
من تقاليد القرية بالأعياد والأعراس
ذات مشهد…
شرعت الشمس تأخذ أبعادها علواً في السماء، أشعتها العطشى ترمقنا عن كثب.. راق لها أن تروي ظمأها من أجسادنا، كأنما هي التي قد اعتراها العطش.. في حين أننا العطاشى، وآن لنا أن نرتوي..
تقودنا أقدامنا إلى ظل صخرة هائلة، اتخذت موقعها على طرف حقل قمح لنا..
وهبت الطبيعة صخرتنا تجويفا كافيا لحمايتنا.. شكلت جغرافيته ما يشبه الكهف.. من طرفيه، يبرز ذراعان صخريان يمتدان نحو الأمام. يتكون أعلاها من سطح ضخم القوام. كتلتها الخلفية اتخذت هيئة عجيزة ضخمة مسطحة بغير انتظام.
في حمى ظل الصخرة، قربتان مملوءتان ماءً تنتظرنا.. هرعنا إليهما نحن الأشقاء الثلاثة.. أمي توزع علينا أكواب اللبن – فمنها الغذاء ومنها الوقاء، ومنها الاحتماء من ضربات أشعة الشمس الرعناء..
على مرآى منا ونحو الجنوب.. يمتد درب ترابي متعرج. يخط سيره شرقاً بانحراف طفيف نحو الشمال، متجهاً إلى قرية مجاورة، مخترقاً سهول القمح الممتدة، والملتفة حول الأكمات الصخرية كأطواق لها..
ينزع أبي عن ذاته قناع الصمت.. يتجه في بصره نحو الدرب.. كما لو كان يلمح شيئاً غير مرئي لنا.
بصوت يشوبه نغمة حزن عميق، يحاول إخفاءه عنا، راح يحدثنا -: تذكرني هذه البقعة والدرب القائم أمامنا.. بأبي – جدكم حباه الله رحمته.. إليكم حكايته..
أحب أبي صبية جميلة، تنتمي لبيت شيخ القرية.. حبهما على كل لسان..
على مسعى من طي أمر هذا الحب، سعى أهل الصبية تزويجها لأحد أبناء شيخ القريةٍ المجاورة.
ذات حصاد كيومنا.. جدكم كان هنا.. والصدفة فرضت ذاتها.
قافلة العروس تعبر هذا الدرب أمامنا. هي في هودجها، فرسان برفقتها.
على قمة هذه الصخرة وقف أبي.. بصوته الرخيم، راحَ يرتجل العتابا ارتجالا.. الهودج يتوقف، والفرسان بدورهم.. عبرات تنهمر.. صمت العتابا.. تلويحه من خفايا الهودج..
يتابع الموكب دربه بصمت خاشع.. تنهمر دموع أبي.. دموعي بدوري..
أخال دموع جدي قد انسكبت مدرارا.. في خفايا الهودج يكمن حزن ودموع.. يخيم علينا صمت حزين..
أنظارنا تتابع سير الموكب.. حتى الغياب، من وراء سحب السراب..
🛑
قرية وتقاليد
تدين: ثمة فرق نوعي بين تدين جدتي وأمي: تدين جدتي بدا طبيعياً بسيطاً فطرياً، كتنفس الهواء وشرب الماء. لم تحاول قط غرزه في عقولنا. تركتنا على سجيتنا.. ألم يأتها هي بدورها فطرياً، بسيطاً دونما جهد…!
في تدين أمي نحو معرفي. لا أدري من أين جاءت ثقافتها الدينية تلك.. كانت في إطلاع واسع على كثير من قصص العهد الجديد والقديم.. يسرها سردها لنا.
تحرص أمي على المتابعة الكنسية لأيام الفصح من طقوس وصلوات، تحفظ الأناشيد عن ظهر قلب.
جدتي أقل حرصاً منها، لا شيء لديها من تلك الترانيم الدينية، ديدنها الاستماع لها، بصمت.
جدتي وأمي بينهما ما هو مشترك لهما، تجلّى في حرصهما على صيام الفصح.. الممتد على مدى أربعين يوماً، مع الالتزام التام بالغذاء النباتي…
جدتي حريصة بثبات على إتباع طقس ديني. لم أسمع بوجوده في بقعة أخرى، لا أدري من أين حلّ بين ظهرانينا.
غداة يوم الأربعاء العائد لأسبوع الفصح، حالما تشرق الشمس، يحلو لجدتي أن تقودني إلى البريّة، لجمع باقة من أزهار الربيع البيضاء، ذات النواة الصفراء – المسماة محلياً بزهور البرقطة – تأتي بها لتنقعها بالماء.. علينا جميعاً غسل وجوهنا بذاك النقاع…!!
بلغ من شأو هذا الطقس الديني، أن يعكس ذاته كاسم ليومه، الذي غدا يحمل تسمية ” أربعاء البرقطة “.. لعله رمز الاغتسال بماء الربيع.. كطقس قادم من أقاصي الزمان.. في ماضي الأديان…؟
لم يكن التدين في قريتنا سوى تقليد عرفه أهلها، كما عرفوا أسماءهم. كان عفوياً وبسيطاً، تغمرهم مواسمه الاحتفالية بالفرح.
ارتدت فيه احتفالات الفصح حلة زاهية من البهجة، فاقت فيها موسم الميلاد، بما لا يقاس.
في شهر نيسان.. تنهض القرية من سباتها الشتوي، تدب في شرايينها روح الحياة.
من بعد الصقيع يأتي الربيع، بعد الموت ينهض يسوع. كأن طقوس الفصح غُرست كنبات في عرس الربيع. يتمادى الاحتفال على عشرة أيام وهي: سبت العازر، أحد الشعانين، ثمّ الاثنين، فالثلاثاء، أربعاء ” البرقطة “خميس القربان، جمعة الحزينة (آلام يسوع)، سبت النور، أحد السرور (قيامة يسوع من الموت)، اثنين الباعوث.
على مدى هذه الأيام يجري قداس نهاري، ومن الاثنين حتى نهاية الأسبوع قداس ليلي، يتطاول في زمنه رويداً، رويداً مع الأيام.
يتبارى فيه الشبان بالإنشاد لجلب انتباه الصبايا. اتفق الجميع، بكون الصوت المجلي الذي يهتز له الجميع طرباً، هو صوت ” الياس “.. حينما كان ينشد ترنيمة ” المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة “.
طفق صوت الياس يسري في أوصال الناس، محركاً فيهم نشوة الحماس.
يتعالى معه صوت الجميع في ترتيل ديني بديع، كأطفال المدارس حينما يؤدون النشيد الوطني.
لم يكن الفصح مجرد صلوات وإنشاد، إنما كانت تجري مشاهد تمثيلية، تنطوي على أبعاد رمزية، بعضها للصبية، وللكبار.
لعل هذه المشاهد التمثيلية الرمزية والرموز الأخرى التي رافقتها، أتت كوراثة من معين الديانات القديمة، البابلية والكنعانية وغيرها.
ليوم سبت العازر رونق خاص، هو من نصيب الأطفال والصبية.. دأبوا فيه على التجوال من دار إلى دار، يحملون معهم لفافة مستطيلة من الورق المقوى، بطول يتراوح بين المترين والثلاثة أمتار، وعرض يقارب النصف متر.
كُتب على هذه اللفافة نشيداً دينياً، يمثل حكاية عازر، حينما وافته المنية ودفن في مغارة، وأتى يسوع ليبعثه من موته.
يمثل الصبية هذا المشهد.. يضطجع صبي تحت اللفافة، بينما ينشد البقية الترنيمة الدينية، وما زال في ذاكرتي مطلعها، وهي:
يا له يوماً سعيداً للبنين الصالحينا
سنو للعازر عيداً يظهر الحق المبينا
أخته مرثا ومريم والفتى والقلب يكلم..
يقوم أحد الصبية بالترنم بكل أبيات الترتيلة، بينما يردد البقية اللازمة المتمثلة بالبيت الأول والثاني.
تستمر الأنشودة تروي حكاية عازر من موته حتى قيامته.. كرمز للقيامة ينهض الصبي من تحت اللفافة متهللاً.
يتبارى الصبية في تمثيل دور عازر، استقر الأمر على ابن خال لي ” سمعان ” اليتيم الأب، فأصبح دوماً من نصيبه.
أقف هامشياُ بين جمهرة الصبية، في جولة عازر في القرية، أكاد لا أحرك ساكناً، الجميع يظهر براعته.. مما أثار حنق أمي.
لا أدري، ما هي دوافع ضعفي، في قدرة الانخراط في حلبة الصغار وهم يمثلون المشهد…؟ – أهو طبعي الراسخ فيّ، المتسم بالعزوف والخجل، أم أن أبي أورثني الزهد في تمثل دور المتدين..
من بين المشاهد التمثيلية الرمزية التي تجري في أيام الفصح، تأتي دورة أحد الشعانين.
في ضحى هذا الأحد، يحمل الجميع رجالاً ونساءً وأطفالاً باقات من النباتات الطويلة الساق، المزينة بالشموع والورود، ويدورون بها في أرجاء الكنيسة حول الحجر الأسود المربع الذي يتوسطها وهم ينشدون، كأنهم يكررون المشهد الاحتفالي لدخول يسوع مدينة القدس على ظهر أتان.. أرقى المشاهد التمثيلية الرمزية على الإطلاق، هي من نصيب الأيام الأخيرة للفصح:
في ليلة ” سبت النور”.. يقوم المصلون بتمثيل ما يسمّى بدورة السرير، يحملون فيه ما يماثل نعش يسوع، حينما أسلم الروح، يتقدم المسيرة الكاهن بصليبه، ومبخرته، وصبية تحمل الشموع.
في ليلة ” أحد السرور ” كان يجري ما يسمونه ” بالهجمة “، يأتي فيها المصلون بعد منتصف الليل، يطرقون باب الكنيسة وهم يرددون: ها قد أتى ملك المجد فافتح.
لعلهم كانوا يمثلون اقتلاع باب المغارة، حين نهض يسوع من موته وخرج من مدفنه، تاركاً نعشه.
لم يكن الفصح وحده ميدان حفاوة طفولتنا، فثمة أعياد أخرى، في رأسها مشهد احتفالاتنا نحن الأطفال، بعيد الصليب، في شهر أيلول.
كنا نتجمهر كتلة واحدة، نطرق دور القرية، باباً، باباً. نجمع منها ما تيسّر من ” طبابيع الجلّة “..
نأتي بها إلى ساحة ” المطخ “. نصنع منها أكوماً منتظمة، بهيئة أهرامات صغيرة حادة الرأس، نشعل فيها النيران ونأخذ في القفز فوقها، غير هيابين أذى النار.. ونصرخ بأعلى الأصوات ” عيد الصلاليبي والمريض يطيبي “.
في آخر هذا العبث الناري، لم نكن نتورع من دحرجة كتل ” الجلّة ” الملتهبة، بأقدامنا الحافية القوية.
تكرس هذا الطقس في العقل الجمعي للقرية، مما أدى إلى عدم استشعار الخوف لدى الأهل على أبنائهم، وهم يقفزون فوق النار غير آبهين بمخاطرها.
لا أدري، كيف أتيح لهذا الطقس الناري، أن يجد طريقه إلى عيد الصليب المسيحي…!!
هل انسل من ماضي تقديس النار ليستقر في لاهوت الصلب.. لم لا، فالأديان تتالت، وتداخلت تماماً كطبقات الجيولوجيا.
لا يخامرني الشك بكون هذه المشاهد التمثيلية الرمزية، هي متوارثة من الديانات قبل المسيحية.. التي اعتاد فيها معتنقوها، تمثيل الأدوار المتعلقة بتقاليدهم.. ومهما قيل في تعددها، إلا أنها متماثلة فيما ترمي إليه.
أمام مرآى هذا المشهد الطقسي المتمثل بقيامة اليعازر، وقيامة يسوع من بعد الموت – وطقس النار وشفاء المرضى.. – لعلها بكونها موروثة أو متأثرة، بأسطورة العنقاء أو طائر الفينيق. [بصدد سفر العنقاء – انظر مؤلف د نظير العظمة في مؤلفه – سفر العنقاء – حفرية ثقافية في الأسطورة..] التي كان لها حضورها واضحاً في الأزمنة القديمة في منطقتنا، التي تعود بأصولها لجزيرة العرب…؟
أمي والنذور: أمي على ولع بطقوس النذور، تلزم نفسها بها كلما حل بنا مرض.. فكم مرة قدمت للكنيسة شمعة بطول أحدنا، ولكم من مرة راحت بنا لزيارة دير صيدنايا.
أمي مولعة بالعذراء، أم الإله، تستنجد بها كلما وكما تشاء، تأخذها كمثال. فهي إن رغبت الإطراء على فتاة بجمال، تقول عنها، إنها كمريم العذراء..
ما انفكت أمي تسرد لنا أخبار القديسين وحكاياتهم.. درجت على متابعة أخبار القديس اللبناني شربل، الذي راجت مآثره في الوسط المسيحي على طول البلاد.. لم يتحقق حلمها أبداً في زيارة ضريح هذا القديس.. لم تكن جدتي حريّة بتتبع أنباء هذا القديس المزعوم..
كان أبي يستمع لتلك الحكايات من دون أدنى اهتمام، لا يخلو أحياناً من الابتسام.
تؤمن أمي في الأحلام. قررت تسميتي باسم جدي، لكونها رأته يزورها في حلمها ليلة ولادتي.
لأمي نمط من الاعتقادات الراسخة، وما فتأت تكرر القول لي، أن العذراء حفظتك حين ولدتَ، حيث وضعتك في برنس..
وما البرنس سوى المشيمة التي تتمدد لتغلف الجنين بكليته، لتخرج معه حين ولادته، وتكاد تأخذ بخناقه وتحبس أنفاسه، إن لم يتحرر منه…!
لم تكن اهتمامات أمي سجينة الهاجس الديني فحسب، إنما كانت على اهتمام ما بإعطاء الرأي في الشأن السياسي، على النقيض من جدتي التي لم يأت على لسانها قط، أمر من هذا القبيل.
تنتمي أمي إلى جيل آخر، وبالرغم من كونها لا تعرف القراءة والكتابة، بيد أنها عرفت لوناً من الحضارة.. ولديها نوازع لتطوير معرفتها.. بينما جدتي قد اكتفت بما كانت عليه، وبقيت بما هي فيه مغتبطة.
تدين أبي: لم أر أبي قط يحضر قداساً، ولم يعر الممارسات الدينية أدنى اهتمام. البعض من جيله على شاكلة أبي.
دأب العديد من أتراب أبي على إتباع طقوس الفصح، الأمر لم يكن في أيام الآحاد.. كانت الكنيستان خاليتين سوى من النسوة والصبية وبعض المتقدمين في السن. ذات يوم وقد خلت الكنيسة من الرجال، مما أثار حنق راهبة زائرة للكنيسة الكاثوليكية، فجاءت تسعى تخاطب الرجال وهم جلوس على الحجارة المصقولة في ساحة القرية.
قالت بأدب جم، موجهة السؤال للواحد تلو الآخر: لماذا لا تشاركون في قداس الأحد.
عثر كل من الرجال على عذر، حرص كل منهم على جعله مبتكراً.. ولمّا لم يجد أبي عذراً، لم يسبقه إليه أحد، وكان يستحب النكتة أحياناً.
قال لها: اعذريني يا أختي، فقد منعني الطبيب من الصلاة وحضور قداس الكنيسة.
لم تجد الراهبة بداً من الابتسام والذهاب إلى حال سبيلها وقد أًسقط من يدها..
على هذه الوتيرة، لم يكن التدين في قريتي مظهراً معقداً،
إنما كان فطرياً كالهواء، رحباً كالسماء، منساباً كجدول ماء، يستمد ذاته من روح الطبيعة ومظاهرها دونما عناء.
🛑
مع الربابة وأبي
إن لم يكن أبي على وفاق تام مع التدين، فقد توفر لديه اهتمامات أخرى، دنيوية السمات..
يُنظر إليه كشاعر القرية، مغني الربابة. على اهتمام جاد بالسياسة.
هل كانت تجربته في حيفا هي ما شحذت لديه هذا الاهتمام، أم لديه خبرة أخرى، لا علم لي بها…؟
دأب أترابه يجتمعون إليه في دارنا.. يلحون عليه في إحياء سهرة الحكاية على نغم الربابة. جرت العادة أن يبدأ أبي في رواية قصة القصيدة، على وقعها ينطلق صوته الشجي باتساق جلي مع أنغام الربابة.
حكاياته وقصائده تشدني، أبرز أبطالها مآثر سلطان الأطرش، قائد ثورة الخمس والعشرين (1925) على الفرنسيين. يحفظ قصائد شاعر الجبل الشعبي – المسمّى عمار.
تعلق أبي بالرمز سلطان الأطرش، إحدى مزاياه المتقدمة على بعض من المنتمين لجيله.
ما زلت أذكر من حكاياته، مآثر أمراء وفتيان من البدوان، من بينهم حكاية الفتى البدوي العاشق الهيمان ” العنيسي فاضل “..
تشد تلك الحكاية اهتمام المستمعين، على ما فيها من فتوة وحب وصور مستمدة من الطبيعة.
كان أبي يطنب في روايتها ووصف أحداثها وانفعالات أبطالها.
إخلاصاً مني لمآثر أبي وتقديراً مني لروعة هذه الحكاية، بما فيها من توتر نفسي ووصف يرقي إلى مستوى الأدب الراقي، أسمح لذاتي لتلخيصها في الآتي:
تدور أحداث تلك القصة في مضارب البدو في البيداء.. يهيم الفتى ” العنيسي فاضل ” بفتاة من قبيلة أخرى.. عندما استفحل شأن حكاياتهما، قرر أباها- شيخ القبيلة، النأي بابنته وقبيلته، إلى مكان قصي عن قبيلة العنيسي.
يقرر العنيسي لقاء حبيبته مغامراً متحدياً دواعي الخطر. حاملاً سيفه باحثاً عن مضارب قبيلة فتاته..
تبدأ القصيدة بوصف انفعالاته وهو يقاسي مشقة الطريق وأهواله. في لحظة ضعف يؤنب ” العنيسي ” ذاته.. في أبيات شعرية، أتذكر منها:
” أنا مثل من ضيع أهله وحليلته – وراح لطير الغريب وحواه
أنا مثل أعمى يطرق الأرض بالعصا- ضاعت عصا الأعمى وقل هداه..”…..
حالما يصل الفتى إلى تخوم مضارب القبيلة، تتحوّل الأحاسيس وتأخذ القصيدة منحى آخر.. يخاطب الجبل محيياً إياه.
تصف القصيدة كل ما جرى: من تسلل الفتى عبر جنح الظلام في مضارب القبيلة، عبوره المتخفي من بين الحراس وهم نيام، دخوله الخباء رابط الجأش ثابت الجنان، نهوض الفتاة وذعرها، تهديدها لهذا ” الفاقد الحياء ” إلى أن يقول لها. [تمنيت التذكر الكامل للقصيدة، فأنا أعتبرها من عيون الشعر الشعبي، بما تنطوي عليه من صور وديناميكية وسرد وانفعالات إنسانية..]
أنا العنيسي والعنيسي فاضل- أنا الفتى اللي قلت إن عاش لهواه..
ضمنتي كما تضم الرضيع لحضنها -البرغوث بيناتنا يصيح يا ويلاه.
يثير المقطع الأخير إعجاب الحاضرين، فمثل هذا التشبيه يلمسونه لمس اليد.. اعتادت البيوت على غزو البراغيث التي تتحمل ضغط اليد، وتبدي مقاومة فائقة على الضغط..
تنتقل القصيدة لتعكس أمنية العنيسي المتمثلة في تعلقه لإدامة زمن الليل وكرهه لقدوم النهار، وتمني الشر على كل من يعلن عن قدوم الفجر..
يا ليل لا تروح ويا نهار لا تيجي – خلي العنيسي مجتني بمناه..
عندما صاح الديك معلناً عن إطلالة شعاع الصباح، تمنى العنيسي له ” حتفه بثعلب فقد صغاره”. تنهال اللعنات على رأس مؤذن صلاة الفجر.. شوية خطيب الصبح وذن- يقبر عزوته وقنيته وضناه..
كما أتذكر بعض ما أنشده على ربابته.. من قصائد مطولة.. من بين المقاطع..
لطلع انا وياك لسابع سما-.. نبني في السما أحلى عشوش.. ان جا محمد والمسيح ما بزعلوش، ما بزعلوش..
لدى أبي ذخيرة كبيرة من حكايات الأمراء، كان يختار من تلك الحكايات ما له صلة بمسائل واقعية، كحكاية أمير الشعلان الذي تزوج امرأة أخرى مدنية ” شامية “، على زوجته من بيئته البدوية.
حينما عاد إليها بعد غياب طويل، قالت له تعاتبه شعراً، تفخر فيها بخصالها وتذم خصال بنات المدينة.
أبي من بين النادرين من أقرانه الذين توفر لهم الحظ لتعلم القراءة والكتابة، أتاح له الظرف آنئذ التعلم حتى الصف الثالث ابتدائي على يد الخوري.. وكان هو أقصى ما كان ممكناً أمامه، ففي عهد الانتداب الفرنسي للبلاد، كانت الأرياف خالية من المدارس..
ذكر لي أبي، أن الخوري قد أثنى عليه وعلى ذكائه، وكان يدفعه لمتابعة تعليمه، بيد أنه لم يكن في اليد من وسيلة..
تجربته المجهضة هذه مع المدرسة.. مثلت له الحافز لكفاحه المرير ومثابرته لتعليمنا- نحن السبعة..
أرى، في أبي رجلاً مكافحاً صلباً، شديد البأس، قوي الشكيمة، صبوراً، بدا لي عصبي المزاج في بعض الأوقات، سرعان ما يسترد هدوءه.. مرهف الحس على درجة عالية من الحكمة التي لم يتسر لي البعض منها.
يسرني، أنّي قد اكتسبت منه ملامح وجهه الأسمر وعيناه العسليتان الصافيتان، وصلابة في الجسد.
حالما أرى في مزاجي سرعة في سهولة الاستثارة، يتبادر إلى ذهني تساؤل ملح: هل جاءني بعض ما لدى أبي من حساسية مرهفة…؟ …!
🛑
سيرة بني هلال
اعتادت خالتي، ” هلالة ” الحضور إلى القرية صيفاً من مدينة الزرقاء، في الأردن، لتجني ما تيسر لها من محاصيل أملاك جدي، من أمي.
خالتي على ضخامة بدنية وصوت جهوري، يرهبها الرجال والنساء والأطفال.
بلغ من شدة شأوها وتعلقها بقيم القوة والبطولة، أن جعلت مجلسها ملتقىً للاستماع لقصص أبي زيد الهلالي.
تصطحب خالتي معها أينما حلت ورحلت رواية سيرة بني هلال.
لم تكن خالتي قد عرفت المدرسة كقريناتها، بيد أنه لم يكن عسيراً أن تعثر على قارئ يتنطع لهذه المهمة.
تعقد خالتي مجلسها بعد ظهيرة كل يوم. يجتمع في حضرتها نفر من القوم.. رجال ونساء من مختلف الأعمار. يضمهم شغف الاستماع لأقاصيص البطولة، في تلك الأزمنة الغابرة التي افتقدوها يومئذ.
تزمجر خالتي ” هلالة “، مع ضربات سيف أبي زيد الهلالي. تضرب بيدها كأنها في معترك المعركة. يا لسوء طالع لمن يكون على مقربة منها، يتلقى الضربة، يتأوه بصمت، تخذله الجرأة لإصدار الصوت.
أدمنتُ على حضور مجلسها، من أوائل القادمين أكون، أصيخ السمع. أعيش في مخيلتي مشاهد القصة، أتماها بها.
لست الصغير الوحيد الذي اعتاد ريادة مجلسها، يشاركني في متعة الإصغاء نفر من أترابي.
لم أفطن للتساؤل آنئذ.. هل لأسم خالتي، المتمثل في ” هلالة ” دوراً في حماسها للهلاليين.. أم أن الأمر لا يعدو محض الصدفة، لاسيما أن الكثير من النساء في قريتي يحملون هذا الاسم…!! هل هو تيمناً بالقمر عندما يطل كهلال…؟
دأبنا نحن الأطفال على التباري في تقلد أسماء من تلك الحكايات.. لكم مرة من المرات كنا ننظم فيها مبارزات، يتقلد فيها أحدنا اسم ” أبو زيد الهلالي. يتقلد آخر اسم ذياب ابن غانم «.
لم تكن سيرة بني هلال لناس قريتي، مجرد حكايات تسلية كسوالف العم عطا، إنما قد جرى التماهي بها.. يحضرني السؤال ؟: هل هو من فعاليات العقل الباطن، الذي قد جعل من خاتمتها المتمثلة بما يقال عن ” قطيعة بني هلال “، كمثال للوضع العربي الراهن بما فيه نحن من هزيمة وتدهور…!!
هل جاءت تلك القصص لهم، بمثابة قراءة تاريخية علنية أو خفية.. كأن يكون زوال بني هلال كقوة فعالة التي نجمت عن الصراع فيما بينهم.. هل هو المماثل لما جرى للعرب في عصرنا.!!
لعل هذه الحكايات الهلالية ذاتها بطولها وتسلسلها، أراد منها مؤلفوها، وما أكثرهم، تمثل ما جرى للواقع العربي، من تطوّر صاعد وهبوط عائد وراكد..
🛑
لحظة وَجد
أتى زمن ما قرر فيها أبي، أن يتدمشق (من دمشق)، وقد ضاق ذرعا بحياة الريف الحوراني البائس، فلا نهر ولا شجر ولا مطر.. عمد أبي إلى بيع ما نملك، من عنز، وغنم.. وحمارنا الفظ الطباع.
تركنا القرية، بقيت جدتي ودجاجاتها، وقد رفضت الرحيل..: ومَن يحرس الدار قالت.. – وأردفت تتمتم بصوت خفيض.. – من دون أن تعرف شاعرنا الراحل محمود درويش – ” إن البيوت تموت برحيل أهلها.. كنت متعلقاً بعالم قريتي، فيها أعثر على نفسي، ولا سوى.
في أول فرصة مدرسية سنحت لي.. حملت ذاتي وعدت مسرعاً والغبطة تغمرني، إلى مهبط رأسي قريتي..
بفرح عارم استقبلتني جدتي.. ضمتني بحنان.. طفقت تحدثني عما لديها من أخبار وأفكار.. فجأة تملكها الضحك.. حالما سيطرت على ذاتها، شرعت تقص علي، أفعال ذاك الحمار الشيطان.. كما درجت تدعوه. قالت: صبيحة اليوم التالي لمغادرتكم.. فوجئت بالحمار، على باب الدار.. يدفعه برأسه.. كأنه يود اقتحامه.. وأخذ ينهق.. ويرفس الأرض بحافره…
أردفت تحكي والتأثر باد على محياها.. – دمعة حرى أو اثنتين سالتا.. – خرجتُ إليه.. فتحت له الباب.. وبسرعة البرق – (وكانت قد اعتادت على هذا التشبيه البديع) – إلى مربطه من دون لأي دلف وسكن.. بحنان ربتُ على ظهره. قدمت له ما يلزم.
جاء صاحبه عنه باحثاً.. وقد قدَر لجوؤه إلى دارنا.. أراد الرجل سحبه بقوة الجر.. أدار له الحمار قفاه ولبطه، ونهق، ولم يكتف. بل أطلق تلك الفعلة النكراء. (أطلق ريحاً).
لم يستطع الرجل جر الحمار.. تدخلتُ ربتتُ على ظهره، فسكن، قدتهُ إلى حيث يرغب الرجل..
تستكمل جدتي: تكرر الأمر في الآتي. وعاد الصاحب.. وكان هذا ملاكاً كبيراً في القرية.. لديه الخير الكثير.. وقد قدم له- للحمار.. كل ما طابت له نفسه.. من تبن وحشائش، وقشور البطيخ، والعلف، والشعير.. [كنت قد عثرت على هذا التعبير برواية كوخ العم توم]
عامله بلطف كبير.. وربت على ظهره.. وخصص له مربطاً لائقاً بجلالته.. لم يقدر الحمار ما حصل عليه من نعم.. وفضل حياة التقشف في مربطه الأول..
تكرر الحال، وسار على هذا المنوال.. حتى يئس منه صاحبه.. عقد هذا الصاحب اتفاقاً- ودياً مع جدتي.. على أثره أصبح فيها حمارنا سيداً في عرينه.. يأتي مربطه في دارنا، حالما تنتهي مهامه..
درج الصاحب على حمل العلف إلى دارنا.. تقوم جدتي بدورها في إقناع الحمار على الإتيان بوظيفته، لدى الرجل.
متلهفاً: أين هو الآن.؟. قالت: في مربطه، في التبان.. سرعان ما قفزت.. دلفتُ التبان.. كان منظراً رائعاً.. نهق الحمار واستدار ناظراً إلي، رافعاً شفته العليا، كتعبير ضاحك منه..
للمرة الأولى كان بيننا سلام وربت… وبكيت.. همست في ذاتي.. حمارنا وطني مخلص متعصب شوفيني – (حسب التعبير المتداول لدى مروجي الانبطاح) – ها نحن تركنا الدار، وهو يرعاها..
عندما أتذكر حكاية حمارنا في أيامنا.. تتداعى إلي قصيدة محمود درويش، مكيفاً إياها، قائلاً فيه: لماذا تركت الحمار وحيداً يا أبي، والدار..






