
لقد بدأت بالانخراط في الشأن العام و العمل السياسي منذ عام ١٩٨٦ وكانت نشاطاتنا سرية لذلك حتى أهلي لم يعلموا عنها.. حتى جاء عام ١٩٨٩ الذي شهد سقوط جدار برلين و سقوط أنظمة من أعتى الديكتاتوريات في العالم مثل نظام تشاوشيسكو في رومانيا.. و ذلك أعطى دفقة أمل كبيرة حينها دفعتنا لممارسة بعض نشاطات شبه علنية.. فعلمت والدتي رحمها الله فأقامت مناحة كبيرة و كلمتني بشكل عاطفي مبالغ فيه من التخويف من بطش النظام و اختراقه للمجتمع و عددت المعتقلين من أقاربنا و معارفنا و ما تركوه من مآس و آلام لأمهاتهم و عائلتهم…
لا أريد أن أقول أن كلامها لم يؤثر في، بل كان أكبر كابح لي من التورط في كثير من النشاطات غير المحسوبة.. لكن في نفس الوقت لم يقنعني بترك العمل العام و النشاط السياسي، فلما استيأست مني طلبت من والدي رحمه الله أن يقوم بالمهمة.
أخذ الموضوع بكثير من الهدوء و طلب مني أن نتمشى في الحقول المحيطة بالمدينة بعيدا عن الناس و بعد التمهيد سألني صراحة إذا كنت منتميا لأي حزب أو حركة سياسية معارضة؟
لم أجب، فقط اكتفيت بالصمت
استرسل قائلا: أنا معارض لهذا النظام منذ تأسيسه منذ تموز ١٩٦٣ (طبعا فهمت أنه يقصد منذ انقلاب البعثيين على التيار القومي) و قد حاولنا و كنا أكثر منكم عددا و عدة دون فائدة… هذا النظام ممكن من قبل كل الأطراف الفاعلة في النظام الدولي “أمريكا و أوربا و روسيا و اسرا@يل.. و كذلك تمكن داخليا بشكل كبير بتفكيك المجتمع و البطش و التنكيل دون حساب.. لذلك لا يوجد أي فائدة من المعارضة السياسية المباشرة لأنك سوف تدفع ثمنا غاليا على الصعيد الشخصي و العائلي و لن تحقق شيئا يذكر على الصعيد العام.. المعارضة الآن هي ان تحافظ على نفسك و عائلتك و ان تحافظ على نظافتك و مبادئك.. أما العمل السياسي المباشر لا جدوى منه و لن يؤثر أبدا في النظام بعد تجذره و هيمنته على الدولة و المجتمع…
و لا أذكر أنه في نهاية الحديث قد طلب مني أن أقلع عن النشاط السياسي، لقد ترك القرار لي هو فقط وصف الواقع السياسي كما هو او بشيء من المبالغة المعقولة..
لا أعرف لماذا خطرت في ذهني بعض مقاطع قصيدة قارئة الفنجان
لكن سماءك ممطرة و طريقك مسدود.. مسدود
فحبيبة قلبك نائمة في قصر مرصود
من حاول فك ظفائرها مفقود مفقود
…
ليلتها كتبت المقطع الاول من قصيدتي في معارضة هذه المعاني.
عرضتها بعد أيام على صديق لي و هو شاعر و كان يبدو لي وقتها ان توجهه الديني معتدل لكنه بخس من القصيدة و قال انها ضعيفة و سيئة… و لم أكن أعلم وقتها أن داخله مارد من التشدد الديني المتطرف و أنه يكره نزار قباني ويعتبره شاعر المجون في العصر… و لكن رأيه وقتها سبب لي الكثير من الاحباط لأنه كان متمكنا من اللغة و العروض.. و بقي مطلع القصيدة يتيما لأكثر من سنة عندما أكملتها آواسط عام ٩٠
كم كنت أتمنى أن يمتد عمر والدي ليرى القصر المرصود و هو ينهار مثل كومة رمل ليكون هباء منثورا و ليرى الطريق المسدود و هو مفتوح كالكف الممدود…
لكن القدر سمح له أن يشهد اندلاع الثورة الشعبية.. و لم يسمح له بمشاهدة يوم النصر.. رحمه الله وعوضه الجنة.






