
المجتمع الذي لا يحتمل الاختلاف الفكري قد يطالب بالحرية، لكنه قد لا يكون قد اكتسب بعد ثقافة الحرية.
ليست حرية الفكر مهددة بالسلطة وحدها؛ فقد يكون المجتمع، أو بعض مكوناته الدينية والثقافية والسياسية، هو الذي يضغط على السلطة كي تقمع الفكر المختلف. وقد تكون السلطة في أحيان أخرى أقل تشددًا من المجتمع، لكنها تستخدم محافظته الدينية أو الثقافية لتثبيت شرعيتها.
السلطة السياسية الاستبدادية لديها أدوات الجبر التي تعمل على تطويع المواطن كي تجعل منه مواطنا لا رأي له سوى ما تقوله السلطة ” لا أريكم إلا ما أرى ” وأدوات الجبر للسلطة السياسية الاستبدادية معروفة منذ القدم , السجن , التعذيب الجسدي , القتل , النفي ..الخ فكلها أو معظمها أدوات متوجهة للجسد وتنتهي عند التخويف بما سوف ينال الشخص في جسده أو ماله أو أهله من أذى عندما يضع نفسه في المكان الذي لاتحتمله السلطة .
لكن هناك استبدادا آخر قد يكون أشد وطأة من استبداد السلطة وهو استبداد المجتمع .
حين يتكون رأي عام في المجتمع يجعل من أفكار محددة أفكارا مسلمة مسبقة لايمسها العقل ولا يصل إليها النقد . وبالتالي يمكن لأي مخالفة فكرية لتلك المسلمات أن تواجه من المجتمع بالعزل والحصار وبالادانة والاتهام .
هنا قد تصبح السلطة في حرج حين يهمها كسب التيار الأكثر تشددا , فتتدخل لصالح تيار الاستبداد المجتمعي , أو تقف على الحياد , وفي بعض الحالات تدرك خطورة تيارات التشدد فتحاول لجمها وايجاد نوع من التوازن ضمن المجتمع .
في الواقع فإن الاستبداد السياسي الذي يضطهد الجميع في حقبة معينة لم يأت من فراغ , بل هو ابن شرعي لاستبداد المجتمع , وكل ما هنالك أن ذلك الابن يصبح أحيانا أشد من أبيه وأقدر منه في استخدام الاستبداد لحماية سلطته السياسية .
الاستبداد السياسي السلطوي يخرج من أحشاء الاستبداد المجتمعي وتغير الرايات لايغير شيئا من تلك الحقيقة
وأسوأ ما يمكن مواجهته أن يصبح المجتمع عالقا بين استبدادين في زمن واحد .
وهنا نجد في سورية أنه بينما يرى البعض أن الثورة السورية قد قامت من أجل سيادة تياره في المجتمع وبالتالي فله الحق في قمع التيارات الأخرى . فإن غالبية السوريين يرون أن الثورة السورية قد قامت من أجل الحرية والكرامة لجميع السوريين وأول الحريات وأبسطها حرية التعبير عن الرأي .
مثل ذلك التناقض في فهم الثورة السورية يحتاج إلى حل، وأساس الحل هو كفالة الدولة والدستور لحرية الرأي، وجعل ميدان الاختلاف هو الحوار وليس الاتهام والتشهير وكما نسب للشافعي: “رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”






