حكايات قريتنا – الجزء العاشر

د.عيسى بن ضيف الله حداد

السكان “الأطفال والعائلة ولهو الأطفال وأفراح القرية”

أطفال وعائلة

لم تكن حياة الأطفال في قريتي مكرسة بكليتها لحياة الطفولة وحدها.. للأطفال وأنا من بينهم، أعمال ومهام على قدرنا. كنا نقوم بهذه المهام برضا تام.. وإنه من العقوق بمكان التمرد عليها.

في المساء نساعد في تقديم العلف للحيوانات، حالما تؤوب إلى الدار، بعدما قضت النهار تحت رعاية الراعي البدوي، متجولة في الحقول والبراري..

نقود الحمار والأبقار والبغال والأحصنة والجمال إلى البركة لشرب الماء.

حينما تحين مواسم الحصاد لنا دورنا.. من أهمها، قيادة الجمل المحمّل بأعمار القمح إلى البيدر.. بعدما تم تحميله في حقول الحصاد. يجري التحميل بطريقة محكمة، بحيث تتدلى بشكل متوازن على طرفي ظهر الجمل، وقد غطى سنامه منشأة خشبية مبطنة بلباد يتخذ صفة الغطاء الحامي لظهر الجمل من الأذى (الشاغور). على طرفي هذه المنشأة، تتدلّى أكداس القمح المحكمة الربط بالحبال بإحكام..

لا يقف دور الصبية عند هذا الحد.. في أزمنة مواسم البيدر، للصبية الكبار دورهم الهام في عملية ” الدرس ” المؤدي لفصل حبات القمح عن سنابلها، وسحق القش برفقتها.

يجري هذا العمل بفعل اللوح المعد، المزود في وجهه الأسفل برؤوس معدنية صغيرة، مربعة الشكل، بحجم قبضة اليد.

يرتبط هذا اللوح في مقدمته مع حبلين متصلين بأداة خشبية مبطنة بقماش سميك، تحيط بشكل زاوية بعنق البغل أو الحصان، مفتوحة من الأسفل (المسمى بالكدان).

يقف الفتى على منتصف اللوح وفي يده ” مقرعته”، متمسكاً بطرف الحبلين المتحكمين بحركة البغل، الذي يعدو مسرعاً في مسار دائري على حلقة أكداس عيدان القمح الدائرية الشكل بدورها.. وللمقرعة تلك (بمثابة سوط)، دورها في تسريع حركة البغل.

للصبية مشاركة فعالة بكل الأعمال المنزلية التي يمكن لصغار السن القيام بها، كحراسة القمح المسلوق للبرغل واللبن المجفف ومادة الكشك الطرية وحمايتها من غزو القطط والعصافير.

تمتد اليد إلى أعمال طحن الدقيق، وجلب الماء على الحمار، حالما يستلزم الحال.

خصني أبي بمهام، من دون إخوتي، في مرافقته إلى سوق ” خربة غزالة ” للبيع والشراء، معتقداً في كوني أحمل له الحظ.

تُعرّف هذه البلدة باسم المحطة، يعبر منها القطار الحديدي الحجازي القادم من عمان ودرعا إلى دمشق وحلب. تبعد بلدة خربة غزالة عن قريتنا زهاء عشرين فرسخاً.

يتمتع سوق المحطة بأهمية خاصة. يؤوبه الفلاحون من القرى المجاورة، حاملين معهم ما يرغبون من بيع أو باحثين عن شراء مقتنيات.

يعرض هذا السوق كل ما يمكن أن يتخيله المرء، من لوازم وحيوانات ومقتنيات وأرزاق في ذلك الزمان.

يختار أبي التسوق صيفا. ننهض مبكراً على صياح الديك.. الظلام يغطي الكون.. نسلك الدرب الترابي الذي خطه الناس منذ القدم بأقدامهم، بعدما تم تمهيده لاحقاً ليصلح كطريق للحافلة التي لم تكن بعد قد اعتادت على زيارة قرى المنطقة بانتظام.

يعبر هذا الطريق تخوم العديد من القرى التي تفصل بين قريتنا وبين خربة غزالة.

كنت أمتطي حمارنا الأبيض العنيد، الحمار القبرصي، الشموس، كما يدعوه أبي، أي القوي والعصبي المزاج، أطاح بي هذا الحمار أكثر من مرة.

اعتاد أبي على السير بجانبنا أنا والحمار، كأنه يحرسنا، مدمدماً بأغانيه المفضلة، كأنه يحارب بها ظلمة الليل ووحشة الطريق، متحايلاً على الزمن بصوته الرخيم.

يتسلح أبي بعصا غليظة وخنجراً يخفيه في زناره، محاذراً مهاجمة الضباع والذئاب.

لكم هاجمتني الغفوة على حين غرة، وأنا على ظهر الحمار، فيسندني أبي.

لم أكن أشعر بالرهبة. لم تخطر ببالي آنئذ عوالم جدتي بضباعها وغيلانها… أليس أبي معي…!

ذات مرة، لمح أبي الضبع يتجوّل بين صخور تلك الرابية (الرُقّة)، الجاثمة على يمين الطريق.. استعد أبي له.. بتكديس قطع من الحجارة القوية على الحمار، قال لي لا تخف.. لن يأتِ.. لم يقترب الضبع منا.. واصل سيره مبتعداً.. نحو الطرف الآخر من الرابية.

في سوق المحطة، تجري عمليات البيع والشراء وفق طقوس متعارف عليها.

بعد فحص البضاعة والمساومة على السعر، يمسك الشاري والبائع كل منهما بيد الآخر، وتبدأ عملية هز الطرف العلوي المقبوض عليه بكليته، مع القول بصوت عالٍ، على مشهد من جمهرة تراقب العملية ” بيع بيع ” حتى يبيع..

حال انتهاء المهمة، نشد الرحال إلى القرية. ها هي الشمس علت قبة السماء، أبت إلا أن ترافقنا بأشعتها التي لا ترحم، يداهمنا العطش.

لحسن الحظ، اعتاد فاعلوا الخير على نصب منشأة صغيرة من الطوب، تحتضن في جوفها خوابي الماء على جانب من الطريق، لري السابلة.

كنا نؤوب الدار، محملين بما قدره لنا النصيب- حسب قول أبي.

🛑

أطفال ولهو

بعد انتهاء موسم الحصاد، تفرج البيادر عن محاصيلها. ينطلق الصبية إلى لهوهم.  نمارس لعبنا بما يحلو لنا، لا يردعنا رادع، نقفز كالقردة في الأزقة – كما يسموننا. نشتم بحرية كل من يعترضنا. نتسلق جدران الدور كالعفاريت. نقفز فوق سطوح المنازل. نعبث في البيادر.

أجل، الحاجة أم الاختراع، الصبية قادرون على التكيف مع كل الأوضاع.. لم تكن تعوزنا المهارة في تحويل الأشياء البسيطة إلى لعب، أو تشكيل فرق تتبارى بكل أنواع السباق أو أشكال من التحايل في الاختفاء.

للطفولة إبداعاتها ومهاراتها.. نجعل من الخرق البالية كرات نقذفها بأرجلنا، نحوّل صفائح التنك العتيقة أو العظام التي نعثر عليها في الأزقة إلى جِمال، نقوم بربطها بحبال نصنعها من خرق بالية، ونمرر الحبل من بين ساقينا.. لكي نوهم أنفسنا أننا نمتطي الجمل.

لا غرو من تعلقنا بالجمل.. ألم يكن عنوان النقل ورمزه الباقي في طيات العقل…!

في أطوار أخرى، حوّلنا صفائح التنك إلى سيارات، ولاسيما قد رأينا سيارة ” أبو صبري ” تأتي كل مساء من دمشق أو درعا.

لم تسلم سيارة ” أبو صبري ” من عبثنا..  نعلم عن ظهر قلب طريق سيرها، ومواقع المنحنيات التي تضطر للتباطؤ بها.

من خلف الأكمة الصخرية المحاذية للمنحنى نكمن لها، نقفز عليها لنتعلق على السلم الخلفي ونبقى عليه جمعاً حتى المنحنى الآتي، لتتوقف فيه رحلتنا.. نطلق سيقاننا للريح فرحين متهللين بانتصارنا.

في يوم ما ضاق “أبو صبري” ذرعاً بنا. خرج عن طوره، هبط من حافلته، محاولاً دون جدوى اللحاق بنا، وأنّا له ذلك، ونحن نملك سيقاناً تسابق الريح – كما يصفوننا.

في كل مرة يعود أبو صبري خالي الوفاض خائباً، مكتفياً بسيل الشتائم من كل الأصناف، التي تلعن الرب والأم والأب. تضحكنا شتائمه، لاسيما كانت مشوبة بلكنة كردية.

حالما نثور غضباً من شتائمه الوقحة، لم نأل جهداً منرميه بالحجارة، كنا رماة مهرة.

في يوم ما طفح الكيل بنا من شتائم ” أبو صبري ” قررنا معاقبته.. اهتدينا إلى وسيلة مبتكرة، قمنا فيها برجم الطريق بصخور كبيرة، من المترامية على جانبي الطريق.

اضطر ” أبو صبري ” للتوقف، وبمعاونة نفر من المسافرين عمل على إزالة الحجارة الكبيرة والصخور. كنا

نرمق المشهد من بعد آسفين وقد انتابنا تأنيب الضمير..

أدت تلك الحادثة وفق كيفية ما، إلى مصالحة صامتة بيننا.. هو اختزن غضبه.. ونحن أتعضنا.

البركة أيضاً لم تسلم من صخبنا، كانت مأوانا في حر الصيف اللاهب.. ” أم الصفا ” مربط خيلنا. نغزوها كلما شئنا.

نأتيها عراة من دورنا. نخفي عورة عرينا بسرعة جرينا..

وأين لنا من أردية السباحة آنئذ، ومن ذا الذي يعرف عنها شيئاً.. لم يكن بيننا من يرتدي ثياباً داخلية. كان لباسنا مجرد قطعتين لاصقتين ببدننا: السروال الأسود على النصف الأسفل من الجسد، والقميص في النصف الأعلى منه.. وكفى.

في القرية رؤية العورة مستهجنة في كل الأمكنة، بيد أن للبركة قوانينها، ها هي قد أباحت لنا الرواح والإياب حفاة، عراة.. ولا من معيب.

في البركة نأخذ مجدنا، نقفز بلا حذر، نعبث في الماء كما نشاء، نتقلب بين الطحالب الخضراء.. تشاركنا في لهونا الضفادع والسلاحف وأفاعي الماء.

لم تكن تلك الأفاعي ترعبنا، قيل لنا، أن سمومها تتجمد في الماء، فصدقنا وتناسينا الخطر، لم يمسنا إي ضرر.

أجل- كان لطفولتنا طقوس وقوانين لا تعرف الوجل ولا الخجل.

 🛑

أفراح في القرية

أفراح قريتي في أعراسها.. بعد الحصاد وانتهاء موسم البيدر، يتفرغ ناس قريتي لأفراحهم، في زواج أبنائهم وبناتهم. تواصل النسل هو الأصل “ومن خلّف ما مات “

مذ عرفوا ذواتهم، هيمنت على ناس القرية تقاليد مرعيّة، يعبر على وقعها رباط الزواج.

كان أمر الربط يتم إلا فيما ندر، بين الأهلين. للنسوة فيه بين الطرفين الدور الحاسم، تتدخل فيه الأمهات، والجدات، والعمات والخالات. ولكم من الزيجات قد عبرت أمام ناظري في ملتقى فرن جدتي.

يأتي أهل العريس ” يطلبون يد العروس “، يتنطع فيه الرجل الأكثر مهابة وبلاغة دور المتكلم، يختار فيه أفصح ما لديه من عبارات منمقة، جرى تداولها من جيل إلى جيل.

لم يكن في قريتي لما يسمّى بالمهر شأناً يذكر، العبرة بالأخلاق والصحة والجمال والأهل وطيب المعشر.

بعد الاتفاق يجري التحضير على كل قدم وساق، لتعيش القرية كل القرية بهجتها على مدى سبعة أيام بلياليها.  تُشرع دار العريس أبوابها لكل الناس، صباح مساء من دونما استثناء.. تنظم فيها الولائم والدعوات على كل قدم وساق.

غداة اليوم الموعود، تنتظم سهرة لدى دار العروس، وسهرة موازية في دار العريس، يؤمها الآل والأصحاب، تسيطر فيها موسيقى الدف على الأنفس وتأخذ الصبايا بالرقص، ويأتي دور المجوّز لتدفع أقدام الفتية إلى الدبكة..

في اليوم التالي يأتي ميعاد الزفة. تبدأ في طقس غسل العريس والعروس، الفتى مع خلانه في داره، والفتاة مع أترابها في دارها أو دار عمها أو خالها.

تظهر العروس في حلتها البهية، الحناء لونت يديها وأقدامها هي وأترابها، تمتطي صهوة فرس مزركشة السرج، يتقدم عليها ثلة من الفتيان والفتيات مع دفوفهم وغنائهم، يتجولون في أزقة القرية، يُرش عليها من سطح كل دار، كمية من الحلوى ليلمها الصغار.

تصل العروس إلى الدار المنتظرة، تطبع أحيانا على مدخل الدار إشارة من كفها، في قريتنا تتمثل تلك العلامة غالباً بالصليب المسيحي.. أو بطابع كف اليد.

يُفتتح الحفل بأكليل العرس. يجري هذا الطقس وفق نسق لم يطرأ عليه قط أي تغير.

وراء العريس يقف شاهده (الإشبين، وهو من أعز الأصدقاء)، بدورها يقف خلفها شاهدتها (إشبينتها وهي من أعز الصديقات). قبيل نهاية هذا الطقس، يتلقى العريس وخزات خفيفة من الدبابيس، يقوم بها أقرانه وخلانه.. لتهدئة روعه، وتحريره من رصيد انفعاله.

لنا نحن الأطفال دوراً في جلبة حملة الوخز.. نعبر فيه عن حضورنا المهمل في ذاك المحفل.

في إثرها ينطلق العرس الاحتفالي من عقاله، وهات.. هات.. رقص وغناء ومشبك ودبكات..

للرجال الكهول والمتقدمين في السن لهم دورهم في البهجة.. على فحوى طريقتهم الخاصة، يصطفون حلقة يهزجون بأغنية مكونة من تعبير واحد أو بالكاد، على شاكلة ” دحو أو دحي “.. يمكن أن تكون على صلة بالحي ” الله “، تترافق هذه الأهزوجة بتصفيق سريع وشديد، ينطلق في الوسط امرأة أو امرأتان في رقص حلزوني سريع يدعى ” بالحاشي “. لا يستبعد أن يكون لهذا الشكل من الفولكور على صلة متوارثة أو مشتقة من التقاليد الصوفية.

يُقدم غناء منظم يسمونه الفن، يصطف فيه عدد من الرجال، نصف نسق، إهليليجي الشكل.. شبان وكهول.. يقفون جنبا إلى جنب.. الأيدي في الأيدي.. أول هؤلاء يترنم بأغنية ذات لحن خاص..  بين المقطع والمقطع يردد الآخرون اللازمة، المتمثل بمدخل الأغنية.. يسير النسق في سير هادئ منتظم على هدى لحن الأغنية.

الدبكة: تكاد تكون مختصة بالفتيان والشبان على إيقاع المجوز تتوجها الدلعونا، الحاضرة الانتشار في ريف المشرق العربي.

على وقع الدربكة والدف، تنطلق الفتيات خاصة بالرقص الخاص بهن.. يشترك الفتية في هذا الرقص المحتسب للفتيات.

أجمل ما يعرض يأتي المشبك.. يتشكل من حلقة مغلقة، يصطف فيها الفتيان والفتيات، واضعاً أحدهم ذراعه على كتف أو خصر الآخر، تدور الحلقة بتناسق مع نغم غناء جماعي منتظم، يطلع به نصف الحلقة مرة، ليردده النصف الآخر من بعده.

ثمة مقطع مازال له حضور في ذاكرتي نظراً لجرأته، لما فيه من إيحاء جنسي خفي، يقول: ” واني عشره ما بدي.. بدي الشلع من مرّة.. “.

أتذكر مقطعاً آخر يقول “مية السجن قدامك، قدامك ومفحج بسروالك يا ويلي.. [السجن – هي قرية السجن في جبل العرب يبدو أنهم كانوا يجلبون منها الماء في أزمنة الجفاف، الأغنية دعوة للنشاط والفعل ولفظ الخمول..] يتردد في المشبك الأغنية الذائعة الصيت ” ياعلّه ” يتم على نسقها الكثير من التقليد والتمديد المديد.

يتخذ العروسان موضعاً مرتفعاً، في صدر الحجرة أو ساحة الدار، يتقلدان في الآن لقب ملك وملكة.

كلما هم أحد بالدخول، كانا يقفان ولا يجلسان، حتى يشار لهما من قبل القادم بالجلوس.

كنا نحن الأطفال نرمق بشغف الفتيات والفتيان، لم يكن لنا من دور فاعل في هذا الحفل الساهر، الكل يبحث عن هواه، هو عن فتاته وهي عن فتاها، ما لهم ولنا.. رحنا نعبر عن حضورنا بأساليب مبتكرة.. حينما تنتظم حلقة المشبك، ويضع فيها الفتى والفتاة كل ذراعه على كتف قرينة، وتدور الحلقة صاخبة ومنتظمة مع لحن الأغنية.

كنا نتحين انشغال الجميع فيما هم فيه، من تنظيم نقلات أقدامهم وتفعيل أنغام أصواتهم، لنقوم بربط طرف ذيل المنديل الطويل المتدلي من رأس الفتاة على ظهرها، بطرف منديل قرينتها أو طرف حطة قرينها..

حالما تأتي لحظة افتراق الواحد عن الآخر عند الانتهاء، ليتجه كل إلى مجلسه.. فيتنحى منديل الفتاة عن رأسها وحطة الفتى عن رأسه.. يهيمن على الجميع موجة من الضحك والهزل.. كنا نفر بجلودنا، وقد أرضى غرورنا ما استطاعت أن تفعله شيطنتنا – كما كانت تسمى..

أقصى ما يحرك فضولنا نحن الصبية، هو ما يحدث في ليلة ” الدخلة “، الليلة الأولى بين العروسين، لنا فيها خيالات.. علينا ألا تمر هكذا من دون مشاركة عبثنا. نجمع شملنا ونتسلل بخفة العصافير الصغيرة، لنصعد سطح الحجرة السعيدة، ونضع أعيننا معاً في الفتحة الصغيرة المهيأة لمدفأة الشتاء.

لم يكن بوسعنا أن نرى شيئاً، الفتحة ضيقة والحجرة واسعة الأرجاء، وزحام رؤوسنا لا يسمح لأحدنا أن يجول نظره على وسعه.. وكيف بوسع أحدنا أن يرى والمصباح الزيتي الشحيح الضوء، قد تم خفض فتيلته…!

في نهاية الحملة، لم يعدم ظهور أحد منا ليحدثنا عما رأى، من فعل يسرنا، وحين ننكر عليه ظفره، كان يقسم أغلظ الإيمان وبالرب الديان.. ولا نصدق..

بعد الليلة الأولى ” ليلة الدخلة ” يأتي الناس زرافات ووحدانا لتهنئة العروسين، وقد فتحت الجنة مصراعها لهما.

درج أتراب العريس على الاختلاء به، لسؤاله عن مهارته في فض بكارة عروسه، وكم مرة كرر تلك الفعلة.. عشرة.. لا أكثر..

دأب العريس على رفع العدد، على غرار غيره.. أيكون أقل من فلان وفلان فحولةً ورجولة.. أليس الكذب ملح الرجال – كما يقال…!

أذكر مرة، ونحن نتزاحم حول الكوة على سطح الحجرة، لنحظى برؤية ما يهمنا.. في ظل تزاحم رؤوسنا، حدثت جلبة كبرى.. ولمّا شعر بنا أهل الدار، لذنا للفرار..   ظن الناس في الأمر لصوص.. اختلط الحابل بالنابل وصار الهرج والمرج.. وجدنا أنفسنا بين الناس، نبحث عن اللص.. سكتنا خوفا ولم نعد لها أبداً.

هل صحا ضميرنا، أم كبرنا في وعينا. الله أدرى بما ألمّ بنا…؟

🛑

على وقع الاقتران – لم يكن الاقتران يتم دوماّ وفق هذه السيرة بسلاستها.. حالما تظهر عرقلة ما من قبل الأهل.. يحقق العاشقان أمنيتهم عبر ” الخطيفة “..

يلجآن معاً إلى إحدى البيوتات من ذوي الشهرة.. يحظيان فيه على المأوى والـأمن والبحث المجدي عن حل ودي.. والتراضي سيد الأحكام.. يتم الأمر فيه دونما صدام. للتقاليد دورها في حضور منغصات أخرى.. يبرز فيها دور ابن العم.. له أن يرفع راية الغضب والعصيان. إزاء هذا السخط الملفع بالهيجان، يتدخل الأعيان لجعل الوفاق سيد الرهان.

تتراخى في ظله سورة الغضب.. على وقع من الموعظة الحسنة والكلمة الطيبة، المرفقة بالهبة النقدية.

وللقرية حقوقها، حينما يكون القران بين صبية من القرية وفتى من قرية أخرى.. يظهر في الميدان لفيف من الفتيان.. يعترض الفتية سير القافلة المرافقة لهودج العروس (الفاردة؟).. وما كان بوسع القافلة متابعة سيرها دونما دفع الترضية النقدية.. – وللنقد دوماً حضوره، وله صولة المجد…!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى