حكايات قريتنا – الجزء التاسع

د.عيسى بن ضيف الله حداد

التزود بالطاقة

كدور أساسي في منظومة الاقتصاد المنزلي: جرى التموين في مواد الطاقة على نسق يغطي الاحتياجات على مدار العام.. للبعض منها دور موسمي، يتطلبه الفصل الشتوي.

 من أجل تموين الوقود لمدفأة الشتاء الحديدية، ذات القساطل الصاعدة، حتى فتحة المخرج المهيأة لها في سقف الحجرة العليا. للبعض الآخر دور شبه يومي، لتشعيل النار في فرن الدار. استنبط الناس في منطقتنا طرائق فذة لتوفير الوقود لإنتاج الطاقة.. اعتمدوا على المواد القابلة للاحتراق المتوفرة في البيئة المحيطة، من عيدان القمح والشعير والأشواك اليابسة وفضلات الحيوانات الجافة.

القصل – استعملوا سيقان الشعير والقمح بعد عملية الحصاد وما تلاها من هرس (الدرس في التعبير الرائج)، بعد فصله عن التبن يعطي ” القصل “.

الجلّة – عملوا على تجفيف بعر الماعز والغنم والجمل. من روث البقر صنعوا الجلّة..

والجلّة، مكونة من خليطة ممزوجة بالتبن والقصل، تُصنع منها كرات مفلطحة تلصق على الجدران الداخلية بفناء الدار، حال جفافها تنتج ” الجلّة ” مصدر الطاقة الرئيسي في حوران.

بما يشبه تقاسم المهام، بقيت المواد المنتجة للطاقة التقليدية، من جلّة وبعر وقصل.. تحت حماية واهتمام جدتي.

اعتادت جدتي أن تقوم بكل ما يتطلبه الواقع، من جمع وصن، وخزن في منشأة الخشة الملاصقة لمنشأة الفرن.

وللحصول على البعر وروث البقر، مواسم وفصول يدركها صاحب الشأن بها، يقع معظمها في أسابيع من الربيع والصيف والخريف.. اعتادت جدتي اصطحابي معها، في حملة البحث المضنية عنه، عبر الحقول والبيادر والشعاب والسهول والروابي الصخرية، فالبقر حين يرعى أعشابها، يترك آثاره عليها، والماعز والغنم والحمار والجمل، هي تأخذ وتأكل وتعطي..

كنا نزود أنفسنا بحاويات مصنوعة من قش القمح، لوضع ما نعثر عليه من روث.

لم نكن وحدنا في هذه الحملة.. الصبايا بدورهن يتقاطرن، يتسابقن لجمع البعر والروث. كنت أو بالكاد الصبي الوحيد في هذه الحملات. مازالت شقيقتي صغيرة لتقوم بهذه المهمة العسيرة.. يتضاحكن الصبايا ويتغامزن من وجودي بين حشودهن.

ولكم من مرة شاهدت شجاراً بين صبايا، يصل في حدته إلى شد شعر الرأس والقذف بأقذع ما يتداول من سباب، ولا بأس في ظل هذا الصخب أن يتم التطاول في السب على الرب وعلى الأم والأب.

أمام هذا المشهد، كنت أضحك بدوري وأتمتع بثأري، بعدما كنت موضوعاً للغمز واللمز..

ذات مرة قلت لجدتي: ما الذي يدفع تلك الصبايا لمثل هذا العراك: تقول: ألا ترَ، أن الروث عزيز على النفس، فهو مصدر النار للتدفئة وصنع الخبز في الدار.

بابور الكاز: حل بابور الكاز في أعمال الطبخ الأكثر حداثة.. اقتناه مَن اطلع على شيء من شؤون المدنية الحديثة كأبي وأمي.

لم يكن بوسع هذه الأداة المستحدثة الحلول كبديل كلي عن الأساليب التقليدية، في إنتاج الطاقة. كما لم يتعمم استعمال هذه الأداة لدى جميع الناس.

اللافت في الأمر، أن بابور الكاز اتخذ مكانه في العليّة، أي القسم الأحدث في الدار.. تخصص في تشغيله أبي، لكونه يحتاج لجهد عضلي وفني.. عليه أن يقوم بدفع أداة رفيعة في معبر لها يصل لقاعدته الاسطوانية الحاوية على زيت الكاز.. ليتدفق السائل منها بانتظام نحو فتحة في رأسه..  كي تسهم في إشعال هذا الرأس، المسلح بدوره في شبكة معدنية، يجد إناء الطبخ مستقره عليها.. تعهد هذا البابور بأعمال تحضير أطباق الطعام المستحدثة التي أتقنتها أمي..

من دواعي الدهشة، لم يكن مثل هذا التقاسم بالاهتمامات بين جدتي وأمي وأبي، يجري وفق تنظيم مسبق، إنما كان يجري على نسق عفوي، من دون تداول فعلي.   لكم تدفعني تلك الفعاليات بمجملها وتفاصيلها، كي أقف متباهياً مع معجزة جداتنا اللواتي حوّلن مواد الطبيعة المتاحة لهن، إلى مواد أساسية من ضروريات الحياة..  [أمين يوسف- على سيرة الجله والقطار. نحن أهل حوران يجب أن نفتخر بهذا لما لهذه القصة من دلالات تعبر عن فزعة اهل حوران. فعندما حاصر المستعمر الفرنسي فيصل الأول وتخلو عن عهودهم معه في الاستقلال ورفضه الشروط الفرنسية تم نفيه فأراد ان يسافر الي الحجاز وكانت الوسيلة هي قطار الحجاز وأرادوا أن يذلوه وقد كان رمزا عربيا فقد أمر المستعمر الفرنسي من خلال موظفيه بإغلاق محطات الوقود وكان وقتها الفحم فما كان من اهل حوران الا جمع الجلة من البيوت وإمداد القطار بها ليصل بالملك فيصل مبتغاه ويخرج من سوريا. وكانت الحادثة في محطتي محرجه وازرع على ما اظن وهذه القصة يعرفها الأجداد وكانوا يتناقلونها وسمعتها في أكثر من مناسبه. = مفخرة..]

ولكم أسخر بدوري من سماع ذاك التعريض الساخر بأهل حوران، حين يقال – “حوران بدها حقوقها.. بدها ترين يمشي على الجلّة “وأين نحن من هنّ.. جداتنا، في عصر بترولنا…!

وأنتم يا سادتي، أين أنتم من جداتي، أين أنتم في مدنيتكم، ومدنكم، وبترولكم، من عبقرية وقيم وأخلاق جداتنا…!

آه يا جدتي، حينما أتذكر في صقيع يومنا، كيف بنيت وجيلك من خامات تلك البيئة الجرداء، نبض حياة…! كيف شيدت وجيلك من مواد منتمية للطبيعة اقتصاد الاعتماد على الذات.

عندما أرى هذا النحن في عصرنا، بما نملك من معارف وما لدينا من طاقات، نعيش في حالة مريعة من ارتهان الذات…! أ قول يا جدتي، بل دعيني يا جدتي أهمس في ذاتي، أجل ” من استحى ولّى ومات “..

🛑

حكاية الخبز– وله دوره الأساسي في منظومة الاقتصاد المنزلي.

من أجَلّ الأعمال المنوطة بجدتي وأهمها صناعة الخبز. حيث تنطعت لتدبير شؤونه من ألفه إلى يائه. من تحضير العجين والوقود إلى تنظيم وضع الفرن كجاهزية قابلة للشغل..

تتكوّن المادة الأولية لصنع الفرن من الطين الغضاري المحروق بالنار. يتخذ الفرن شكلاً مخروطياً أسطوانياً قاعدته أوسع من قمته، له فوهة عليا واسعة وظيفتها السماح بإدخال اليد..  من الأمام يتسلح بمدخل بهيئة القوس، مهمته احتواء الوقود للتزود بالنار.

يحتل هذا الفرن مركز المنشأة – وهي ما يشبه الحجرة.. يحيط به من جوانبه حلقة دائرية منخفضة عنه، تحيط به كأنه قلعة محاطة بخندق. في جانب منه مرتفع بسيط متواضع بوضعية قابلة، كي تشغله المرأة “الخبازة “. والمهمة تلك منوطة حصراً بها.

عملية تحضير الفرن للشغل تمر على مراحل: أولها، تطويقه من جوانبه في عشية النهار برماد حار مشحون بمسحوق ” الجلّة “، ليحافظ على حرارة ما طوال الليل، تدعى هذه العملية” تزبيل ” الفرن.

في الصباح التالي، يتم إشعال النار في فوهة المدخل، باستعمال مزيج من الوقود المكوّن من ” الجلّة والبعر والقصل “. حالما تؤدي هذه النار إلى احمرار الوجه الداخلي للفرن، تعمل الخبازة على تشكيل صفائح دائرية من العجين الطري، تدخله بيدها الرشيقة في جوف الفرن.

تعيد الكرة مرة بعد مرة، حتى امتلاء المساحة المخصصة، ليخرج منها في نهاية المشوار الرغيف الشهي.

تمتلك النسوة من الخبرة، بحيث يمكن لها تجنب حرق اليد، التي تمتد بسرعة وبمهارة إلى جوف الفرن- المحمر من شدة الحرارة..

لقد اكتسبن مقدرة ومهارة في تنظيم تواصل العملية، بحيث تخرج الأرغفة حسب مقتضيات الطلب.. دونما إيذاء اليد..

تنطعت جدتي للقيام بكل هذه المهام، من عملية عجن الدقيق وتحضيره في المساء.. ولأمي دور مكين في تحضير العجين بين حين وحين.

احتل فرن الدار موقعاً مركزياً، لا لدارنا فحسب، بل لنسوة الحارة. كن يحضرن بدورهن لخبز الخبز، كل بدوره.

تأتي عملية الخبز هذه وفق سيرة احتفالية مرفقة بطقس عزيز الثبات، تبادر عبره النسوة في كل مرة، يقمن به وهن خارجات وعلى رؤوسهن حاويات من القش العامر بالخبز الساخن، على دعوة المارة أي كان لتناوله، قائلات: ” تفضل: يا أبو أو يا أم أو يا فلان- حسب المقام والعمر – الخبز ساخن.. “

أضفت أهمية الخبز وطقوسه وزمن تحضيره، على الفرن مظهراً اجتماعياً فريداً، من حيث كونه موقعَ لقاء للنساء، يتبادلن فيه الحديث والأخبار والحكايات والنميمة على الأخريات. ولكم من زيجات تمت في حضرة هذا الفرن العزيز على جدتي.. ولكم أنتج من وشايات، وشتائم، ومهاترات، بقيت أغلبها لحسن الحظ في حدود السيطرة، لم يرتقِ قط إلى مصاف المشاجرات. كانت ثرثرة النساء وأخبارهن مثار فضولي، مما دفعني للتحايل لمد أذني لسماع بعض من حكاياتهن.. كنّ في الغالب، لا يلحظن حضوري قربهن.. ربما شفع لي صغر سني، وهونّ لهنّ شأن تجسسي.

كنت ألمح في جدتي سعادة غامرة في تأديتها لخدماتها لجاراتها، كأنها تفعل ذلك لذاتها ولذويها.. آه ما أروع الإنسان، حينما يعطي بفرح وبلا حساب، دونما انتظار لثواب…!

🛑

جدتي والحصاد

دأبت جدتي أن تقودني أيام الحصاد، للقيام بالتقاط سنابل القمح المتروكة وراء زحف الحاصدين. كان ذلك تقليداً سائداً لمارسه مَن لا يزرع لسبب ما.

بعد رجوعنا من حيفا هجر أبي مهنة الزراعة. مارس أعمالاً تجارية بسيطة، في مجال المواشي وبذور السمسم، مكتفياً بزراعة الحواكير القريبة من دارنا بأنواع من الخضراوات الصيفية.

اعتاد الحصادون على الخروج مبكراً، وأحياناً في الهزيع الأخير من الليل، على ميقات صياح الديّك الأول، يحملون فوانيسهم لتنير لهم طريق زحفهم وراء أرتال القمح التي تتهاوى رويداً، رويداً، وراء ضربات مناجلهم أو قبضات أيديهم القوية.

درجوا على محاولة إتيان القدر الأكبر من برنامج عملهم اليومي قبيل الظهيرة، هرباً من هجير الحر اللافح الذي يشوي الأبدان.

أنا وجدتي والآخرون من أمثالنا، نخرج فجراً، حالما تكون الرؤية ممكنة، لالتقاط سنابل القمح التي قيظ لها أن تنجوا، بعدما أعانها الليل من زحوف الحاصدين.. وما كان لنور الفوانيس الضئيل، أن يقدم لهم العون الكافي، على لم شمل كل سنابل القمح، في أغمارهم المتروكة خلفهم، كجثث الجنود بعد معركة طاحنة..

حلّ النهار بنوره، لتقع هذه السنابل فريسة سهلة في أيدينا. كنا نمر بين الأغمار دون أن نمسها، ولا رقيب علينا. جل اهتمامنا التقاط سنابل القمح المتساقطة.. والعابرة بغفلة عن أعين الحصادين، وضربات مناجلهم.. للقرية أخلاقياتها الراسخة كقوانين في تربتها.. في ظلها لكل دوره في معركة القمح، من الحصاد إلى الالتقاط. قيم الناس وشيمهم، الكفيلة بمفردها، لوضع الخطوط والحدود بين الحاصد واللاقط.

طفقنا نجمع سنابل القمح رزماً رزماً – جُرزاً كما تسمّى، نوثقها ربطاً برباط مكون من عدد من سيقان السنابل. حالما تداهمنا ضربات الشمس اللاهبة، نعود أدراجنا إلى دورنا محمّلين بما جنيناه.

على هامش موسم الحصاد، يتحين الجميع الفرصة السانحة، حالما يزف يومه الأخير.

في هذا اليوم المسمّى ” يوم الجوارع ” تصبح القطعة الأخيرة، مباحة حلالاً زلالاً لكل ما هب ودب، ولكل امرئ ما حصد.. ولمن يشاء، له أن يمارس طقس الهجوم المثير على الخندق الأخير من حقول القمح، وهم يهزجون بأغاني النصر الكبير، إيذاناً بنهاية فصول معركة أخيرة..

عرس الأرض هو.. يجد الجميع مكانهم فيه، عبر تفاعل حي احتفالي وطقوسي مع الزرع والمواسم.. كنت وجدتي نمارس بفرح غامر، هذا الطقس الآسر..

 🛑

فن تعيين الوقت لا تقتصر مهارات جدتي وجيل الجدات وناس القرى، على توظيف العناصر ومواد البيئة وتحويلها لتصير طيعة لتغطي كل ما يلزم، إنما قد تم الاعتماد على ظواهرها في فن تنظيم الوقت.

فالليل إذا سجى، يُرى في صياح الديكة مقياساً وأساساً لتنظيم الوقت والاستيقاظ للقيام بالأعمال، كالحصاد والسفر في زمن الصيف القائظ.. -وما برح الديك يصيح بانتظام وعلى مراحل ثلاث وفي فواصل كافية التباعد ومحددة بدقة.

لكل ظواهر الطبيعة دورها في تعيين الوقت: نجمة الصبح في أواخر الليل، وبزوغ الفجر وشروق الشمس والصباح والضحى والظهيرة وبعيد الظهيرة والعصر وغياب الشمس.

يتسم هذا التقسيم المتسم بعلامات في تحولات الليل والنهار، بكثير من الضبط والإتقان، وبتلاؤم فتان مع البناء البيولوجي للإنسان، من حيث قد اعتداده منذ الأزل ولم يزل.

 أليس الكثير من ظواهر فيزيولوجيا جسد الإنسان ومظاهر النفس فيه، تتأثر بتبدل المسار، أثناء الليل والنهار…! [ من المؤكد، أن النظام الخاص بتنظيم التوقيت اليومي والفصلي والسنوي كان معتمداً منذ أقدم الأزمان، وجاء إلينا في ريفنا متوارثاً مذ كان، فعلامة صياح الديك كمعلّم للتوقيت، كانت قائمة منذ أقدم العصور، توارثها الآباء عن الأجداد من قبل الميلاد، ففي الإنجيل المسيحي أتى الآتي ” أقول لك يا بطرس لا يصيح الديك اليوم قبل أن تنكرني ثلاث مرات أنك تعرفني “-لوقا 22/34 .]

وللمواسم في تتاليها على مدى العام مقياس وميعاد، كميقات الحصاد والبيادر بعد الحصاد– في موعد درس القمح وفصله عن تبنه وقشوره. وحلول الربيع وبزوغ العشب من الأرض، وظهور السنابل، ونضوج العنب والتين.

الجدير بالبيان، أن كلمة الربيع بحد ذاتها، تعني للفلاح في حوران، نماء العشب، والعشب بذاته..

في توالي السنين، كثيراً ما يلجأ على طريقة الأقدمين، إلى تعيين حدث كبير، كان قد ترك بصماته في الذاكرة الجماعية للقرية..

بدوري وتقليداً مني للكبار، كنت أطالب جدتي أن توقظني في مواقيت صياح الديك، عندما يعنّ لي القيام بعمل ما، كمراجعة دروسي.

لم تطبق جدتي ذلك إلا لماماً، قائلةً: عليك أن تنام جيداً يا ضناي، أمامك متسع من الوقت لمثل هذا العنت..

🛑

مع الطقس والمطر

كانا جدتي وأبي من المهارة بمكان في تعاملهما الحي مع الطبيعة.. لهما قدرة فائقة في قراءة أحوالها ورصد تحولات مناخها، والتنبؤ بمعرفة تبدلات الطقس فيها. يدركان في أغلب الأحيان وضع الغد، عبر النظر في الأفق، أو بعلامات تبديها السماء وغيومها، أو من منحى هبوب الريح. كانا يحرصان في الشتاء على تفحص السماءـ لعلها تحمل الخير والمطر والنماء.

في أشهر الصيف، دأب أبي وجدتي على قراءة ما يحمل الغد، من ندى في الصباح ومن نسائم للمساء، وكل ما من شأنه تلطيف هجير الحر والقيظ.

للمطر في قريتنا وريفنا منزلة قدسية، هو راعي الخير والنماء، من دونه تجف الأرض، وتبقى البذور دفينة التراب والبركة تفقد بِرها و بَرَكتها- الماء.

حينما يأتي الشتاء، قالباً ظهر المجن لآمال الناس ورجائهم، يحل الهلع في قلوبهم، فما زالت في ذاكرتهم سنوات المحل العصيبة، يتردد صداها في حكاياتهم الكئيبة..  إن أصرت السماء على سخطها، تخرج مسيرة لاسترضائها لعلها تفرج عن مائها.

ذات مرّة، قيض لي أن أشهد مسيرة الاستسقاء عن كثب: في ليلية حالكة من ليالي الشتاء القاحلة- قُرع جرس الكنيسة، قادتني جدتي إلى ساحتها، الخوري في المقدمة ملوحاً بمبخرته، داعياً رعيته للتضرع لرب السماء… تلاه نفر من الرجال، فأرتال من النسوة والصبايا والصبية يحملون المشاعل.

شرع الجميع في ترديد ترتيل كنسي، تجولوا في أزقة القرية وبيادرها.. انتهت المسيرة في منتصف الليل، كما بدأت، في ساحة الكنيسة.. عاد الجميع إلى مأواهم، وهم يحلمون بغد منتظر يعمه المطر.

في الأيام المطيرة، يخرجن الصبايا للاحتفال بهطول المطر، يتجولّن جماعات أو فرادى، في الحقول القريبة والبيادر، منشدات، راجيات انهمار السماء بأنهار من الأمطار، مرددات أغنية مطرية:

يالله الغيث يا ربي               تسقي زرعينا الغربي

تسقي زريع أبو منصور        يللي نايم بالكروم

لا عجب، إن ظهر للمطر، أسم آخر كالغيث، لكونه الغوث للأرض والناس على السواء.

بدوري احتفل بطريقتي مع المطر، كنت أخرج وحدي وأحياناً مع جدتي، إلى حاكورتنا القريبة من دارنا، متسلحاً بعصاي ذات المقدمة الحادة، لحفر قنوات صغيرة تمهد لجريان الماء من البقع المائية المتجمعة بين الصخور لتروي التربة في أرض الحاكورة.. لم يكن لفعلي ذات جدوى، إنما كان يرضيني. هو طقسي وكفى.

ذات يوم مطير، خرجت وعصاي وكلبنا وحمل صغير كنت أحبه، إلى الحاكورة لممارسة طقسي المطري.

على نحو فجائي لفت نظري في أرض الحاكورة على حيوان له هيئة كلب، بدون تردد نحوه قفزت، وجريت وراءه، بسرعة مذهلة تسلق الجدار الحجري للحاكورة، وكان على علو، زلت قدمه، سقط أرضاً.. ناولته بعصاي ضرباً، نهض لتوه واستدار نحوي فاغراً فاه، جال في خاطري غرز العصا في فمه.

في تلك اللحظة الحرجة وعلى حين غرة وفي غمرة تسديدي لهذه الضربة، اندفع كلبنا لنجدتي وفوت عليّ الفرصة، وعطل عليّ استعمال عصاي، منع عليّ عراكهما تسديد ضربة أخرى.

أدار الحيوان ظهره وأطلق ساقيه للريح.. مختاراً توجهاً سهلاً، لا جدار فيه.

لم تجد نفعاً مطاردة كلبنا له، وقد عاد بخفي حنين.. نظرت فوجدت قطرات من الدم على أرض المعركة، عرفت فيها فعل عصاي.

عدت لداري، رويت الحكاية لجدتي، فصاحت ” حذاري، لا تفعلها ثانية، حذاري، أنه الذئب، وهو خطر “.

وإذ كنت آنئذ في الثامنة من عمري، همست نفسي لنفسي، وقلت ” لا بأس أنك صاحب قوة وبأس..”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى