سوريا الجديدة أمام سؤال الدين.. هل يهيمن التيار السلفي على المجال العام؟

لا يتوقف التحدي في سوريا الجديدة عند إعادة بناء المؤسسات السياسية والأمنية والاقتصادية، بل يمتد إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً، وهي إعادة تنظيم المجال الديني، وتحديد شكل المؤسسة الدينية وحدود حضورها وتأثيرها في الفضاء العام وفي بنية الدولة المقبلة.

ومع التحولات التي شهدتها البلاد خلال سنوات الحرب، وما رافقها من صعود تيارات دينية متعددة داخل الفصائل والقوى العسكرية والسياسية، عاد النقاش حول طبيعة المرجعية الدينية التي يمكن أن تتشكل في المرحلة الجديدة، وما إذا كانت المدرسة السلفية باتت الأقرب إلى فرض حضورها على المشهد الديني والمؤسساتي، أم أن التنوع الفقهي والعقائدي الذي عُرفت به سوريا تاريخياً لا يزال قادراً على استعادة موقعه.

هذه الإشكالية كانت محور نقاش في إحدى حلقات برنامج “المنتدى” على تلفزيون سوريا، حيث تناول الضيوف الأبعاد الفكرية والسياسية والاجتماعية لصعود التيارات السلفية، وعلاقتها بالموروث الديني السوري، وتأثير ذلك في شكل الدولة والعقد الاجتماعي.

الحرب وصعود التيارات السلفية

ناقشت الحلقة أثر سنوات الحرب والتحولات العسكرية والأيديولوجية في تعزيز نفوذ التيارات السلفية بمختلف اتجاهاتها، ولا سيما مع صعود فصائل تبنّت مرجعيات دينية سلفية، سواء في صورتها الدعوية أو الحركية أو الجهادية.

وبحسب النقاش، فإن هذا الصعود لم يبقَ محصوراً في المجال العسكري، بل ترك أثراً في البيئة الاجتماعية والتعليمية والدينية، وفتح الباب أمام تحولات أعمق في طبيعة الخطاب الديني السائد وفي العلاقة بين الدين والسلطة.

ويضع هذا الواقع سوريا أمام سؤال مركزي يتعلق بإمكانية التوفيق بين تيارات سلفية توسع حضورها خلال سنوات الحرب، وبين الموروث الديني التقليدي في بلاد الشام، الذي ارتبط تاريخياً بمدارس فقهية وكلامية متعددة، وفي مقدمتها المدارس الأشعرية والصوفية.

ولا يتعلق الخلاف هنا بمجرد تباينات عقائدية، بقدر ما يرتبط بحدود حضور كل تيار في المجال العام، ومدى قدرته على التأثير في التعليم والقضاء والخطاب الديني ومؤسسات الدولة.

الخلاف يتجاوز العقيدة إلى شكل الدولة

وركز أستاذ الأخلاق التطبيقية الإسلامية ورئيس برنامج ماجستير الأخلاق التطبيقية الإسلامية في جامعة حمد بن خليفة، الدكتور معتز الخطيب، على ضرورة الفصل بين المفاهيم العقائدية من جهة، ومفاهيم الحكم والإدارة من جهة أخرى.

وأشار إلى أن المشكلة في بعض أشكال السلفية الحركية والجهادية لا تتعلق فقط بتصوراتها الدينية، وإنما بمحاولة نقل أطر للحكم والسياسة تشكلت في ظروف تاريخية قديمة، والعمل على تطبيقها في مجتمعات حديثة تختلف في بنيتها السياسية والاجتماعية والقانونية.

ومن هذا المنطلق، يرى الخطيب أن التحدي يتمثل في مدى قدرة الخطاب الديني على التعامل مع مفهوم الدولة الوطنية الحديثة، وما يرتبط بها من المواطنة والمساواة وسيادة القانون والمؤسسات.

ويعيد هذا الطرح النقاش إلى سؤال أوسع بشأن ما إذا كانت المرجعية الدينية في سوريا المقبلة ستتعامل مع الدولة بوصفها بنية مدنية وسياسية حديثة، أم ستسعى إلى إعادة إنتاج تصورات تاريخية حول السلطة والحكم لا تنسجم بالضرورة مع الواقع الاجتماعي والسياسي المعاصر.

فراغ المؤسسات وتمدد الخطاب المتشدد

من جانبه، ركز مدير أكاديمية رؤية للفكر، حذيفة عكاش، على البعد الفكري والتوعوي، معتبراً أن غياب المؤسسات التعليمية والدينية المستقلة والمعتدلة خلال العقود الماضية أسهم في خلق فراغ استغلته تيارات سلفية للتمدد والانتشار، ولا سيما بين فئات الشباب.

وأشار عكاش إلى أهمية بناء مؤسسات ومنصات فكرية قادرة على مناقشة الأفكار المتشددة وتفكيك خطاب الغلو، بالتوازي مع تقديم خطاب ديني يتفاعل مع مفاهيم المواطنة والعقد الاجتماعي ولا يرى فيها بالضرورة تناقضاً مع قيم الشريعة الإسلامية ومقاصدها.

ويطرح هذا الجانب تحدياً إضافياً يتعلق بطبيعة المؤسسات التي ستتولى إنتاج المعرفة الدينية في المرحلة المقبلة، ومن يملك حق تحديد الخطاب الديني المقبول، وما إذا كانت هذه المؤسسات ستكون مستقلة عن السلطة السياسية أم جزءاً من بنيتها.

هل تستطيع سوريا الحفاظ على تنوعها الديني؟

واحتل سؤال التنوع مساحة أساسية في النقاش، خاصة في ظل المخاوف من أن يؤدي صعود تيار ديني واحد إلى احتكار الفضاء العام أو تهميش المدارس الفقهية والدينية الأخرى التي شكّلت جزءاً من تاريخ بلاد الشام.

وتتجاوز هذه المخاوف مسألة الاختلاف بين السلفية والأشعرية أو الصوفية، لتصل إلى كيفية إدارة الدولة للتنوع الديني والمذهبي والاجتماعي على نطاق أوسع.

فالمرجعية الدينية، إذا تحولت إلى أداة احتكار أو إقصاء، قد تصبح عاملاً إضافياً في الانقسام المجتمعي، في حين يمكن لمؤسسة دينية أكثر انفتاحاً على التعددية أن تسهم في تقليص التوترات وفي إعادة بناء الثقة بين المكونات المختلفة.

ومن هنا، شدد المشاركون على الحاجة إلى مرجعية دينية جامعة تعترف بالتنوع الفقهي والمذهبي، وتحافظ على استقلال المؤسسة الدينية عن الاستغلال السياسي، وتمنع استخدام الخطاب الديني لتبرير الإقصاء أو إعادة إنتاج الانقسامات.

المسألة أبعد من “الهيمنة السلفية

تكشف النقاشات حول صعود السلفية في سوريا أن القضية لا يمكن اختزالها في خلاف فقهي أو عقائدي بين مدارس دينية مختلفة، إذ ترتبط بصورة مباشرة بطبيعة الدولة المقبلة وحدود العلاقة بين الدين والسياسة.

فالسؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمن يتصدر المنابر أو يدير المؤسسات الدينية، وإنما بالقواعد التي ستنظم المجال العام، وبمدى قدرة الدولة على بناء عقد اجتماعي يضمن المساواة أمام القانون ويحفظ في الوقت نفسه الخصوصية الدينية والثقافية للمجتمع.

ويعني ذلك أن معالجة الملف الديني لا يمكن أن تتم عبر إقصاء تيار لمصلحة آخر، بقدر ما تتطلب بناء إطار مؤسساتي يضمن التعددية ويمنع الاحتكار، ويضع حدوداً واضحة بين المجال الديني ومؤسسات السلطة السياسية.

وفي بلد أنهكته سنوات الحرب والاستقطاب، تبدو هذه المسألة جزءاً أساسياً من معركة بناء الاستقرار، لا قضية ثانوية مؤجلة إلى ما بعد إعادة الإعمار.

فنجاح سوريا الجديدة في إدارة المجال الديني قد يكون أحد الاختبارات المبكرة لقدرتها على بناء دولة تستوعب تنوع مجتمعها، وتوازن بين الهوية الدينية من جهة، وقيم المواطنة وسيادة القانون وحرية التعبير من جهة أخرى.

 

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى