذهاب إلى الأعلى