آليات التجريب وسؤال الحداثة في آخر خطاب روائي للطاهر وطار

د. نــوال بومعــزة

تحاول هذه الدراسة التطبيقية، تبيان عناصر التجريب الروائي وآلياته، لأشهر كاتب عرفه الأدب الجزائري المعاصر، ألا وهو الطاهر وطار، القلم الروائي، المتميز بأسلوبه وأفكاره، التي تحاول في كل مرة طرح قضية من قضايا الواقع الجزائري المتغير باستمرار، وفي رواية قصيد في التذلل آخر خطاب روائي، يستعيد الكاتب الذاكرة في بانوراما متميزة تعيدنا إلى فترة ما بعد الاستقلال، وسنوات الاشتراكية، هذه العودة تهدف إلى نقد الواقع الجديد المليء بانتشار الرشوة، والظلم، والقهر، والبحث عن السلطة والمال. فقولب الكاتب كل هذه القضايا في بناء سردي محكم النسيج ينشد التميّز والتفرّد.

توطئـة

         إنّ دائرة الإبداع الأدبي لا تعرف الانغلاق أبدا، فهي في حركية دائبة ومستمرة، هذه الخاصية نابعة من رغبة الكاتب في التغيير، فلم «تعد الرواية تعدد أساليب فحسب ضمن نمط بناء واحد يتكرر بل هي التعدد الأسلوبي المقترن بتعدد الأبنية ضمن أدبية تتجـاوز ذاتها باستمرار.»(1) فبعد أن امتلك المبدع  سبل الكمال والتفوق، بمحاولته خلق أدوات تؤكد أن الرواية هي «الجنس الذي لا يعرف الاكتمال، فهي في قلق مستمر، وهي بذلك مرهونة بعدم الاستقرار ومركونة للبحث.»(2) فسار بذلك مصطلح التجريب جنبا إلى جنب مع الرواية، وتطوّراتها المتواصلة التي لا تعـرف انقطـاع « فالبحث هو الذي يغري الروائي بارتياد التجريب أفقا للكتابة الروائية بغية تحقيق المغايرة للسائد السردي، مما يكسب هذا النوع من الكتابة الخارقة للنموذج الروائي بعض العلامات الدالة علـى حداثتها. فيكون التجريب أحد آفاق الحداثة الروائية وأحد أسئلتها ورهانا من رهاناتها.»(3) ففي كل مرة تظهر أشكال روائية جديدة تحمل القارئ إلى عوالم الرواية الساحرة، وتملؤه بروح السؤال والحاجة إلى التطلع. فأعلنت الرواية كل أساليب التمرّد واقتحام المجهـول، «ومن هنا أصبحت الرواية قصة كتابة الرواية، وليس قصة حكاية الرواية. بمعنى آخر، لقد غدت الرواية هي شكلها بالأساس، وليس محتوى الشكل.»(4) وقد ساير النقد هذه الثورة، بحيث راح يبحث ولا يزال عن خصائص التجريب الروائي، وما أضافه إلى الإبداع الأدبي الروائي العربي  من تطورات سواء أكانت سلبية أو ايجابية.

 1- التجريب الروائي.

         إذا كان جيمس روس   James Reuss Iviansse إيفانز يعرف التجريب بأنه «محاولة غزو المجهول، وهو شيء لا يمكن التأكد منه إلا بعد حدوثه.»(5) فالدلالة المعجمية للمصطلح تصب في  معنيين هما:

( المعرفة، الاختبار)، حيث ورد في لسان العرب:

«جرّب الرجل تجربة، أختبره،  والتجربة من المصادر المجموعة.

قال النابغة: إلى اليوم كم جرّبن كل التجارب.

وقال الأعشي: كم جربوه فما زادت تجاربهم إلا ّالمجد والقنعا  والمجرّب الذي جرّب في الأمـور وعُرف ما عنـده.»(6) تتقاطع هذه الدلالة، وتتحد مع الدلالة الاصطلاحية التي تتنوّع وتختلف من ناقد إلى آخر، حيث تصبان في إشكال واحد هو أن التجريب عملية صادرة عن ذات مجربّة « فالتجريب أفق كتابة يصدر عن هاجس التجديد الذي لا يتحقق إلا عبر التحرر من إسار السائد، مما يجعله يمثل شكلا من أشكال تكريس حرية المبدع الروائي من خلال ثورته على الأشكال النمطية في الكتابة الروائية، فهو يتأسس على البحث عن كتابة روائية متغيرة ومتحولة  في واقع كل ما فيـه يتغير ويتحوّل ويتجدّد»(7) ،وفي مجال الإبداع الأدبي تعمل التجربة الكتابية الروائية على إطلاق إشارات دائمة إلى الكاتب للبحث عن كل ما هو جديد، ومتميز، ومن ثمة قيل «أنّ الرواية التجريبية هي رواية الحرية إذ تؤسس قوانينها الذاتية وتنظّر لسلطة الخيال وتتبنّى قانون التجاوز المستمر.»(8) وبذلك تغتني تجربة الكاتب، وتسمو بشكلها عبر ارتحالاتها الزمنيـة المختلفـة، «فالرواية لم تعد تكتب وإنما تنكتب، أي تنجز فعل كتابتها بنفسها، مسائلة أبنيتها السردية التي تحولت من الأتساق إلى التشظّي، وأنساق خطابها السردي الذي تحوّل هو الآخر من التوحّد إلى التعدّد، ولغتها السردية التي تحولت بدورها من الإبلاغ إلى الإبداع.»(9) كما يشير  التجريب الروائي إلى « تميّز هذه التجربة عن غير مـن الروايـات، ومحاولـة تجاوزهـا… فهـذه التجربـة تجـرب أدوات جديـدة، وتدخـل عناصـر جديـدة  وغيـر معتـادة.»(10)

         فقد استطاعت الروايات الجديدة الغربية والعربية بلورة تجارب أدبية وحياتية متكاملة، فولّدت إستراتيجية نصية خاصة، وملامح جمالية متميزة، « فالكتابة الأدبية تنبثق في الأصل من علامات شذوذ عن القاعدة السائدة، تتحول في اللاحق بدورها إلى قواعد وهكذا، مما يؤكد رفض فعل الكتابة الأدبية وأشكال الإبداع عموما، لعلامات الثبات التي تمثّلها مبـادئ القاعدة…» (11) لذلك كان وعي الرواية التسعينية الجديدة، وخاصة الرواية الجزائرية بسرديتها وجماليتها يعكس تلك الرغبة القوية في تفكيك العملية الإبداعية أثناء صيرورتها الكتابية، وكل ذلك يؤكد أن الرواية تستمد قوة الحضور وبلاغة الامتداد مما تتوفر عليه من حرية مطلقة تمكنها من خرق سلطة المعايير المختلفة والمتفاوتة، والتي تمثل مرجع  فعل الإبداع في العادة.

2- التجريب الروائي من المنظور الغربي.

         الرواية كجنس إبداعي جديد بالنسبة للعرب، الذين أخذوا بجماليات الرواية الغربية، ومسايرة تطوراتها فيما يخص استحداث آليات التجريب الروائي الجديد. ويعد إميل زولا Emil Zola  رائد الواقعية الطبيعية أول من بادر بنقل النظريات العلمية والاتجاهات الفلسفية إلى الإبداع الأدبي، فقد عبّر في كتابه، الرواية  التجريبية le roman expérimental عن « ثقته المطلقة في مستقبل العلم على أساس أن الفيزيولوجيا تشرح لنا ذات يوم بلا شك عمليات التفكير والشعور لدى الإنسان.»(12) لقد أضفى زولا الطابع التجريبي عـلى الرواية الواقعية، فالمبدع عليه أن يتعامل مع الإبداع بنفس الموضوعية التي يتعامل بها العالم مع المادة في المخبر. وهو ما يتنافى مع طبيعة الإبداع الأدبي التي تخرق هذه القاعـدة باعتمادهـا التحوّل والتغيرّ في الأشكال، إذ يقول رالف فريدمان Ralf Freedman  في كتابه الرواية الشعرية: «السمات التي تميز هذا النوع من السرد بأنها تنقل اهتمام القارئ من الشخصيات والأحداث إلى  البنية الشكلية للنص، وتحويل المشهد الطبيعي للقص إلى نسيج من الصور، والشخصيات إلى تجليّـات الذات…»(13) يؤكد هذا الرأي على الطبيعة الانزياحية للرواية التي تعتمد في كل مرة على بنية شكلية مغايرة تتغذى على كل ما هو جديد ومتميز، فالرواية « تعتمد على نمط من الفهم والممارسة يتسم برفض التقليد أو الركون إلى ما هو منجز، في أي حقل من الحقول المعرفية والإبداعية. كما يتسم بالمساءلة الدائمة للماضي والحاضر معا استهدافا للأفضل والأقدر على الاتساق مع العصر والاستجابة لحاجاته وضروراته.»(14) فلا يخفى على أحد أن الرواية الغربية عرفت ازدهارا وتطورا خاصة مع كتابات جيمس جويس Jeames Jouis، ومارسيل بروست Marsil.Proust، ويعد التجريب من منظورهم أداة نصية يقوم بها العمل الروائي لفتح أبواب سردية مبتكرة للخروج من نمطية مألوفة على أخرى أكثر جدية، فهو يقوم على الهدم والبناء، ويتأسس على تجاوز الأشكال التقليدية وخلخلة القديم ولولا هذه التقنية لبقيت النصوص الأدبية على حالها الذي نشأت عليه، فالرواية كما يقال كطائر الفينيق، لا تستقر على حال، شأن الرواية الجديدة التي « تمثل لحظة انفلات وانعتاق من الأشكال التي غالبا ما كانت تنتهي إلى تقييد الكتابة، في أصول ومبان تقيم حدودا وحواجز للكتابة وللخيال.»(15) وهذه الخاصية حددها جورج دورليان J.Dorlianne عندما عرف الرواية الجديدة في فرنسا بقوله: « مما لا شك فيه أن الرواية الجديدة لا تنزل علينا من علّ، ولا هي اكتشاف أتى من العدم، رغم قوة فعلها القطعي، كذلك لم يدع رواد الرواية الجديدة أنفسهم ما يقدمونه، لا أسلاف له، ولا ملهمين، فالتجريب الروائي خاصية لا تعرف الاكتمال والثبوت، فهو النص الجامع، مادته زئبقية،»(16) لأن النص السردي ببساطة « نص اللذة التي لا تشترط الحقيقة، كإطار مرجعي لاستهلاكه، أو تقبله.»(17) فالرواية التقليدية لم تعد تتحمل أعباء الحياة المعاصرة، لأن « التجريب قرين الإبداع، لأنه يتمثل في ابتكار طرائق وأساليب جديدة في أنماط التعبير الفني المختلفة. فهو جوهر الإبداع وحقيقته عندما يتجاوز المألوف، ويغامر في قلب المستقبل. مما يتطلب الشجاعة والمغامرة، واستهداف المجهول دون التحقق من النجاح.» (18) لذلك عُدّ التجريب رؤية إبداعية تلد من هاجس التغيير، وتتحقق عبر تدمير النموذج، واختيار المغامرة كما يعمل على تفكيك البنية السردية للرواية التقليدية.

         لقد أكد النقاد الغرببيون على مبادئ التجاوز والانعتاق والاختلافية فأصبح خيارا كتابيا به ومن خلاله استطاعت التجربة الروائية أن تقيم علاقة مشاكسة ما بين نموذجها المتحقق في بعض النماذج الروائية، وما بين ممكنها المتخيل في أفقها المستقبلي، ولذا كان التجريب خيارها الوحيد في كسر النموذج النصي وتحقيق رغبة النص الروائي للبحث عن نموذج مخالف.» (19) من هنا كانت انطلاقة الرواية الجديدة في أوروبا، وفي كل العالم.

2-1 الرواية الجديدة وخصوصية التجريب.

        ترجع سمات الرواية الجديدة إلى ما أدخله كوستاف فلوبير  K.Floppireفي رواية مدام بوفاري على ما كان سائدا في الكتابة الروائية، وعلى نحو ما أدخله جيمس جويس ومارسيل بروست من تغييرات، وإعادة نظر في كثير من المسلمات خاصة بعد خيبة الأمل التي جلبتها الحروب العالمية. فعاد الروائيون إلى «ابتكار نقلات فنية تخوّل لهم تحطيم القديم، وتأسيس كتابة جديدة ترصد الحركية الواقعية والتاريخية من خلال الحركية النفسية والفنية التي أصبحوا ينظرون إليها من منطلقات الشك والحرية والمطالبـة بإعـادة النظـر في كل شيء…»(20) فاكتسب التجريب الروائي بذلك سلطة خلخلة نظام النصوص ليجعلها تحت سيطرته في كل زمن، وبحسب مقتضيات الحاجة، وبدأت الرواية عهدا جديدا انبنى على سلسلة من التحولات المعرفية والانتقال المستمر، قصد التخلص من السكونية والتكرار «إنها قدرة على التخلص من تركة القديم الأدبية الماضوية، ومحاولة الدخول في اللغة التي تحتوي كل اللغات، مادام المفهوم الحداثي للنص الروائي يجعل منه أفقا مفتوحا على الواقع والتوقعات، وتجاوز الوقائع التاريخية مع الوقائع المتخيلة، والشفوي مع المكتوب، والبصري مع الموصوفـات التقنية…» (21) فأعلنت ناتالي ساروت كتابها النقدي عصر الشك l’erré du soupçon، وكتب آلان روب غريي A.R.Grillet  من أجل رواية جديدة pour un nouveau roman .أمّا ميشل بوتور .M.Bottor فكتب مقالات متنوعة في الرواية: l’essai sur le roman  فكُسرت بذلك الخطية الزمنية و الوحدة العضوية والموضوعية التي نادت بها الرواية التقليدية، لتحلّ محلها المراوغات الشكلية والمضمونية.

         فالرواية الجديدة «بحكم طابعها العقلاني وأهدافها الاجتماعية أصبحت أكثر انفتاحا على العلوم الإنسانية والطبيعية وبات على الكاتب أن يكون عالما بالتاريخ وعلم الاجتماع وعلم الوراثة، ومطّلعا على مدارس التحليل النفسي، وملمّا بالمذاهب الفلسفية والاجتماعية والسياسية وغيرها.»(22) فالرواية الجديدة ترفض تقديم رؤية جاهزة للعالم لأنها ليست مجرد إعادة لكتابة التاريخ أو الواقع، بل هذه العناصر تنكتب فيها عن طريق الأبنية أو ما يُعرف بتغيّر الأشكال التي يسعى إليها الكتّاب «لتأصيل عالمهم الفني، وتأكيد ذواتهم التخييلية،  والاستمتاع بها من خلال محاولة إحداث تأثير خاص في مسيرة الحياة الأدبية، عن طريق استحداث أشكال جديدة مجال القص، وخوض المغامرة الإبداعية إلى أقصى حدودها.»(23) فالتجريب الروائي رؤية وتغيير، يمس العمق (الذات).

3- الروائي العربي والرواية الجديدة.

         إنّ خلخلة الميثاق السردي القديم من بين أهم الأعراف التي تعتمد عليها الرواية الجديدة، التي ظهرت لتلبية الذوق الأدبي الجمالي الذي لم يعد يقبل بما تقدمه الرواية القديمة،  «وإن كانت بعض الأعمال الأدبية القديمة، لا تزال تمتع قراءها، وتستمر فنيتها إلى أيامها.»(24) فخصوصية هذا المسار التجديدي «تتكئ على وعي جمالي سائد وفي مجتمع بعينه وبيئة ثقافية وفنية لها أسئلتها الخاصة التي لا يمكن أن تكون ذات الأسئلة لبيئات ثقافية وفنية أخرى… هكذا يبتدئ التجريب من طرح الآخر لا من التماهي معه، مبتدئا بخلق ما يعينه على طرحه الجمالي الخاص والمشع بتربته وأصالته،»(25) فاختار الروائي العربي المعاصر نشدان طموح التفرّد والتميّز منبعه في ذلك الرواية التجريبية الجديدة التـي تبحث عـن الحرية، فهي «تؤسس قوانينها الذاتية المحضة، فلكل وقائع  أشكال من القص مختلفة، وكل رواية جديدة تسعى إلى أن تؤسس قوانين اشتغالها، في الوقت الذي تتيح فيه هدمها.»(26) إنّها رحلة خلخلة العناصر الفنية للرواية بحثا عن نمط جديد للإبداع، يتجاوز الإتجاه التقليدي لأن « التقنيات التقليدية للواقعية غير كافية، لأنها أكثر سطحية.»(27)

         لقد أخضع الروائي العربي نسق كتابته الروائية لنوع من التكسير الفني والجمالي، لأن الأدب قريب وشديد الالتصاق بالواقع، « فشدّة التناقضات في هذا العصر وسياسات القمع والانهزام الممارس على الشعوب جعل أدباءنا يفكرون باستعادة شخصيات تاريخية ينطقونها من خلال الواقع، فمنهم من استنجد بها ومنهم من نسف الحاضر من خلالها ومنهم من رصد إمكانية تعايشها مع الحاضر، لو قدّر لها ذلك.»(28) وبالتالي استطاع الأدباء العرب، وخاصة الجزائريون تشكيل الإبداع كما يريدون ليعبّروا عن مشاعرهم وأفكارهم، وعمّا عجزوا عن وصفه وتحديده صراحة، واستحضروا أشخاصا من التاريخ والتراث بمصادر مختلفة كرموز وإيحاءات.»(29) من هنا اكتسب التجريب الروائي الجزائري الجديد خصوصية من خلال علاقته بالواقع ونقل مظاهره، ونبش الماضي من أجل امتلاك الحاضر الهارب.

الاستنجاد به.

عكس الواقع على لسانه.

 العودة إلى التاريخ

نسف الحاضر من خلاله.

         فواجهت الروائي العربي عاصفة من المصطلحات، جاءت مواكبة لنزعة التجريب الروائي الجديد، كمصطلح التفاعل النصي الذي جعل النص الروائي متاهة تجذب القارئ، ولغزا يُورّطه في سياق البحث عن شفرات تلك المتاهة، «داخل مجموعة من العوالم العنيفة التي تتأسس في سياق أوسع هو الموروث العربي الإسلامي.»(30) وفي ظل هذه الارتحالات الجوهرية تبرز خصوصية المزج بين الخيال والواقع، فتتّحد دوائر السرد مع التخييل، «ويتنوّع العجائبي مع أشكال عدّة ، فهو يرتبط بالماضي والغيبي وبما هو فوق طبيعي، وبالكرامات والمعجزات، ويعمل على تبئير الإنسان والمكان والزمان، ويتّخذ من الأحلام والرؤى سبيلا للبناء، ويعتمد على خلق المفارقة والسخرية من المألوف الواقعي عبر المكاشفة والخارق والمسخ والتحـوّل والتضخّـم.»(31) ونتيجة لذلك أصبحت الرواية ركحا واسعا لكـل ممارسـات التفاعل النصي، فموضوع التناص غير مقتصر على تلك الأبعاد التي تتيح للقارئ التمرّس بقراءة نوع معيّن من النصوص، والتعرّف على رؤى وأفكار نص لم يسبق له الاطّلاع عليه. ولكنه يتجاوزها ليطرح العديد من القضايا حول علاقة النصوص بعضها ببعض من جهة، ومن جهة أخرى، يطرح علاقتها بالعالم وبالمؤلف الذي يكتبها.

         إنّ الحقيقة التي لا يجب تجاهلها هي أن النصوص الروائية الجديدة قد حملت في طيّاتها تفاعلات نصية غير مسبوقة في تاريخ الرواية عامة، وهو ما أشار إليه ميخائيل باختين في كتابه “الملحمة والرواية” في قولـه: “لا ترتاح الرواية إلى الأجناس الأخرى، وتقاتل من أجل تفوقها في الأدب، حيث تربح وتفكك الأجناس الأخرى»(32)، ويضيف قائـلا: «تتغذّى الرواية بالتاريخ الكوني الحديث.»(33) وفي معرض حديثه عن التفاعلات النصية ،يقرّ باختين أنّ «كل كلمة تتكشف، كما نعلم كحلبة مصغّرة تتقاطع فيها وتتصارع لهجات اجتماعية ذات توجّه  متناقض، تستبين الكلمة، في فم الفرد، نتاجا للتفاعل الحـي للقـوى الاجتماعية.»(34) فالكتابة حوار مع الذات وتواصل مع الآخر.

         وممّا لا شك فيه أن مصطلح الرواية القصيرة من أبرز المصطلحات التي واجهها الكاتب العربي المعاصر، فهي من المصطلحات التي تحدد خصوصية التجربة الروائية، وخاصة الجزائرية، فالشعر « قدّم، أكثر من مرة نقده الذاتي الخاص به، منتقلا من شكل إلى آخر وموزعا ذاته على أكثر من مدرسة شعرية،»(35)  فبرزت اللغة الشعرية في الرواية كلحظة انفلات من الجنس الأصلي (الشعر) إلى جنس آخر أكثر حرية وانعتاق من القيود وهي جنس الرواية « فالشعر أتاح للذات، وللصوت المنفرد، والفردي بالإعلان عن نفسها، كما يتداخل الشعري في النثر، وأصبحنا نرى نصوصا شعرية تقتحم مجالات كانت محصورة في النثر، حيث طغى الصوت الشعري بعد أن تخلص الشعر ذاته من القيود التقليدية، وأصبح الشعر نفسا دافقا يتسرّب إلى الأفعال الكلامية، ويتخذ لنفسه صورا بلاغية عدّة  كالحكي المتدفّق والمتسارع الإيقاع، وتبنى الذات الكاتبة الأفعال الكلامية، واختلالها مكان الذات الكاتبة الأفعال الكلامية واحتلالها مكان الشخصية والتحدث عن نفسها في صيغة المناجاة أو التفرّغ أو التوجّع أو التفجّع أو البوح والاعتراف.»(36) تنمو هذه الخاصية وتتكاثر بشكل ملفت للانتباه في روايات السيـرة الذاتيـة التـي «تتّخذ من الحياة الشخصية مادة لها. ويفترض في هذه المادة أنها منتمية  إلى الحدث الملموس، والذي يقبل التسجيل والتأريخ، مما يجعل من المماثلة بينها وبين حياة الكاتب لا المؤلف.»(37)

         لفت هذا الموضوع اهتمام العديد من النقاد والكتّاب العرب المعاصرين، فأدونيس يشيـر إلـى أنّ « اللغة الشعرية تكشف عن الإمكان أو عن الاحتمال، أي عن المستقبل، وبأن المستقبل لا حدّ له، وبأنّ اللغة الشعرية تبعا لذلك تحويل دائم للعالم، وتغيير دائم للواقع والإنسان.»(39)

         إنّ محاولة التوغّل في عوالم الرواية الجديدة مغامرة تستحق الوقوف عند كل ميزة من مميّزاتها التي تكثر وتتنوّع، فمشاربها مختلفة والشعر واحد منها، فهو موطن الذات وخلجانها كونه «سعى لاحتضان خطاب قصصي ثري بالمعاني والاستعارات والدلالات، يعتمد فيه القاص على الخيال ويستلهم من التاريخ الصور والعبر، ويتجاوز فيه اللغة الواقعية إلى لغة أكثر اقترابا من مشاعر الإنسان.»(38)  يشير هذا الرأي إلى أن الرواية كفنّ لا يعرف الاكتفاء فهو دائم الرغبة لذلك احتضنت الرواية  المقولات الفنية المميّزة للشعر كقالب فنّي عبّر عن الذات ولا يزال كذلك، وهذا «التعبير الذاتي لا يمكن أن يصل إلى مستوى مؤثر إلا باستخدام القاص للغة الشعرية، لقدرتها على اختراق أعماق النفس والتعبير بالتصريح والإيحاء، والرمز عن أسرار هذا الإنسان الذي أصبح مشغولا بالهموم مع الشعور بالانسحاق والتلاشي. ومع تعقد أسباب الحياة في العصر الراهن وما يعانيه الإنسان بشكل عام، والإنسان العربي بشكل خاص، من  الإحباط والهزائم المتكررة، ووقوع الظلم  والطغيان.»(40) شكّل المزج بين الشعري والسردي لحظة تأسيس قوية للرواية العربية الجديدة عامة، والجزائرية على وجه الخصوص، «فلم تعد اللغة أداة إبلاغ، وإنما صارت فضاء إبداع، وأفق كتابة قادرة على تشكيل نص روائي متميّز، تشتغل صيرورته داخل اللغة.»(41)

4 ـ آليات التجريب الروائي وسؤال الحداثة في رواية قصيد في التذلل للطاهر وطّار

       استقطبت كتابات الطاهر وطّار الروائية اهتمام العديد من النقاد والمفكرين، كونه ظاهرة أدبية تبحث عن التميّز والتفرد، فهو الكلاسيكي المجدّد. ووعيه الإبداعي ما زال يناضل ويبحث عن المغاير، كونه يعي جيّدا أن الإبداع بحث يخلق، بحيث يفرز أسئلته الخاصة بنفسه، فالطاهر وطّار بحث عن سُبل تجاوز خَصائص البنية التقليدية للرواية، أين تصبح الكتابة في حد ذاتها هي الغاية والوسيلة، ويصبح القارئ في نظره معادلة أساسية فيها، باعتباره وجها لها عبر القراءة بتأملاتها وتأويلاتها وإنتاجيتها.

يًعدّ الطاهر وطّار كبير ورائد الروائيين الجزائريين. حاول عبر حياته الأدبية المخضرمة معانقة التجريب الروائي، أي معانقة التمرُّد والخروج من خانة الكلاسيكية والبحث خارج ثوابت الجنس و أوهام التاريخ، عن كتابة مفتوحة، وهي «لحظة اكتشاف الروائي للرواية بوصفها نواة الأدبية، إنها لحظة المرور من إستراتيجية الأنا إلى إستراتيجية النص المعبّر، حيث يتحوّل نسيج الكتابة الروائية إلى جسد تعبر فوقه نصوص أخرى قديمة وجديدة، خاصة وعامة، نثرية وشعرية، روائية وعبر أجناسية…»(42) وهو ما يثبته الروائي الطاهر وطّار متحدثا عن تجربته الأدبية والروائية: « وقد خرجت من تجربتي في الكتابة بخلاصة، وهي أن الالتزام بشكل معيّن حتى بدعوى رفض الأشكال القديمة هو الوقوع في محافظة جديدة. الكتابة بداية جديدة، ميلاد، كلّ ما له عالمه وتفاعله وعناصره، المسألة ليست ميكانيكية.» (43) 

       بزغت رواية قصيد في التذلل في أواخر حياة الكاتب الكبير الطاهر وطّار – رحمه الله – فقد عمد فيها إلى العودة إلى الذكريات، وكأنه أحسّ بقرب أجله. فراح يقدّم للقارئ بانوراما متنوّعة عن وضعية المثقف الجزائري المعاصرة. فوردت الرواية مقسمة إلى قسمين هما: الرهن والبيع. وكلّ قسم مكوّن من حلقات، يبدأ القسم الأول (الرهن) من الحلقة الأولى إلى الحلقة الثانية عشر، والقسم الثاني (البيع) يبدأ من الحلقة الثالثة عشر إلى الحلقة الثانية والعشرين. وفي هذه الحلقات يستثمر الكاتب العديد من آليات التجريب الروائي الجديد.

4-1- استحضار التراث العربي القديم:

         تعيش الأجناس الأدبية في الآونة الأخيرة حالة انفتاح وتقارب كبيرين، فتتفاعل وتتمازج مع بعضها البعض، فكفّ الجنس الأدبي الروائي خاصة عن رسم حدوده لينشغل بربط علاقات تبادل ومصاهرة مع أجناس أخرى تقارب معه في الرؤية والشكل، سواء أكانت أدبية (قصص، أشعار، قصائد، مقاطع كوميدية) أو غير أدبية (كالتحليل النفسي، نصوص دينية، وأسطورية، ونصوص علمية…) ولأن الطاهر وطار كاتب متمرّس يعي أهمية حضور هذه الأنواع في كتاباته الروائية، فقد عمل على حشد كم ّ معتبر من أشكال الأساطير والخرافات من ثقافة التراث الجزائري والعالمي، ولوّنها بطابعه الخاص، بجملة من التغييرات والتحريفات، ليجعل تلك الأشكال تضطلع بوظائف جمالية تارة، ووظائف رمزية تارة أخرى ولم يقف الكاتب عند هذا الحدّ بل جعل النصوص تدخل مع بعضها البعض. بإضافة لغة الخطاب السياسي لتلك الأشكال لإحداث جدل متواصل مع النصوص التراثية، “إذ بقدر ما نسترجع النص التراثي وتفاعل معه فإنها تعمد على مفارقته من خلال إعادة بنائه، وبقدر ما تحاكيه فإنها تسعى إلى تحويله ومعارضته. وهو ما يمثل سبيلها إلى إنتاج نص جديد دلاليا باعتبار أن تقاطع هذه النصوص الروائية مع النص  التراثي، لا يحول ، دون تجاوزها له واكتسابها دلالات جديدة تقترن بالمعاصرة، غير أنّها تبقى تمثل جدل التفاعل معه ومع الواقع الذاتي لكتّابها وعصرهم الراهن. إنه المسار الذي قرر الطاهر وطار اتخاذه منذ بداياته الأولى، حيث تمثل التراث من منطلق التجاوز، عبر التحويل لا المحاكاة.

                  وظّف الطاهر وطار الشعر في روايته قصيد في التذلل برؤية يسودها الشك والمراجعة لمسائل الشعر وقضاياه، فهو يرغب في إعادة قراءته من جديد بطريقته الخاصة، لذلك رسم للبطل صورة تعكس آرائه وتصوّراته حول الجزائري المعاصر والمشاكل التي يتخبط فيها. وصراع الذات بين غريزة السلطة وسلطة الضمير.

       فكل ما قيل في الشعر كان لغرض معيّن لذلك ركّز الطاهر وطار على ما قيل في التراث الشعبي العربي قديمه وحديثه، فأعاد عبر بطله الرجل المثقف الباحث عـن السلطــة قراءة أبيات امرئ القيس:

    أفاطــم مهــلاً بعض هذا التذلّـل          أغــرّك منّــي أنّ حبّـك قاتلــي

 

        علّق البطل ساخرا ً :« هذا كلام صبية يمرحون في بهو المنزل. أيعقل أن يكون حب فاطمة ما في الدنيا، قائلاً؟ ثم إنّ هذا الولهان الكاذب لم يمت ولا مرة. في الحقيقة لم يمت إلاّ عندما استمات في طلب المُلك »(44)، فربط الطاهر وطار قول الشعر بالتذلل للوصول إلى الملك.

       ولعلّ العودة إلى التراث ضرورة اقتضتها رهانات الحياة المعاصرة، والمآسي المتتالية التي تعرضت إليها الجزائر وباقي الدول العربية. فلجأ العديد من الروائيين إلى التراث العربي بشعره ونثره يستقون منه المواد الخام لمخيلتهم الإبداعية. فكانت الذاكرة التراثية والتاريخ حلهم الوحيد، ومصدر المساءلة. وانطلاقا من هذا الطرح، وردت رواية قصيد في التذلل مليئة بكم هائل من الأمثلة الشعرية، حيث مزج الطاهر وطّار بين عدّة تيمات مرتبطة ببعضها البعض كتيمة الحب وتيمة الملك وتيمة الشعر. فالخطاب النقدي يبدو واضحا صريحا في الرواية من خلال تواتر هذه التيمات. فالكاتب يرى أنّ الشعر مثل السلطة أهم صفاته الكذب والاحتيال « فيصير قول الشعر كجمع المال، الشطارة والحيلة والاستعانة. يطول السفر وينقطع الظفر..،»(45) لقد استحضر الطاهر وطّار جملة من أسماء الشعراء العرب المشهورين قديما وحديثا كامرئ القيس، وأبي القاسم الشابي، وصلاح عبد الصبور، الأخطل الصغير، ابن زيدون، سميح القاسم، نزار قبّاني والمتنبّي الذي وقف عند شعره مطوّلا، خاصة في الحلقة العاشرة، أين رسم الطاهر وطّار صورة تشع عبقرية، وتمزج الخيال بالذاكـرة «ففجأة أظلمت الدنيا من جديد، كما لو كان هناك فانوس ينبعث منه نور قوي، سقط لينطفئ فيسود الظلام الحالك.

الحركة مع ذلك لم تتوقف.

صهيل حصان ينبعث قريبا، صليل حديد، يملأ الساحة.

الغناء تبدّل لحنا وإيقاعا ولفظا..

الخيل.

يهتف أحدهم، فتُردّد معه مجموعة، الله وحده أعلم بعدد أفرادها..

الخيل.

 الليل.

الليل، ترُدّد الأصوات.

البيداء تعرفني.

الرمح والسيف.

والقرطاس والقلم.

تردد الهتافات.»(46)

    ليستنتج في الأخير مدى إعجابه بهذا الشاعر الذي بذل جهدا كبيرا للربط بين الشعر والسلطة ،« فلو أنّ الإمارة تمنح للشعراء، أيها الشعراء، لكان أبو الطيب المتنبي، أوّل أمير، فقد سعى إليها بكل جهد وإخلاص، نظّم ألف وألف قصيد في التذلل، فلم يصدقه أحد. من يصدق الشاعر، وأعذب الشعر أكذبه.»(47) إن هذا المزج المتقن بين حديث الشاعر والرّاوي يجعل من البنيات النوعية القديمة لشعر المتنبي وغيره، تحضر لتشكل تفاعلات نصية، يتم من خلالها تقديم نص سردي جديد، وإنتاج دلالة جديدة لها صلة بالزمن الجديد الذي ظهرت فيه الرواية، حيث «النص اللاّحق يكتب النص السابق بطريقة جديدة.»(48) ذلك أن النص الروائي لم يعد عالما مغلقا على ذاته، إنما له امتدادات عميقة داخل سياقاته الخارجية بمختلف أنواعها، فكتابة الطاهر وطّار كتابة « إبدالات مستمرة، في بناء الأحداث والشخصيات والفضاء، فالتداخل بين الشعري واليومي  والتاريخي والخيالي والانفتاح على التراث العربي والإنساني وتأمل الرواية ذاتها والتصريح بذلك في الخطاب وبحثها عن أشكل جديدة. وهدم الحدود بين اللغات  واللهجات والأنواع وشعرية الخطاب La poétisation du Discours، وتخييل التاريخ وكتابة المأساة الجماعية إنما هي كلّها أمارات التجريب وتحديث للخطاب السردي.(49)

4-2- توظيف الأمثال الشعبية.

       كتب إدوار الخرّاط كتابا نقديا يعلن فيه مصطلح الحساسية الجديدة، التي تضم تحت لوائها خمس تيارات أساسية يعد تيّار استحياء التراث العربي التقليدي التاريخي أو الشعبي من أبرزها حيث « يضفّر الكاتب عمله بشرايين الفلكلور، أو يبعث الحكاية الشعبية، ويمتح على الحالتين، من رصيد غني في الذاكرة الجماعية للناس…»(50) فالتراث مادة خام وخصبة للطاهر وطّار بوصفه مرادفا لكل ما احتضنته الذاكرة الجزائرية، «فأضحى حضوره ملحاً نظراً لمقتضيات العصر التي تقتضي قراءة الواقع (أي الحاضر) .. لأن له حضورا في تاريخنا الحاضر، وحضور في تاريخنا الخاص.. وبالتالي تغدو قراءته في ظل ظروفنا المعاصرة هي الخالقة للمركب الجدلي بين الهنا والهناك.»(51) وفي عملية حوارية يمكن ملاحظة وإحصاء حضور العديد من الأمثال الشعبية في رواية قصيد في التذلل التي تنتشر في مواقع بعينها، يمكن تلخيصها في الجدول التالي:

المثـل الشعبـي الحلقـة
اللّي ترهنو بيعو واللّي تخدمو طيعو 02
أخدم يا الناعس على الناس، كلها يا الراقد بالنوم 03
يخلف ربي على الشجرة وما يخلفش على قصّاصها 05
لو تدوم لي لن تصل إلى غيري 07
الرّاس اللّي ما تقصّوش بوسو خير لك 10
سال مجرّب لا تسال طبيب 13
اللّي سهر يكمّل سهرتو 13
الأفضل أن يبقى البير بغطاه 21
ما يخصّ القرد غير الورد 21

       يأتي توظيف الكاتب للأمثال الشعبية استجابة للمجتمع الروائي الذي يولي الأمثال الشعبية عناية خاصة، ويتناسب توظيفها مع ثقافة المجتمع الجزائري الذي تصله الفكرة مباشرة عند حضورها، والتي تصب في واد نقد الأوضاع الاجتماعية  والسياسية كتفشي الرشوة، والتواكل، وقضية مجانين السلطة. فهي رؤية تعكس هموم وآلام الجزائري المعاصر. وبتضافر السرد مع اللغة العامية التي كتبت بها هذه الأمثال يتحقق التهجين، الذي يساهم في خلق جمالية النصوص الروائية الوطّارية التي تخرف من الأمثال والأغاني الشعبية التي حضرت هي الأخرى بقوة في رواية قصيد في التذلل ممثلة في أغنية للشيخ بورقعة، وهو مغني شعبي معروف في منطقة الشرق الجزائري. «الشفة بلا سواك تحمار والعين بلا كحل سودة .. الرقبة كاس بلاّر والقامة نخلة مقدودة.»(52) وأغاني أخرى وردت لتدعم مواقفه النقدية التي ترد مرّة على لسان الرّاوي وأخرى على لسان البطل.

4-3- الثورة الجزائرية و تقنية استحضار الذاكرة البطولية.

               مثّلت الثورة الجزائرية منبعا هاما يستقي منه الكتّاب ويغرفون منها المادة الأساسية لبناء متخيلتهم السردية. فيعمد الكاتب إلى استرجاع ذكرياتها القوية الحضور. وقد اعتمد عليها الطاهر وطّار كل الاعتماد، فشكّل منها روائع خالدة كاللاّز، الزلزال ورواية الشهداء يعودون هذا الأسبوع. «وإذا كانت لفظة الإبداع تفيد لغةً معنى إخراج الشيء إلى حيّز الوجود أي إحداث الشيء، فإن مجرّد نقل الثورة من الواقع ومن الأفواه، بعد الاستقلال إلى الورق هو ما يجعل الثورة متخيلا على الرغم من أن هذا التعاطي مع موضوع الثورة بدا للبعض، وكأنه نوع من التأريخ.»(53) أعاد الطاهر وطّار قراءتها من جديد في آخر خطاب روائـي لـه، «سلفك، حاول أن ينقل، أن يستدرجني فأملي عليه مذكراتي، تسجيلا لتاريخ ثورة المليون ونصف المليون شهيد، العظيمة، حتى لا يضيع برحيلنا، هذا التاريخ الجليل. فمهما كان، نحن بشر، والأعمار بيد الله، وكما يقول السيد الرئيس لو تدوم لي لن تصل إلى غيري .. أبداً، أبداً.»(54) وفي معرض الحديث عن الثورة يأتي الحديث عن مرحلة بعد الاستقلال، ودخول الجزائر عهدا جديداً يتمثل في تبني النظام الاشتراكي، وهو ما حملته الحلقة الرابعة من الرواية. فبتوظيف تقنية الاسترجاع يعود بنا الطاهر وطّار في لقاء حميمي إلى مرحلة شباب البطل الذي يحاول في الحاضر الانسلاخ عن مبادئه الثورية والنضالية لسبب وحيد وأوحد، وهو الرغبة في السلطة. فتتراءى ذكريات الماضي المجيد وهي تُروى على لسان الزوجة الوفيّة: « طالبة متفوقة في معهد العلوم الفلاحية، أتطوّع بمناسبة وبدونها، لكل خدمة عامة، خاصة الثورة الزراعية، وفي إحدى الخرجات التقيت به.. في مثل سني، نشيط حيوي، كامل الأوصاف كما قالت إحداهنّ عنه. ما يفتأ يتمتم بأشعار نجم ومارسيل خليفة. تعرفت عليه، الرفيق، الوافي، الذي انضم لخليتنا، قبل أسبوعين، تعرّف علـي هـو بـدوره.»(55) وبين الماضي والحاضر تقع المقارنة لشخصية هذا البطل الباحث عن السلطة والمركز.. والذي يحاول الانسلاخ عن موقفه النضالي والبطولي إبّان السبعينات. وبممارسة تقنيات الاسترجاع، ونقل المشاهد عن طريق الحوار، يتبين للقارئ شيئاً فشيئاً صورة هذا البطل في علاقته بالشخصيات الأخرى: مدير الثقافة، وهو صاحب المقام الأول في الحضور السردي مقارنة بالشخصيات الأخرى مثل:زين الدين، حمدان، بحراوية ،فجرية، السيد الكبير،مريم..يعيد الطاهر وطار تقنيات الوصف الدقيق للشخصيات مثل ماورد:” وحمدان في السابعةل والاربعين من عمره، مواليد بلدية الحراش بالجزائر العاصمة،من أبوين جزائريين متزوج وله بنت واحدةنأنجبها بعد سفرة إلى سوسيرا ، وبعملية قيصرية، مهندس في الإعلام الألي، يقرظ الشعر. ألقي عليه القبض يوم 23جوان1965 متظاهرا في باب الوادي، وأطلق سراحه بعد أسبوعين، انخرط في منظمة المقاومة الشعبية، وهو في الثانوية، ولم يظهر له نشاط، حتي بداية السبعينات،حيث كان هو وزوجته من أنشطة النتطوعين لما كان يسمى الثورة الزراعية. له رخصةسياقة، لم يجدد جواز السفر.” يعمل هذا الوصف الدقيق على نقل السرد من المتخيّل إلى الواقعي من خلال التدقيق وتوظيف السارد العالم بكل شئ.

                 إذن، فهو القلم المتميّز الطاهر وطّار، عرفناه كاتبا متفرّداً بأسلوبه، متواضعاً في معاملاته، ليّناً في أرائه النقدية، خاض –رحمه الله- عوالم الكتابة الروائية في وقت كانت فيه الساحة الأدبية الجزائرية بحاجة لإبداعاته. فكان كاتبا مخضرماً، عايش فترات حياتية مهمّة أثّرت في كتاباته  دفعته إلى المغامرة في التجريب الروائي. فمن ملامسته لواقع الجزائر إبّان النظام الاشتراكي سنوات السبعينات إلى الدخول في خضم الأزمة الجزائرية سنوات العشرية السوداء. ومن اللاز والزلزال ورمانة، إلى الشهداء يعودون هذا الأسبوع، وروايته الأخيرة قصيد في التذلل، فلم يبخل الطاهر وطّار بإبداعاته الروائية حتى وهو على فراش الموت، فقصيد في التذلل بالرّغم من بساطة أسلوبها، فهي جهد واضح مبذول من قبل كاتبنا مارس من خلالها بعض آليات التجريب الروائي بأسلوب السهل الممتنع. وكأنه أراد أن يثبت مفهوم الحداثة والتجريب في عالم الرواية لا يعترف بتقدم العمر، بل بالعكس فالتجربة تزيد الكاتب إلهاماً وموهبةً، فعمي الطاهر أراد أن يقول: أنا موجود، ومازلت أمارس التجريب الروائي.

 

الهوامــش:

1- مصطفى الكيلاني، التجريب في نماذج من الأدب الروائي التونسي، مجلة الحياة الثقافية، تونس، العدد 64، 1992، ص 72.

2- بيار شارتيه، مدخل إلى نظريات الرواية، ت.عبد الرحمان الشرقاوي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2001، ص191.

3- بوشوشة بن جمعة، التجريب وارتحالات السرد الروائي المغاربي، المطبعة المغاربية للطباعة والنشر والإشهار، تونس، ط1، 2003، ص 07.

4- صدوق نور الدين، الكتابة الروائية العربية، المغامرة وآفاق التجريب، مجلة الحياة الثقافية، تونس، العدد 166، جوان 2005، ص 57.

5- هيثم حاج علي، تقنيات التجريب السردي (التخطيط الهندسي لدى الشاروني)، مجلة الرافد، الشارقة، العدد 132، أغسطس 2008،               ص 112.

6- ابن منظور، لسان العرب، مادة (جرّب)، مجلد 1، دار صادر للطباعة والنشر، و دار بيروت للطباعة والنشر، 1995، ص 121، 122.

7- بوشوشة بن جمعة، التجريب وارتحالات السرد الروائي، ص 10.

8- عبد الدايم السالمي، الرواية العربية وتجريب اللامعقول، مجلد الرافد، الشارقة، العدد 45، ديسمبر 2009، ص 64.

9-  بوشوشة بن جمعة، التجريب وارتحالات السرد الروائي المغاربي،  ص 47.

10- سعيد يقطين، القراءة والتجربة، حول التجريب في الخطاب الروائي الجديد بالمغرب دار الثقافة، الدار البيضاء المغرب، ط1، 1985، ص 08.

11- بوشوشة بن جمعة، التجريب وارتحالات السرد الروائي المغاربي، ص 59.

12- حبيب مونسي، القراءة والحداثة (مقارنة الكائن والممكن في القراءة العربية)، إتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2000، ص64.

13- صبري حافظ، الرواية العربية، استشراف المستقبل والمتغيرات الجمالية، المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث، مهرجان الدوحة الثقافي الخامس، 2006، ص 86.

14- جهاد عطا نعيسة، في مشكلات السرد الروائي، قراءة خلافية في عدد من النصوص والتجارب الروائية العربية، منشورات إتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2001، ص 78.

15- جورج دورليان، الرواية الجديدة في فرنسا، مغامرة الشكل والمضمون، مجلة العربي، وزارة الإعلام، الكويت، العدد 544، 2004، ص 88.

16- المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

17- صلاح فضل، لذة التجريب الروائي، دار أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي، القاهرة، ط1، 2005، ص 03.

18- حسين خمري، فضاء المتخيل (مقاربة في الرواية)، منشورات الاختلاف، ط1، 2002، ص 26.

19- أسامة الملا، التجريب إستراتيجية نصية، صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر الثقافية على شبكة الانترنت، العدد 10150، الخميس11 ربيع الثاني 1421/2000.

20- محمد خرماش، ثقافة التجريب في الرواية الجديدة (نماذج مغربية)، مجلة الحياة الثقافية، تونس، العدد 140، ديسمبر2002، ص 43.

21- بوشوشة بن جمعة، التجريب وارتحالات السرد الروائي المغاربي، ص 72.

22- نزيه أبو نضال، رواية الحداثة، مجلة أفكار، العدد 112، عمان، 1993، ص 11.

23- شوقي بدر يوسف، النزوع إلى التجريب، مجلة عمان، عدد 108، عمان، 2004، ص 04.

24- شكري عزيز الماضي، محاضرات في نظرية الأدب، دار الشعب للطباعة والنشر، قسنطينة/الجزائر، ط1، 1984، ص 71.

25- علي محمد المومني، الحداثة والتجريب في القصة القصيرة الأردنية، دار اليازوري العلمية للنشر، عمان (الأردن)، 2009، ص 28.

26- محمد الباردي، إنشائية الخطاب في الرواية العربية الحديثة (دراسة)، إتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2000، ص 242.

27- واسيني الأعرج، اتجاهات الرواية العربية في الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1986، ص 105.

28- علي محمد المومني، الحداثة والتجريب في القصة القصيرة الأردنية، ص88.

29- المرجع نفسه، بتصرف.

     30- محسن جاسم الموساوي، هل من خصوصية للرواية العربية، مجلة فصول، ع1، 1993، ص 23.

31- محمد سالم محمد الأمين طلبة، مستويات اللغة في السرد العربي المعاصر، دراسة نظرية تطبيقية، في سيمانطيقا السرد، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، لبنان، ط1، 2008، ص15.

32- فيصل دراج، نظرية الرواية و الرواية العربية، المركز الثقافي العربي، بيروت،  1999، ص 72.

33- المرجع نفسه، ص73.

34- المرجع نفسه، ص 67.

35- المرجع نفسه، ص 86.

36- علي محمد المومني، الحداثة والتجريب في القصة القصيرة الأردنية،  ص 204، 205.

37- عبد الرحيم جيران، في النظرية السردية، رواية الحي اللاتيني، مقارنة جديدة، إفريقيا الشرق، المغرب، الدار البيضاء، 2006، ص 19.

38- أدونيس، صدمة الحداثة، دار العودة، بيروت، 1978، ص 294.

39- علي محمد المومني، الحداثة والتجريب في القصة القصيرة الأردنية،  ص 211.

40- المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

41- بوشوشة بن جمعة، التجريب وارتحالات السرد الروائي المغاربي، ص 70.

42- محمد أمنصور، خرائط التجريب الروائي، مطبعة أنفوبرانت، فاس، ط1، 1999، ص 33.

43- بوشوشة بن جمعة، التجريب وارتحالات السرد الروائي المغاربي، ص 113.

44- الطاهر وطار، قصيد في التذلل، جريد الشروق اليومية، 2009، الحلقة الأولى.

45- مصدر نفسه، الحلقة الأولى.

46- المصدر نفسه،  الحلقة الأولى.

47- المصدر نفسه، الحلقة الأولى.

48- سعيد يقطين، الرواية و التراث السردي،  ص 08.

49- عمر حفيظ، كتاب الأمير لواسيني الأعرج، أسئلة الكتابة وأقنعة التاريخ، مجلة عمّان، الأردن، العدد 140.

50- إدوارد الخرّاط الحساسية الجديدة، مقالات في الظاهرة القصصية، دار الآداب، بيروت، 1993، ص 15.

51- جابر عصفور، قراءة التراث النقدي، مؤسسة عين القاهرة، ط1،  ص 09، 10.

52- الطاهر وطّار، قصيد في التذلل، حلقة 07.

53- آمنة بلعلي، المتخيّل في الرواية الجزائرية، من المتماثل إلى المختلف، دار الأمل للطباعة والنشر والتوزيع، المدينة الجديدة، تيزي وزو، 2006، ص 54.

54- الطاهر وطّار، قصيد في التذلل، الحلقة 06.

55- المصدر نفسه ، الحلقة 04.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى