مخاوفي بشأن “الطبيعي الجديد”

كلير فوكس*  ترجمة: علاء الدين أبو زينة

 ربما يكون هناك ضوء في نهاية نفق الإغلاق الطويل. وتسمح خريطة الطريق المطروحة على الأقل بالأمل في عودة الحياة إلى طبيعتها. وبالنسبة لي، يعني العادي، أو الطبيعي، حريتنا في أن نعيش الحياة كما نختار، من حشر أنفسنا في الطائرات المكتظة للذهاب في عطلة، إلى الازدحام في الحانات لإقامة حفلات أعياد الميلاد. ومع ذلك، حتى مجرد قول ذلك يمكن أن يؤدي بك إلى سماع شهقات الاستنكار وعدم التصديق. عادي؟ لا يمكن قطعاً! هذا حافل تماماً بالخطر.

أصبح من المألوف الآن التطلع إلى “الطبيعي الجديد”. وغالبًا ما يقبل هذا “الطبيعي الجديد”، بقدَريّة غامرة، بوجوب اختصار مجموعة من الحريات “العادية” اليومية. ولعل الأكثر إثارة للقلق هو أنك إذا جادلت بأن الحرية هي أحد الأسباب الرئيسية لإنهاء الإغلاق عاجلاً وليس آجلاً، فإنك ستُتهم بشكل متزايد بأنك متساهل، أناني، غير مسؤول، وغير واقعي. وسيكون الجواب الأكثر فظاظة هو: “ما هي الفائدة من الحرية إذا كنت ميتا”؟ في حين سيكون القول الأكثر سخاء: “حريتك يمكن أن تقتل جدتي”. لقد تم اختزال الحرية لتتحول من حجر أساس المجتمع الديمقراطي إلى ترف مهدِّد للحياة، والذي يمكن الاستغناء عنه.

وليس هذا شأناً يمكن اختزاله إلا إذا ما كنتَ منتمياً إلى القبائل التي لا تني نزداد استقطاباً من المؤيدين للإغلاق والمناهضين له. كانت هناك أسباب حسنة نية للجوء إلى تدابير استثنائية عند مواجهة جائحة عالمية غير معروفة. وقد وافق معظمنا على الإغلاق، حتى لو كان ذلك على مضض. ومع ذلك، لم يكن القصد من هذه الموافقة -التي أُعطِيت بحرية كعمل من أعمال التضامن الاجتماعي- أن تكون بمثابة ضوء أخضر للتخلي عن الحريات التي تم الحصول عليها بشق الأنفس، أو تعليق دائم للمجتمع الحر.

ليست لي تعاملات ولا شؤون مع الحجة التآمرية الضعيفة القائلة إن الحكومات في العالم مبتهجة بوجود حالة طوارئ للصحة العامة والتي يمكن استغلالها لسن إجراءات استبدادية. لكنني ما أزال مصدومًا من السهولة التي كان بها المعلقون الأكثر تطرفاً -غالبًا من أولئك الذين يطرحون أنفسهم كأبطال للحقوق- من أكثر المتحمسين لعرض الحرية على مذبح الصحة العامة، مطالبين باتخاذ إجراءات أكثر صرامة. خذ على سبيل المثال بول ماسون، الذي وصف في آذار (مارس) “فشل جونسون في فرض حظر” بأنه “يُتاخم الإهمال الإجرامي”. ودعا الدعوة إلى الإكراه و”السيطرة على الحشود” بدلاً من التعقل. وغرد بأنه “لا فائدة من توبيخ الناس الذين يخرجون عندما لا تكون مستعدًا لإيقافهم”.

الرفع الحالي للقيود -على الرغم من كونه خفيفًا إلى حد عدم التعبير عنه صراحة- تعارضه صرخات مماثلة تدعو إلى الحذر؛ يتم التعامل مع كل حرية طفيفة تُعطى لنا كعمل خطير من أعمال التسرع. ويشير هذا النهج إلى اغتراب عن الحرية أعمق من مجرد تجاهل براغماتي لقبول تدابير قصيرة المدى.

في هذا السياق، أخشى أن “الطبيعي الجديد” سيتضمن موقفًا جديدًا تجاه الحرية. يمكنك مسبقاً، من الناحية الثقافية، أن تشعر بتحول. إنني أجد نفسي ممتنًا للسماح لي بالوصول إلى الحدائق العامة؛ للسماح لي بممارسة المزيد من التمارين (بينما أقوم في العادة بتمرين واحد). وعندما ذهبت إلى المتجر لشراء هدية عيد ميلاد غير ضرورية في الأسبوع الماضي، كنت أشعر بالذنب مثل مجرم محتمل. وفي جميع المناقشات حول حياة ما بعد “كوفيد”، يتم التعامل مع الحريات الأساسية على أنها شيء نحتاج إلى إذن لممارسته: كعلاوة حكومية، مجزأة وقائمة على القواعد، والتي يتم تسليمها ومراقبتها بشكل عقابي إذا تجرأنا على الخطو فوق العلامة، سواء كان ذلك باجتماع سري مع الأصحاب أو لقاء غرامي يُدبَّر بمكر مع حبيب.

عندما يُنظَر إلى الحريات المسلّم بها بمثل هذه اللامبالاة المتهورة -باعتبار أنها يمكن الاستغناء عنها، وذات قيمة ثانوية، وتتم شيطنتها باعتبارها رخصة سائبة، وخطرة على صحة الأمة- ربما نستذكر تحذير توماس جيفرسون: “إن ثمن الحرية هو اليقظة الأبدية”. وإذا أعطتنا المحاولات واسعة النطاق لمنع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لمحة عن مدى هشاشة التزامنا بالديمقراطية -التي اختُزلت إلى مجرد قشرة تكنوقراطية بالاسم فقط- فإن ردود الفعل على “كوفيد” هي تذكرة صارخة بأنه لا يمكن افتراض الحرية كمعيار اجتماعي مندغم عميقاً في مؤسساتنا ونفسيتنا. إنها تبدو أقرب إلى خط واهٍ، وإضافة فائضة. من المؤكد أنها لا تبدو الآن وكأنها فضيلة راسخة نعتنقها جميعًا.

ربما بعد أن أصبحت تحت التهديد، والعديد منها مرتبط بجعل التفكير أكثر ليبرالية، أو حتى تحريرية، نلجأ إلى الحجج الدفاعية والنفعية كطريق مختصر لطرح قضية إيجابية عن الحرية في حد ذاتها. خذ على سبيل المثال نهج “وفياتك مقابل وفيّاتي”؛ حيث يسجل الناس الذين يساورهم القلق على تآكل الحريات كيف سيموت المزيد من الناس أو تزداد معاناتهم إذا استمر الإغلاق، مستشهدين بمرضى السرطان وأمراض القلب.

في ما وراء الوفيات، يشير الناس إلى تدهور الصحة العقلية والعنف المنزلي وإساءة معاملة الأطفال. وهناك بالطبع بعض الحقيقة في هذه المخاوف. ومع ذلك، فإنهم يشعرون بأنهم معاملاتيون بشكل مفرد كدفاع رئيسي عن الحرية وكثيراً ما يُحبَطون عندما يدحض أطروحتهم أولئك الذين يثيرون مسألة التهديد المستمر لكبار السن/ الضعفاء، والأرقام التي تزداد قُتامة للأشخاص الذين يموتون الآن والخوف من صعود آخر في معدلات العدوى. وبحلول الوقت الذي ينتهي فيه الجدل، تصبح الحرية محيّدة على الهوامش، وقد أخرجتها من الصورة المقارنات والمقارنات المضادة في أعداد الجثث.

ثانيًا، يشدد المدافعون عن الحرية على الحجة الاقتصادية: نحن بحاجة إلى أن نكون أحرارًا في الإنتاج والاستهلاك مرة أخرى، أو أن الأمور سوف تزداد سوءًا. ويقال أن الفقر المتوقع الناجم عن الوباء سوف يؤدي إلى المزيد من الوفيات -من الانتحار إلى الأزمات القلبية الناجمة عن الإجهاد- وبغض النظر عن ذلك، سيؤدي الوباء بالتأكيد إلى فقر اقتصادي مدمر. ومرة أخرى، أنا متعاطف مع صلاحية هذه الادعاءات. ومع ذلك، مرة أخرى يمكن أن يتم تخفيض أهمية الحرية لتصبح ثانوية.

و، ألا يبحر التركيز على يوم القيامة الاقتصادي الوشيك على قرب وثيق من صديقنا القديم “مشروع الخوف” Project Fear؟ (1)

إننا نعلم أن أطروحات “مشروع الخوف” التي طرحت مع “بريكست” -سيناريوهات أسوأ الحالات، والتهديدات بفقدان الوظائف على نطاق واسع وما إلى ذلك- لم تُحدث الكثير من التأثير. وقد صوّت أنصار المغادرة على قيم مثل السيادة واستعادة السيطرة، أكثر من مجرد حساب أي تكاليف مالية مزعومة، ببساطة. وبغض النظر عما إذا كانت الصور البائسة التي رسمها الاقتصاديون المعارضون لمغادرة الاتحاد الأوروبي مفرطة في التهويل مقارنة بتأثير “كوفيد” السلبي الذي لا جدال فيه من حيث إغلاق الاقتصاد المنتج بأكمله لأشهر متتالية، فإن استجابات الناس للوباء مدفوعة أيضًا بالقيم. ومكمن قلقي وعصبيتي هو أن القيمة السائدة بالنسبة للكثيرين اليوم أصبحت السلامة بدلاً من الحرية.

لقد أحدث دور الدولة في الحفاظ على سلامة مواطنيها، تاريخياً، توترات مألوفة في وزن الحرية مقابل الأمن. وفي الآونة الأخيرة، أثار نشطاء الحريات المدنية مخاوف على المستوى العالمي من أن السياسات التي تم تطبيقها لإبقاء الناس في مأمن من خطر الإرهاب الجهادي قد أدت إلى توغلات غير ليبرالية واسعة النطاق في مناطق حكم القانون والخصوصية وحرية التعبير. لكنّ هناك عنصراً إضافياً في التعامل مع “كوفيد”. عندما يستشهد أولئك الذين يقاومون رفع الإغلاق باحتمالات سيناريوهات يوم القيامة، فإنهم يصوّرون الحرية نفسها على أنها عدو الأمان: يتم تقديم الحرية نفسها على أنها مهدِّدة للأرواح.

لا تفهموني خطأ، فالحرية مخيفة بالفعل ومليئة بالمخاطر. هذا ما قيل للنساء تاريخياً. كُنَّ يحتجزنَ بعيدًا عن المجتمع، ولم يُسمح لهن بدخول المجال العام إلا إذا ارتدينَ ملابس معينة ومع مرافقين، لإبقائهن في مأمن من خطر الرجال المفترسين خارج أسرهن. وأولئك النساء اللواتي تجرأن على المطالبة بالمساواة وحرية التجول في مسالك الحياة من دون مرافقة، وبأن يرتدين ما يشأن، كنّ يعرفن أنهن يجادلن من أجل الاستقلال وتحمل المخاطر، حتى الوقع تحت تهديدات بمثل بشاعة الاغتصاب. لكن ثمن الحرية كان يستحق ذلك تاريخياً، وما يزال. إننا نبتهج عندما تستخدم النساء الإيرانيات إرادتهن الحرة لعدم ارتداء الحجاب، على الرغم من الحجج الثيوقراطرية القائلة إنهن يتحجبنَ من أجل الحفاظ على سلامتهن. وهنّ يشكلن تذكيراً بأن السلامة ليست الفائز الحتمي في المسابقة مع الحرية.

هل الأمر حقًا خيار صارخ مثل: ميت أم آمن؟ حيّ أم حُر؟ في الواقع، نحن ندين بحرياتنا للآخرين الذين يضعون سلامتهم وحياتهم على المحك. كل مقاتل من أجل الحرية -سواء كانوا نشطاء الديمقراطية في هونغ كونغ، أو المقاتلين الأكراد الذين هزموا “داعش”، أو أولئك الذين تذكرناهم في ذكرى يوم النصر- واجهوا جميعاً قوى استبدادية وخاطروا بحياتهم وسلامتهم في القتال من أجل خلق مجتمعات حرة.

بطبيعة الحال، الكثيرون منا ليسوا شجعاناً مثل تلك الشخصيات البطولية. وأنا لا أقترح أن يصبح الناس متهورين جسديًا في مواجهة فيروس قاتل، أو أن من الجبن اعتناق السلامة كقيمة. يمكن أن يكون من المضلل وغير المفيد اتهام المناهضين للإغلاق الأشخاص الذين يتجنبون المخاطرة بأنهم واقعون بحزم في قبضة الخوف. في الحقيقة، غالبًا ما يرى المدافعون عن السلامة أولاً تحذيرهم عملاً من الإيثار، حيث تضحيتهم بالحرية وسيلة لحماية الآخرين الضعفاء. ومع ذلك، أود أن أقول أنه على الرغم من أفضل النوايا، يمكن أن يكون لهذا بعض النتائج السلبية غير المقصودة على التزامنا الثقافي بالحرية.

لقد رأينا هذا الاتجاه، وعواقبه، في العقود الأخيرة، في الطريقة التي أفرط بها البالغون في حماية أبنائهم. قبل وقت طويل من هذا الوباء، أعاد المجتمع تنظيم نفسه حول مشروع حماية الشباب من قائمة مخاطر لا تني تتزايد: من خطر الغرباء إلى حوادث الطرق، ومن التنمُّر إلى حروق الشمس، ومن الأضرار التي يصنعها الإنترنت إلى الأذى الناجم عن الرياضات التي تنطوي على الاحتكاك. ونتيجة لذلك، قبل وقت طويل من أن يؤدي إغلاق إلى حظرهم فيزيائياً، عنى قلق الكبار على أبناء هذا الجيل حرمان الصغار من حرية اللعب في الهواء الطلق من دون إشراف، أو السير إلى المدرسة بلا مرافَقة، أو حضور المنافسات الرياضية من دون إجراءات معقدة. لا يوجد نشاط يتعلق بالأطفال خالٍ من تمرين مفرط البيروقراطية، والمتمثل في ملء استمارة تقييم المخاطر. وقد أصبح الخوف على سلامة الأطفال مصدر قلق معاصر لدرجة أنه خلق جيلًا من أبناء “الصوف القطني” (2).

وقد أصبح من المقبول على نطاق واسع الآن فهم هذا التدليل كممارسة أوهنَت التطور وأضرت به، حيث يُحرم الصغار والشباب من خوض التجارب التي يحتاجون إليها ليتعلموا كيف يكونون مستقلين وكيف يكتسبوا المرونة لكي ينضجوا. وكما استكشفتُ في كتابي، “أنا أجدُ هذا مُسيئاً”! فإنه بسبب تمرينهم اجتماعياً من خلال حمية من المخاوف على الصحة والسلامة المروعة بحيث ينظرون إلى تحديات الحياة اليومية كسلسلة من التهديدات المحتملة، يكبر هؤلاء الشباب ليصبحوا الطلاب الذين يطالبون اليوم، في ظاهرة شائعة، سلطات الجامعات بتوفير “فضاءات آمنة” لحمايتهم من الأفكار الخطيرة. وليس من قبيل الصدفة أن تكون سياسات “الفضاء الآمن” هذه قد أصبحت أساسًا للاعتداءات الفظيعة والمدمرة على الحرية، والتي يتم الاستشهاد بها كسبب لغياب متحدثي المنصات وسيادة مناخ معادٍ لحرية التعبير. وتشكل قواعد السلوك القائمة على القواعد في الكلام والعلاقات الشخصية لحماية الطلاب من الأذى جزءًا روتينيًا من الحياة الجامعية.

لقد أصبح من الشائع سماع السخرية من هذه الدينامية لأنها خلقت ما يُدعى “جيل ندفة الثلج”.(2) ومع ذلك، نشهد الآن بالغين من جميع الأعمار، والذين يرفض الكثير منهم ظاهرة “ندفة الثلج”، مطالبين بتحويل المجتمع بأكمله إلى “فضاء آمن” شاسع. بطبيعة الحال، تتطلب التحديات التي يفرضها فيروس شرير اتخاذ تدابير عملية مثل التباعد الاجتماعي، بل وحتى الحجر الصحي؛ قد يكون من غير العادل مقارنة هذا الاتجاه بالتحذيرات وحجرة صدى الخاصة بالطلاب. ولكن بمجرد أن يفترض السرد الثقافي أن بالوسع القضاء على جميع المخاطر من خلال الانسحاب إلى فقاعة، وبطريقة تجعل السلامة هي الغاية على حساب الحرية، فإننا نبدأ نفسياً في إعادة تعريف ما يعنيه أن نكون أحرارًا. وهناك خطر من إقحام وتطبيع إصدارات ذرية جديدة من تعريف الذات، وبطريقة تتعارض مع أي مثال لاستقلالية الفرد أو مرونته.

المفارقة في منح الامتياز للسلامة كقيمة هي أنه على الرغم من أن ذلك يبدو ملاذاً آمِنا يبعث الطمأنينة، فإنه لا يجعلنا أكثر أمناً ولا يهدئ مخاوفنا العميقة. فكما يعلم أي شخص لديه معرفة بإجراءات الصحة والسلامة المتعلقة بالموارد البشرية، فإن ثقافة السلامة أولاً تتضمن عادةً إجراءات أدائية لا نهاية لها. ولعل أقل الأنشطة أماناً في العالم هو اتباع كتاب القواعد المُدارة جزئياً بشكل حرفي، ووضع حكمك الخاص على جانب، والسماح للبيروقراطية بالوقوف في طريق استخدام الحس السليم والعقل.

من الناحية النفسية، يمكن أن يؤدي الانشغال الزائد بالسلامة إلى تغذية تركيز واعٍ لذاته على مكامن ضعف المرء. لاحظ كيف أنه بينما تنامت إيديولوجيا “الفضاء الآمن” في حرم الجامعات الغربية، فكذلك فعل انفجار في مشاكل الصحة العقلية بين الشباب. إن الطلاب لا يشعرون بأنهم أكثر أماناً، مهما أصبحت أيديولوجية “الفضاء الآمن” كُليّة الوجود؛ وهم يُبلغون الآن عن ارتفاع كبير في منسوب القلق والتوتر والصدمة التي يعانون منها. وبالمثل، في نهاية التسعينيات، كانت كاميرات مراقبة الدائرة التلفزيونية المغلقة بوضوح جزءًا من سياسة للحد من الخوف من الجريمة، لكن تركيبها على نطاق واسع فاقم شعوراً بالقلق والهلع؛ حيث أكدت أسوأ مخاوف الناس من أن السلوك الإجرامي منتشر، على الرغم من الأدلة التجريبية على العكس.

لماذا ا؟ لأن إعادة تنظيم الحياة لتدور حول السلامة كغاية نهائية يتغذى على مشاعر ذاتية سائبة من انعدام الأمان، ويمكن أن تحرمنا من الثقة اللازمة لنعيش حيوات حرة. وهذا أعظم مكامن فزعي: الخوف من أننا نفقد عادة عيش الحرية. مثل السجين المفرج عنه، الذي يفتقد روتين السجن وأمنه كثيراً لدرجة أنه يبتكر طرقاً حتى يُعاد اعتقاله، هل ثمة خطر من أن نصبح مُمَأسسين في الانسحاب من المطالب الحتمية التي تفرضها الحرية علينا؟

جعلت الحكومة ممارسة الرياضة البدنية إلزامياً تقريبا خلال هذا الإغلاق. لكن الحرية هي أيضًا عضلة تحتاج إلى تمرينها، أو أنها ستضمُر. لكن تمرين الحرية ليس سهلاً، ويمكن أن يكون مؤلماً على المستوى الميتافيزيقي مثل أكثر التمارين إجهاداً. لممارسة حريتنا كمواطنين مستقلين، يترتب علينا اتخاذ قرارات صعبة، واستخدام ملَكات الحكم لدينا، والعيش مع عدم اليقين المترتب على معرفة عدم وجود نتائج مقررة مسبقاً. وهو عمل محفوف بالمخاطر: سوف نرتكب دائمًا أخطاء نتحمل مسؤوليتها؛ وسوف نسير أحياناً في الطريق الخطأ ويكون علينا أن نعيش مع العواقب، حيث لا أحد يمكن أن نلومه سوى أنفسنا. وبعد أن تخففنا من العديد من هذه المعضلات خلال هذه الفترة الاستثنائية من تقليص حريتنا، ربما يكون من المفهوم أن الكثيرين منا يخالطهم الفزع من معاودة الدخول في معمعة الحرية.

هوامش المترجم:

(1) “مشروع الخوف” Project Fear هو مصطلح دخل إلى الاستخدام الشائع في السياسة البريطانية في القرن الحادي والعشرين، بشكل أساسي فيما يتعلق بمناظرات استفتاء رئيسية: استفتاء أسكتلندا في العام 2014، ثم مرة أخرى أثناء وبعد استفتاء المملكة المتحدة للعام 2016 بشأن عضوية الاتحاد الأوروبي. وتم استخدام المصطلح لوصف الادعاءات المتعلقة بالمخاطر الاقتصادية والاجتماعية السياسية -تلك التي قد تنتج في المقام الأول عن تغيير الوضع السياسي الحالي- بأنها تندردج في باب التخويف والتشاؤمية.

(2) أولاد الصوف القطني، Cotton wool kids هم الأطفال والمراهقون في أوائل القرن الحادي والعشرين، الذين يُنظر إليهم على أنهم تلقوا قدراً مفرطاً من الحماية أثناء نشأتهم. والتعبير مستعار من ممارسة لف الأشياء الهشة بالصوف القطني لحمايتها من التحطم.

(3) “ندفة الثلج، Snowflake، هو مصطلح عامي مهين لأشخاص ينتمون إلى العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين، والذي يعني ضمناً أن لديهم شعورًا متضخمًا بالتفرد، أو شعورًا لا مبرر له بالاستحقاق، أو أنهم عاطفيون للغاية، أو يُستفزون بسهولة، وغير قادرين على التعامل مع الآراء المعارضة. ويستخدم المصطلح ومتعلقاته كإهانة مسيّسة.

Claire Regina Fox (من مواليد 5 حزيران (يونيو) 1960)، كاتبة وسياسية ليبرالية بريطانية. وهي مديرة ومؤسسة المركز الفكري “معهد الأفكار”، وهو الاسم التجاري لـ”أكاديمية الأفكار”. كانت عضوًا في “الحزب الشيوعي الثوري”، وأصبحت فيما بعد مؤيدة مسجلة لـ”حزب بريكست”، وفازت بمقعد للحزب في دائرة شمال غرب إنجلترا في انتخابات البرلمان الأوروبي للعام 2019. بقيت في هذا الدور حتى انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي في 31 كانون الثاني (يناير) 2020.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: My fears about the ‘new normal’

المصدر: (ذا سبيكتيتور) / الغد الأردنية

اترك تعليقاً
1+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى