أزمة أخلاق

د. عبد الناصر سكرية

لم نكن بحاجة لاجتياح وباء الكورونا لندرك أن العالم المعاصر يعاني من أزمة حضارة وأخلاق.. النظام العالمي الراهن يتخبط في أزماته المتلاحقة في كل المجالات والبشرية تدفع الثمن الباهظ. عدوان الإنسان على الإنسان لا يتوقف. وعدوان الإنسان على الطبيعة أيضا لا يتوقف.. أزمات من كل نوع. إحباط ويأس واكتئاب. تدهور أخلاقي مرعب.. جوع وفقر وأمراض وأوبئة.. ظلم وقهر وعهر وقتل وتدمير..فوارق اجتماعية مخيفة بل مرعبة..سخافات تسيطر وتفاهة تسود.أفاقون يتصدرون وقيم الإنسان الجميلة قلبت على رأسها وأفرغت من كل مضمون جميل..ثروات تتكدس بأيدي حفنة من البشر لا تعرف الى الله طريقا..ملايين لا تجد ما تأكل او ماء تشربه فتموت جوعا وجفافا ومرضا..تخمة وشراهة وبلادة في مقابل بطالة متفاقمة وندرة وحرمان..حروب وقتل ودمار وتهجير ونزوح وتشريد واعتقال وقتل بالتعذيب فيما العلم يغزو الفضاء ويبلغ المريخ…بلغت البشرية مع هذا النظام الرأسمالي الفاجر المجرم حدا من الانحطاط لم تعرفه قبلا..بلغته وتجاوزت ذراه منذ زمن ولا يزال البديل غير جاهز…

طالما بقي النهج الرأسمالي الاستهلاكي النفعي هو السائد؛ سيبقى التدهور مستمرا.

إذا لم يستطع تحالف الإنسان الحر أن يخلق بديلا حضاريا إنسانيا يزيح النظام المجرم القائم ويسقط عبادة المال سيتسارع الانهيار الحضاري أكثر. وإذا لم تصبح سعادة الإنسان هي المعيار والغاية والهدف؛ ستكبر الفجوات الأخلاقية في عمر الإنسانية.

مطلوب نموذج حضاري أخلاقي إنساني يضع حدا لاستعباد الإنسان وجعله أداة للربح؛ ويكون هدفه عمارة الأرض لا تخريبها؛ وبناء الإنسان لا تشويهه؛ عندها ستصحح البشرية مسار حياتها الراهن الذي يقودها نحو الهلاك والخراب والانحطاط.. الحضارة بناء إنساني عمراني شامل، في أساسياته قيم المحبة والعدالة والتراحم والتوادد والتضامن؛ وكل قيم الجمال الإنساني البديعة.. قيم الارتقاء بالإنسان ارتقاء شاملا متكافئا متوازنا.

قيم التعامل مع البيئة والطبيعة كأحد عناصر التكامل الحضاري المطلوب. الطبيعة صديقة الإنسان وليست عدوه.. على الإنسان الحر خلق هذا البديل الحضاري الذي يصحح غاية العمران والبنيان ليجعل الإنسان في رأس الهرم وفي قاعدته معا.. الإنسان هو المبتدأ وهو الغاية. وليس المال والربح وبأية وسيلة.. كل التقدم العلمي والتقني ما لم يكن محكوما بهذا المنهج الإنساني الأخلاقي فلن يكون حاميا للإنسان بل سلاحا مسلطا على رقبته يستخدمه الأقوياء والقادرون كيفما دانت لهم مصالحهم.. إن السؤال الحضاري الأساسي الذي أسقطته كل الفلسفات الغربية الحديثة من حسابها وتفكيرها كان: ما هو الهدف من كل البناء الذي يتم؟ ماذا ينفع الإنسانية منه وما يضرها.؟ ما الغاية من التقدم المادي ولماذا؟

وما لم تكن الإجابة في مصلحة الإنسان الشامل المتكامل الأبعاد؛ فلن تتقدم البشرية في خطى ثابتة مطردة متوازنة.. إن الله قد جعل الإنسان مستخلفا في الأرض ولم ينصبه ربا فيها يتجبر ويستعبد؛ يقتل القوي الضعيف …الحيوانات تفترس لتأكل فتشبع فتكتفي..

أما الإنسان المعاصر القوي فيقتل ولا يشبع ولا يكتفي، فليس لجشعه وتجبره وظلمه لأخيه الإنسان حدود…ربه ومعبوده المال دونما حدود من حاجة او كفاية او عدل.. “لا تعبدوا ربين الله والمال..” رسمها للناس نبي الله ورسوله إليهم المسيح عيسى ابن مريم عليه وعلى أمه العذراء البتول الطاهرة المطهرة، سيدة نساء العالمين، أفضل الصلاة والسلام.. بمثل هذا المنهج الإنساني الجدلي التفاعلي المتكامل أخلاقيا وحضاريا، يمكن للإنسانية أن تطمئن إلى وجودها ومستقبلها.. متى وأين وكيف ومن يتصدر لهذه المهمة التاريخية الإنسانية الجبارة والعسيرة جدا؟ ليس في الأفق البين المنظور قوة عالمية تحمل نموذجا بديلا او شذرات منه. لكنها معاناة البشر وأنات وجعهم وآلامهم تحت وطأة الظلم والقهر والتقتيل والتهجير والتدمير الذي يمتهنه النظام العالمي ببراعة وروح إجرامية إنتقامية؛ أناتهم وأزيز صراخهم وعذاباتهم سوف يصهرون مثل هذا البديل المنقذ المطلوب.. هل ستكسب المعاناة الراهنة غير المسبوقة جراء ذاك الوباء الفتاك ؛ أكان عقاب الطبيعة للإنسان أم اصطناعا بشريا إجراميا ؛ هل ستكسب المعاناة جولة في الصراع لصالح الإنسانية فتعجل بانهيار النظام الراهن وتمهد لتبلور نظام بديل أكثر إنسانية وأقل فتكا وإجراما ؛ ام ستنتصر قوى الشر والإجرام الرأسمالية العالمية الطاغية المتجبرة على معاناة البشر فتعود لتوظفها في مصلحتها وأرباحها عبر صيغ مالية أو اقتصادية أو استهلاكية جديدة أكثر ذكاء وخبثا وتطورا ؟؟؟ وهل يكون لأمتنا العربية دور في هذا وموقع ؟ وهل لها أن تساهم في صنعه بفعالية كما فعلت سابقا حين قدمت للبشرية حضارة إنسانية عظيمة لم تقتل ولم تسرق ولم تدمر بل رفعت كل من معها الى إنسانية أعلى وأرقى…نعم …ولكن كيف ومتى ومن ؟؟؟ سؤال للبحث والتمحيص والتدقيق.

 

اترك تعليقاً
2+

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. للأسـف الشديد….. فلقـد ( ألغــــى..؟؟) أو …الخ … تعليق لي كتبتـه قبل ساعة ..بما يتعلق بكلمة الأخ الزميل د/ عبد الناصر سكرية…. ولقد كانت المشاركة ( الأولى لـى ) على هذه الصفحـة ؟؟؟ يرجى التوضيح .

    0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى