
فجرت قضية استبعاد المغني الأميركي ماكليمور من جولة المغني الإيرلندي إيد شيران عدة قضايا تتعلق بالموقف من حرب الإبادة الإسرائيلية وحرية الشعب الفلسطيني وموقف الفنان والفن من الظلم ومرتكبيه من دول وجهات متنفذة. فقد أضحى واضحاً أن حجة التغطية بشعار “الفن من أجل الفن” لتجنّب اتخاذ مواقف أخلاقية أصبحت مكشوفة، بل إنها تُعامل كجريمة، قد لا يعاقب عليها القانون، وإنما تواجَه بصرخة ضمائر في عالم الفن والموسيقى والأفلام الغربية بشكل غير مسبوق.
لم يعِ إيد شيران، وهو فنانٌ موهوب، أن صرخة ماكليمور “الأولية لفلسطين” أصبحت شعاراً ضد الظلم والقمع والاستعمار، وليس المشروع الصهيوني الكولونيالي فحسب، بل هي شعار التحرّر الإنساني من القيود والنضال من أجل شعار العدالة والمساواة.
كيف فات هذا فناناً من أيرلندا التي يفتخر شعبها بتاريخ نضاله ضد هيمنة حزب التعصّب البروتستانتي (حزب ألستر الوحدوي)، وتماهي نضال شعبه مع نضال الشعب الفلسطيني؟ … لا أعتقد أن لديّ إجابة جاهزة، ولكن قد يكون مزيجاً من الخوف والمصالح، والنتيجة خسارته سمعته وانسحاب باقي الفريق من جولته التي انطلقت وسارت بنجاح حتى لحظة تبريره استبعاد ماكليمور، تحت ضغط وتمويل من المليونير الصهيوني طوني كرافت.
كلمات شيران هي التي قلبت فريقه الأيرلندي عليه: فقد ادّعى أنه لا يجلب مواقفه السياسية إلى المسرح، إضافة إلى أنه كذب، فقد أعلن أكثر من مرّة تضامنه مع أوكرانيا على المسرح، وأضاف أنه يهتم بالطرفين، وهذه حجّة أخرى يسوقها كثيرون حين يريدون المساواة بين المجرم والضحية. لكن المسألة تتعدّى شيران الذي يفهم حجم التغيير في الرأي العالمي، لأن القصة بأكملها التي تضع مقولة أن الفن يجب أن يبتعد عن السياسة، هي في نفسها غير أخلاقية.
صرخة ماكليمور “الأولية لفلسطين” أصبحت شعاراً ضد الظلم والقمع والاستعمار، وليس المشروع الصهيوني الكولونيالي فحسب
إذا كان القصد أن لا يخضع الفن للسياسة، فهذا مفهوم، لكن الشعار يستعمل، حتى بين الفنانين العرب في هذه الأيام، تورية لموقف مسبق من القضية الفلسطينية وإسرائيل. ومن أبشع المقولات أن لا مكان للموقف السياسي في حفل فني. والغريب أن من يتبنى هذا كثيرون. ويكتب بعضهم أنهم يكرهون الرموز، مثل الكوفية والعلم الفلسطيني والثوب التقليدي، لأنه يجب فصلها عن العمل الفني.
أبدأ باللقطة الأخيرة، إن الرمز حين يمثل قضية عادلة يساوي إعلان موقف أخلاقي وإنساني. صحيح أن بعضهم يستعمل الرمز مزاودة وخداعاً، لكنه في الأساس موقف أخلاقي. وقد تعاملت مع فنانين غربيين، منهم ريتشارد غير، وكان يقول لي في أكثر من مناسبة: يحب أن أوظف شهرتي في نشر قضايا المظلومين. وهذا ليس موقفاً جديداً، فهناك أيضاً العظيمة فانيسا ريدغريف، وهي من أهم ممثلات المسرح والسينما في التسعينيات قبل أن تبتعد، وكانت من أوائل وجوه هوليوود التي كانت تعلن تأييدها للحق الفلسطيني. تعرّفت إليها حين دعاني القائد الفلسطيني الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد) إلى تناول الغداء معها، وعرفتُها من أول ما وجدتها جالسة على أريكة في بيت أبو جهاد، كانت تريد أن تعرف ما بعد مرحلة بيروت، أي إنها مشغولة الذهن بمستقبل الثورة الفلسطينية. كانت مثقفة جداً وشجاعة، بل إنها أيدت منظمة التحرير الفلسطينية في السبعينيات وخلال حصار بيروت، وكانت ترتدي الكوفية باعتزاز وفخر.
من ينسى موقف الممثل العملاق مارلون براندو حين أناب عنه فتاة من السكان الأصليين ترتدي الثياب التقليدية لقبائل الأباتشي لتتسلّم جائزة؟ والآن الأمثلة بالمئات، من خافيير بارديم وسوزان ساراندون ومارك روفاللو وآخرين، ممن يرفضون الحياد الكاذب، بل يجاهرون باعتباره تأييداً للمستعمر الصهيوني وحرب الإبادة.
من يتحكم بالمهرجانات ومعظم شركات الإنتاج لا يحتملون ولو همسة من الفنانين ضد إسرائيل. أي إن هناك تهديداً بمحاصرتهم
أذكر أخيراً حين رفضت المغنية اللبنانية أليسا ارتداء الكوفية، دافع عنها كثيرون بأنها على المسرح لتغنّي، وليس لإعلان موقف سياسي. والحقيقة أن الشاب الذي ألقى إليها الكوفية أخطأ باعتقاده أنها سترحّب، فأليسا واضحة في موقفها. إنها لا تعتبر القضية الفلسطينية قضيتها، بينما يفتخر خواكيم فينكس وإيما ستون وأنجلينا جولي وكيت بلانشيت والممثلة البريطانية اليهودية مارغريت مارغوليس، بإدانتهم حرب الإبادة الإسرائيلية ضد أهل غزّة، ويفتخرون بمناصرتهم الشعب الفلسطيني، فهم يعتبرون أن شهرتهم تضع عليهم مسؤولية إعطاء صوت للمظلومين والمقهورين.
أفهم، إلى درجة ما، صمت معظم الفنانين العرب في المهرجانات الفنية والغنائية: فلنتحدّث بصراحة، إن من يتحكم بالمهرجانات ومعظم شركات الإنتاج لا يحتملون ولو همسة من الفنانين ضد إسرائيل. أي إن هناك تهديداً بمحاصرتهم. ولكن إلى متى يبقى الصمت، ومن يكسره في المهرجانات العربية، وكيف يستطيعون مواجهة الفنانين الغربيين، أو أطفال غزّة ولبنان؟
لم يكن الأمر دائماً هكذا، هل تذكرون نادية لطفي، وفي قمة نجوميتها كيف دخلت بيروت خلال الحصار الإسرائيلي في 1982؟ ومواقف يوسف شاهين ومحسنة توفيق ونور الشريف وعشرات غيرهم؟ لكننا في زمن الإبادة و”الخنوع لإسرائيل”، زمن الخوف من كلمة الحق.
الأسوأ هم من يُنكرون على الجمهور التوقع من الفنانين اتخاذ موقف. الناس تتوقع من الفنان أن يتخذ موقفاً في الدفاع عن الشعوب وعن الأوطان. متى أصبح هذا غريباً؟ نحن نرى أعلاماً وشعارات ترفع على مسارح أهم مهرجانات السينما من بافتا البريطاني والبندقية في إيطاليا وفي كل المناسبات، لكنها لا تُرفع في المهرجانات العربية. يُحرّم هذا على الفنانين في حفل الأوسكار، ومع ذلك يجد الفنانون طرقاً أخرى، يقاطعون الشركات الفنية التي تتعامل مع إسرائيل، ويلبسون شارات تحمل ألوان العلم الفلسطيني، ورسم البطيخة الذي أصبح مرادفاً للمقاومة. ولكن يبدو أن فنّانين عرباً كثيرين يعتمدون على الفنانين الآخرين في العالم أن يقوموا بالواجب عنهم.. هو واجب بالفعل، ليس تجاه فلسطين، بل تجاه الضحايا الذين يشاهدونهم على شاشات التلفزة ليل نهار.
تتوقع الناس من الفنان أن يتخذ موقفاً في الدفاع عن الشعوب وعن الأوطان
هناك استثناءات؛ مثل المسلسل المصري “صحاب الأرض” وأفلام مهمّة ينتجها مخرجون عرب، لكن ذكر فلسطين في مهرجانات غنائية غير مسموح… أين وصلنا؟ يجب أن يتعلم الجميع مما حدث مع الفنان الأيرلندي إيد شيران؛ فقد أصبح منبوذاً من الفنانين، ليس لأنه لم يعلن تضامنه مع الفلسطينيين، بل لأنه أيد حرب الإبادة ضد الفلسطينيين باسم الحياد والمساواة بين الطرفين.
لتُرفع أعلام التضامن مع الشعوب التي غزتها إسرائيل، أي سورية ولبنان، وإذا بقينا نقتات الخوف، فأخشى أننا سنجد إسرائيل تحكمنا جميعاً. القصة ليست فلسطين، بل الموقف الأخلاقي، فإنّ من يخاف من دعم القضية أو لا يهتم بها، لا يستطيع معارضة احتلال إسرائيل أو هيمنتها في كل بقعة من العالم العربي.
الفنان الأميركي ماكليمور، والأهم ردة فعل الرأي العام الغربي الغاضبة من استبعاده، أثبت أن العالم يعرف معنى “الحرية لفلسطين”، بل يعون الآن مقولة الزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا: “تحرّرنا لن يكتمل إلا بتحرّر فلسطين”.
المصدر: العربي الجديد






