حكومة إسرائيل الجديدة هيدرا متعددة الرؤوس: هل يستطيع قادتها المتنافسون حل معضلة الضم؟

مارتن إنديك*  ترجمة: علاء الدين أبو زينة

في الأسطورة اليونانية، الهيدرا ثعبان مائي ضخم له تسعة رؤوس، أحدها فقط خالد لا يموت. وتبدو حكومة إسرائيل الخامسة والثلاثين، التي أدت اليمين الدستورية في 17 أيار (مايو) 2020، وكأنها هيدرا. وبدلاً من تسعة رؤساء، تتألف الحكومة من 36 وزيراً، و16 نائب وزير، و”رئيس وزراء بديل بالتناوب”. ومثل الهيدرا، يبدو أيضًا أن لها رأسًا خالدًا واحداً: بنيامين نتنياهو. وقد أدى القسم لولايته الخامسة كرئيس للوزراء، بعد أن خدم مسبقاً في هذا المنصب بشكل مستمر منذ العام 2009.

هذه المرة، تطلب الأمر من نتنياهو ثلاثة انتخابات أجريت على مدى 18 شهراً لتشكيل حكومة. وفي كل واحدة من تلك الانتخابات، فشلت كتلته المكونة من الأحزاب اليمينية والدينية في الحصول على أغلبية. وقد تمكن نتنياهو من تشكيل هذه الحكومة في محاولته الثالثة، فقط من خلال احتواء بني غانتس، زعيم كتلة يسار الوسط المعارِضة. وكانت هذه مناورة بارعة، حيث كان غانتس قد خاض حملته على الوعد بعدم الانضمام أبداً إلى حكومة تحت قيادة نتنياهو الذي يواجه تهم الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة.

كان بإمكان غانتس تشكيل حكومة أقلية، معتمداً على الدعم الخارجي من القائمة المشتركة للأحزاب العربية التي كانت قد أوصته بأن يفعل. لكنه كان قد وعد بعدم القيام بذلك أيضًا. وعندما اضطر إلى الاختيار، ذهب مع نتنياهو بحجة أن حالة الطوارئ التي تسببت بها أزمة “كوفيد-19” تتطلب تشكيل حكومة وحدة وطنية -وهو واجب سامٍ برر به خيانته لناخبيه. وقد دفع ثمناً باهظاً لذلك، لأن قراره عجل بحدوث انقسام داخل حزبه “أزرق-أبيض”. وقاد شريكه السابق، يائير لابيد، 18 من أعضاء الكنيست الـ33 في الحزب إلى المعارضة.

وكان على نتنياهو أن يدفع ثمناً باهظاً هو أيضاً. فقد وقع على اتفاقية مع غانتس تم تدوينها لاحقاً في تشريع، والتي تنص على فترة حكومية مدتها ثلاث سنوات يتمتع فيها الطرفان بشكل متبادل باستخدام حق النقض (الفيتو) على جميع قرارات السياسة. وبموجب هذا الترتيب الذي يُفترض أنه ملزم، سيعمل نتنياهو لمدة 18 شهرًا في المنصب ثم يسلم رئاسة الوزراء لغانتس في 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2021، لمدة الـ18 شهرًا الثانية من ولاية الحكومة. وفي هذه الأثناء، سيكون غانتس هو “رئيس الوزراء البديل”، وهو منصب تم إنشاؤه حديثًا والذي سيشغله نتنياهو عندما يتم التناوب.

لكل زعيم في الحكومة الجديدة 18 حقيبة، على الرغم من أن لدى نتنياهو 52 مقعدًا في كتلته، ولدى غانتس 17 مقعدًا فقط (بما في ذلك مقعدي حزب العمل المنكمش). وقد أدى هذا التوزيع إلى وضع صعب حيث يمتلك غانتس الكثير من الحقائب الوزارية لأعضاء حزبه في الكنيست، بينما حصل نتنياهو على عدد قليل للغاية.

يخلق عدم التوازن الهيكلي بين الكتلتين توتراً متأصلاً، حيث لدى أتباع نتنياهو اليميني من حزب الليكود حافز للتخلص من شركائه “اليساريين”، خاصة إذا استمرت استطلاعات الرأي في إظهار أن الكتلة اليمينية/ الدينية يمكن أن تؤمّن الأغلبية في حزبه بإمكانياتها الخاصة في أي انتخابات جديدة. كما أن هذه الاستطلاعات تجعل توازن القوة النفسي أيضاً يميل لصالح نتنياهو، حيث من المرجح أن يتقلص حزب غانتس بشكل كبير، إذا لم يتم القضاء عليه تماماً، في جولة انتخابية أخرى. وهذا هو المصير التقليدي لمعظم أحزاب الوسط الإسرائيلية. وإذا كانت ممارسة حق النقض قد تؤدي إلى إسقاط الحكومة، فقد يتردد غانتس في استخدامه في القضايا الحرجة. وسوف يقوّض مثل هذا التحفظ قدرة حزبه على موازنة الأجندة اليمينية لشركائه في التحالف.

لا يحب الإسرائيليون هذه الحكومة المتضخمة، على الرغم من أن معظمهم يفضلونها، في الوقت الحالي، على بديل إجراء انتخابات رابعة. وفي النهاية، سوف يحكمون عليها بناء على النتائج. وفي هذا الصدد، حصل نتنياهو بالفعل على علامات عالية عن تعامله مع أزمة فيروس كورونا المستجد. فقد قتل الوباء أقل من 300 إسرائيلي، وكانت الحالات الجديدة في أيار (مايو) قريبة من الصفر، كما تم احتواء الفيروس بين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة المجاورين.

حدد نتنياهو وغانتس أولوياتهما على أنها؛ إنعاش الاقتصاد الإسرائيلي والاستعداد لمكافحة الموجة الثانية المتوقعة من الفيروس. وأبعد من هذه الضرورات، فإن الغرض من هذه الحكومة الشبيهة بالهيدرا متعددة الرؤوس يبقى غير واضح، حيث ليس لدى الكتلتين مبادئ توجيهية متفق عليها. وبالنظر إلى حق النقض الذي يتمتع به كل طرف لضبط الطرف الآخر، قد يوفر هذا الغموض فترة استراحة مرحباً بها من القضايا التي أقلقت النظام السياسي الإسرائيلي في ظل حكومة نتنياهو اليمينية السابقة.

على وجه الخصوص، هاجم وزراء نتنياهو استقلال القضاء وسعوا إلى إلغاء قدرة المحكمة العليا على العمل كجهة رقابية على الكنيست. وبما أن حزب غانتس يحتفظ بحقيقة وزارة العدل، فإنه يجب تعديل تلك الأجندة التشريعية، إن لم يكن وضعها على الرف جملة وتفصيلاً، على الرغم من أنه يبدو أن التحريض اليميني ضد القضاء سيتواصل بلا هوادة. كما أن طيف إقرار تشريع لحماية نتنياهو من الملاحقة بتهم الفساد، تمت إزالته عن الطاولة أيضًا. وكان على نتنياهو أن يمثل أمام المحكمة لافتتاح محاكمته بعد أسبوع من أدائه اليمين كرئيس للوزراء.

فيما يتعلق بالقضايا الأمنية، من المرجح أن يتعزز الحذر الفطري لدى نتنياهو بسبب سيطرة غانتس على وزارة الدفاع. وسيعمل نائب غانتس، غابي اشكنازي، وزيراً للخارجية قبل التناوب، ووزيراً للدفاع بعده. وقد خدم كل من اشكنازي وغانتس كرئيسين سابقين لهيئة أركان جيش الدفاع الإسرائيلي، وسيمثلان وجهات النظر المجرَّبة والواقعية للمؤسسة الدفاعية الإسرائيلية في مجلس الوزراء الأمني. ويعود الفضل إلى أشكنازي في لعب دور رئيسي في منع نتنياهو من تودجيه ضربة عسكرية وقائية للمنشآت النووية الإيرانية خلال ولاية إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.

سوف تكون هذه البراغماتية ذات أهمية حاسمة عندما يتعلق الأمر بالضم، وهي القضية السياسية الوحيدة التي كُتبت في الاتفاقية التي تحكم تحالف نتنياهو وغانتس. وقد أصر نتنياهو على أنه يحق له بعد الأول من تموز (يوليو)، أن يقدم لمجلس الوزراء التزام حملته بضم غور الأردن وجميع مستوطنات الضفة الغربية البالغ عددها 131 مستوطنة، والتي تشكل حوالي 30 في المائة من الأراضي الفلسطينية. وعلاوة على ذلك، تنص الاتفاقية على أنه إذا عرقلت الحكومة الضم، فسيكون لنتنياهو الحق في عرض القضية مباشرة على الكنيست من أجل استصدار تشريع عاجل. ومن المتوقع أن يحظى مشروع القانون بدعم أغلبية، حتى لو صوت فصيل غانتس وغيره في المعارضة ضده.

حتى عندما يمضي نتنياهو قدُماً بعملية الضم، فإن اتفاقه مع غانتس يتطلب أن تسعى إسرائيل بجد إلى الحفاظ على العلاقات مع جيرانها العرب والمجتمع الدولي، الذين أعلنوا مرارًا وتكراراً أن الضم غير قانوني. أما كيف ستحل الحكومة هذا التوتر، فيبقى شأناً غامضاً.

لقد أثار التهديد بالضم مسبقاً احتجاجات قوية من الأردن والإمارات العربية المتحدة وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة وأعضاء بارزين في الاتحاد الأوروبي. وأعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس إنهاء جميع اتفاقات السلطة الفلسطينية مع إسرائيل، بما في ذلك التنسيق الأمني. كما حذر كل من الرئيسين السابقين للموساد وجهاز الأمن العام (الشاباك) من التهديد الذي يشكله الضم للعلاقات مع الأردن والهدوء في الضفة الغربية.

لطالما كان غانتس معروفاً بأنه حساس بشكل خاص تجاه الضغط الهائل الذي سيشكله ضم وادي الأردن على معاهدة السلام الإسرائيلية الأردنية وعلى التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية، التي فعلت الكثير لمنع العنف والإرهاب في الضفة الغربية. ومع ذلك، فقد صادق على الضم خلال الحملة، وقبِل بإدراج بند الضم في اتفاقه مع نتنياهو، ومن المعروف أنه يفضل ضماً جزئياً على الأقل للكتل الاستيطانية المجاورة لحدود إسرائيل قبل العام 1967.

وجدت معضلة غانتس تعبيراً في خطاب قبول أشكنازي كوزير للخارجية بعد أداء الحكومة الجديدة اليمين الدستورية. من ناحية، رحب أشكنازي “بالفرصة التاريخية” التي قدمتها خطة السلام التي وضعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب “لتشكيل مستقبل دولة إسرائيل وحدودها لعقود قادمة”. ومن ناحية أخرى، تعهد بتعزيز الخطة مع “الحفاظ على جميع اتفاقيات السلام والمصالح الاستراتيجية لدولة إسرائيل”.

هناك شرط واحد صريح فقط بشأن الضم في اتفاقية التحالف: يجب أن يحظى الضم بالدعم الكامل من حكومة الولايات المتحدة. ويصنع هذا الشرط مأزقًا لنتنياهو مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية. وكان ترامب قد أعطى الضوء الأخضر فعلياً للضم كجزء من رؤيته للسلام الإسرائيلي الفلسطيني. لكن جو بايدن، المرشح الديمقراطي المفترض، أعرب عن معارضته الواضحة لهذه الخطوة، واصفا إياها بأنها “سيئة للسلام”، وتعهد بنقض إجراءات ترامب. وسوف يؤدي الضم حتمًا إلى جعل إسرائيل قضية خلافية في الحملة الانتخابية الأميركية. سوف تحتفي به قاعدة دعم ترامب الإنجيلية؛ وسوف ترفضه بشده قواعد بايدن اليهودية والتقدمية في جزئها الأكبر. وإذا ما فاز بايدن في الانتخابات، فيحتمل كثيراً أن يسحب الاعتراف بحيث يزيل الشرعية الدولية الوحيدة التي من المرجح أن يكتسبها الضم.

إذا دفع نتنياهو بمشروع الضم عبر الكنيست قبل الانتخابات الأميركية، فإنه قد يخلق مشكلة كبيرة لإسرائيل مع رئيس أميركي جديد بعد ذلك. وسوف تحصد إسرائيل بعد ذلك الاحتقار الدولي من دون تحقيق أي مكاسب. ولكن، إذا لم يمضِ نتنياهو قدُماً بمسألة الضم، فإنه سيواجه ثورة داخل حزبه ويتعرض لانتقادات شديدة من نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، قادة الحزبين اليمينيين اللذين تركهما في العراء عندما قر قراره على التعايش مع غانتس.

من المرجح أن تصبح الطريقة التي يحل بها نتنياهو وغانتس مثل هذه المعضلات هي الاختبار الحاسم للحكومة الإسرائيلية الجديدة، والتي ما تزال في مراحلها التكوينية بينما يقترب تاريخ 1 تموز (يوليو) المقرر للنظر في مسألة الضم. لكن على أولئك الذين يشككون في فرصها في البقاء أن يتذكروا أن هرقل استغرق وقتاً طويلاً قبل أن يتمكن من قتل الهيدرا.

*زميل متميز في “مجلس العلاقات الخارجية”، وسفير أميركي سابق لدى إسرائيل. وهو مؤلف الكتاب القادم “هنري كيسنجر وفن دبلوماسية الشرق الأوسط”.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Israel’s New Government Is a Many-Headed Hydra: Can Its Competing Leaders Resolve the Dilemma of Annexation?

المصدر: (فورين أفيرز) / الغد الأردنية

اترك تعليقاً
1+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى