حكايات قريتنا – الجزء الخامس                       

     د.عيسى بن ضيف الله حداد

الكنيسة والتاريخ

في القرية كنيستان: الأولى للطائفة الأرثدوكسية، قديمة البناء تعود إلى القرن السادس ميلادي (517 م) – حسب تقدير باحث آثاري فرنسي، تحمل اسم القديس جرجس(جورجيوس).. [يدعى هذا الباحث موريس سارتر، أنجز أطروحته في الدكتوراه على آثار حوران وجبل حوران.. لا أدرى إن كان الباحث الفرنسي أخذ هذه الدلالات بعين الاعتبار، أم أنه قد رأى الكنيسة بعد أن دخلها تعديلات ما.. ص 137 من كتاب بصرى من نشأتها حتى مجيء الإسلام –   باريس مكتبة المستشرقين عام 1985.]

لا أستبعد أن تعود هذه الكنيسة إلى زمن أقدم، فالطراز المعماري المتميز بالأقواس الحجرية البازلتية، ما يوحي بأصوله النبطية القديمة.

يدعم ذلك وجود حجر أسود قائم في وسط قاعة الكنيسة، على طريقة الرموز الدينية في المرحلة النبطية الوثنية، أو قل قبل المسيحية.

لعل ما يتماشى مع هذا الافتراض، وجود قسم داخلي صغير المساحة يقع في صدر الكنيسة من الشرق، مفصول عن القاعة الرئيسية بحاجز مزود ببابين. يشتمل هذا القسم على المذبح، وهو مكون من حجر كبير مربع أسود، تتنضد عليه مقتنيات الكاهن، من مبخرة وألبسة وكتب مقدسة..

يُعتبر هذا القسم حصراً للكاهن، يطل بين الفينة والفينة مترنماً أو قارئاً لفصل من فصول الكتاب المقدس..

ظهر هذا القسم من الكنيسة، كما لو أنه مفعم بالأسرار اللاهوتية، الأمر الذي يُذكر بديانات الأسرار القديمة في المنطقة، التي جاءت المسيحية على أنقاضها.

لعل تسمية ” المذبح” التي تطلق على ذلك الحجر الكبير المربع الأسود، ما يوحي بأهلية هذه الفرضية.. وما يؤكد ذلك غياب وظيفته المتمثلة بالذبح.. – الأضاحي..   تعود الكنيسة الثانية للطائفة الكاثوليكية، ينم طراز بنائها عن حداثته، مما يدل على كون الكاثوليكية كطائفة، هي وافدة حديثة العهد على القرية…؟

يزعم القدامى في القرية عن وجود مركز ديني مسيحي قديم كبير فيها، يصفونه بمطرانية رخم، حتى أنهم يحددون مكان هذا المركز، في مكان أثري.. مما يدعم تلك الحقيقة، معالم وجوده في زمن متاخم لزمن كنيسة الأرثدوكس الأثرية…؟

لم يكن يعني ناس القرية قط هذا التقسيم المذهبي البيني المسيحي، وما كان له أثر على سلوكهم الاجتماعي وعلاقاته. ربما توفر لهذا الشأن قيمة ما في زمن ولّى، بيد أنّني لم ألاحظه قط في زمني.

على النقيض، ما أعرفه عن أبي، بكونه ما قد عتم أن يتنقل حسب مزاجه من خوري إلى آخر، لحل المشكلات ذات العلاقة بالشؤون المدنية كتسجيل الولادة وغيرها، مراعاةً لقانون الدولة الذي أناط بالمسائل المدنية الخاص بالمسيحيين إلى المؤسسة الدينية.

ولكم ثار أبي وغضب على هذا الخوري أو ذاك.. إلى حد التمرد على رعايته، حتى الخروج عن رعيته، يصبح كاثوليكياً حين يغضب من خوري الأرثدوكس، ويعود أرثوذكسيا حين يروق له..

وحسبما عهدت أبي، لم يطأ أرض كنيسة أيام القداس والأعياد.. درج اعتبار هذه الممارسات هي من شأن النسوان والصبيان.. على الرغم من تقلب أبي المتكرر ما بين الأرثدوكس والكاثوليك.. لم يعمل قط على تبديل سجله المدني.. بقي هذا السجل المذهبي الأرثوذكسي لصيقا بنا على الدوام لدى دوائر السجل المدني، حيثما ذهبنا.

لم يكن أبي وحيداً في شان تقلقله المذهبي، ولعله كان شائعاً في قريتنا..

لم تكن هذه الظاهرة المتمثلة بالتقلب الفردي بين المذهبين، وحيدة بحد ذاتها، إنما رفدتها ظواهر أخرى من أهمها، كون عشيرة آل حداد كانت موزعة بين المذهبين، دونما أية مساءلة أو ارتكاس.

أما نحن الصبية لم نأنف قط من قذف الخوري بأقذع الشتائم، حين يثور غضبنا منه أو من أولاده.. وكانت الشتائم تنصب عادةً على قلنسوته (المسماة كلوسته) كرمز لوظيفته.

من بين سكان القرية وقتئذ، عائلة مسلمة وحيدة وافدة من قرية مجاورة. مندمجة تمام الاندماج بالنسيج الاجتماعي للقرية، درجت على الاحتفال مع المسيحيين بأعيادهم، اعتاد نفر منهم حضور قداس الأحد.. يبادلهم سكان القرية ذات المواقف والمشاعر والود.

لم تكن الخلافات التي تندلع في القرية بين الحين والآخر، ذات صلة قط بالمذهب، إنما كانت ذات سمات عشائرية، ثم غدت لاحقاً سياسية، دونما صلة بالعشيرة قطعاً..

🛑

في القرية مختاران، يتحليان بتسمية شيخي القرية.. الأول سليل السؤدد، أباً عن جد، تقلد موقعه من ثروته العقارية كملاك كبير نسبيا. يمكن اعتباره حسب التعبير الماركسي بمثابة كولاك في القرية..

يمتلك هذا الشيخ داراً كبيرة، تحمل لقب دار الشيوخ، وهي غنية بالآثار القديمة، لها باب أثري المظهر، على زاوية المدخل منها، تربض مضافة واسعة، على أهبة الاستعداد لاستقبال الطارق، أياً كان، ووقتما كان.. على نسق ما يجري في تقاليد حوران..

اعتمد المختار الثاني على سند العشيرة الكثيرة العدد.. لم يظهر قط أي تنافس بينهما.. الود هو السائد..

لعل شأن هذه الثنائية أتى كانعكاس للثنائية المذهبية، ينتمي الشيخ الأول ينتمي للطائفة الأرثدوكسية، بينما يعود الثاني للطائفة الكاثوليكية.

موقع المختار لدينا كغيره في قرى حوران، لا يتعدى كونه موقعاً معنوياً، لا يتقاضى فيه أي دخل مادي.. هو حكيم القرية، راعي تصريف شؤونها. حاتم طائي القرية، الفندق المجاني لزائري القرية وندوتها.. يخصص الحجرة الكبيرة من داره (المضافة) لتكون رهناً للقاصي والداني، على استعداد دائم لاستقبال مندوبي الحكومة، لاسيما زيارات الدرك الثقيلة على الهضم.

لا غرو فهؤلاء الشيوخ هم ورثة شيوخ العرب الأنباط، الذين يتحلون بتلك الصفات حسبما يذكره التاريخ.. ومن بعدهم شيوخ القبائل البدوية والقبائل المستقرة.. وأهل حوران، في كل مكان.. كما نعلم..

🛑

بصمات من التاريخ

في قريتنا آثار نبطية، لا ليست رومانية، كما درج على التباهي بها…!! صورة مصغرة عن بلدة أم الجمال الأردنية.. قناطرها.. حجارتها، الدور القديمة تغتني بها..    حيثما يسير المرء يتحسس وجود ما هو خفي تحت الأزقة.. أينما نتجوّل في نواحي القرية، يظهر بين موقع وآخر فوهات وردم وأنفاق تغوص في باطن الأرض. لعل هذه الظاهرة هو ما يميز الآثار السورية قاطبة..

يذكرني ذلك بما قد قالته لي، منذ سنوات خلت، أستاذة ابنتي كندة- في مادة الفلسفة.. ” أنني لا أأومن بالأرواح الخفية.. لكنني أمام الآثار في سورية، أحس أن باطن الأرض مسكونة بعالم خفي..

في حاضرها آنذاك، كانت قريتي تحيي في قلب تاريخها.. لم تغادره بعد.

من المعالم الأثرية المهمة في القرية، ينتصب على الطرف الجنوبي منها على مقربة من البركة، مقام الخضر، المعترف بقدسيته بذات الاسم من قبل المحيط الإسلامي.

يتشكل هذا المقام من قوس حجري بازلتي قديم، قدم الكنيسة ذاتها.. يحتضن تحت قبته ما يشبه المصلى.

قرية ومأثرة – اللافت للنظر أن التسمية المتداولة في القرية لهذا المقام تجري باسم الخضر، لا بالاسم الرسمي الكنسي (القديس جورجيوس – مار جرجس قاتل التنين)، وهي أي الخضر، ذات التسمية المعتمدة، من قبل المحيط الإسلامي، بشقيه السني والدرزي.

يجري الاحتفال السنوي بذكراه في السادس من أيار، المزامن ليوم الشهداء في البلاد.. يساهم في الاحتفال، وفود قادمة من القرى المجاورة في حوران وجبل العرب..  وهم يحملون الذبائح والنذور.

المفارقة الأكثر سطوعاً، تتمثل في كون عيد مار جرجس يوافق 23 نيسان من كل عام، في حين قد درج سكان قريتنا على الاحتفاء به متزامناً مع عيد الشهداء الماثل في 6 أيار، ويشارك فيه وافدون من قبل الجوار السني والدرزي، بذبائحهم.

لا أدرى متى حدث هذا التزامن الفذ، بين عيد الشهداء وعيد الخضر.. في قريتنا.

أتذكر: كيف أعتاد أبي في كل عام، أن يتحفنا بذبيحتين من خرافنا، أحدهما في عيد الخضر، وثانيهما في عيد الأضحى (الإسلامي)..

🛑

ملحق – على تخوم حديث المكان – منذ أن تقدمت معرفتي في علم التاريخ، وأنا ارفع صوتي محتجاً.. قائلاً: إن أسوأ ما يقال في علم الآثار هو رومنتها وتغريبها عن بلادنا.. يقال على سبيل المثال في قريتنا آثار رومانية، بدلاً من أن يقال، تعود تلك الآثار لحقبة العصر الروماني لا أكثر.. وهل مَن حفر الصخر وشكل فيه عبقريته (البتراء ومدائن صالح) وبنى الأهرامات وبرج بابل.. – هل ينتظر من الرومان تعلم فنون وعلم العمران…!! أليس العكس هو الأجدر…!!

أليس الرومان هم مَن اقتبسوا من أجدادنا وطوروا.. ناهيكم، عن كون الرومان جاءوا كمحتلين لا معمرين ومستوطنين، همهم الأول والأخير الريع والثروة، الهدف المرتجى من الهيمنة.. ألم تكن سائر فعاليات شؤون الحياة، بكليتها أيدي أجدادنا- أهل البلاد..  هم تاجروا وزرعوا وأثمروا وعمروا.. وكان لنا فيهم اباطرة، وبابوات، وفنانين، وفلاسفة.. ولنذكر فيليب العربي، وكركا لله – وبقية أباطرة الأسرة الحمصية.. وحدث ولا حرج.. ألا ليتوقف ذلك الاستلاب والارتهان المبرر له.. –  مقام الخضر في قريتي يظهر على صورة الغلاف لهذا الكتاب.

الخضر كظاهرة– الخضر كرمز دبني شخصية اخترقت كل الديانات والمذاهب، ناهيكم عن كونه مرتبط اسماً ورمزاً في الربيع والاخضرار، قد يكون لهذه الشخصية وجود في تقاليد الديانات القديمة، ومنها تم استعارته فيما بعد من قبل الجميع بأشكال شتى.

الخضر المسيحي- ولد سنة 280م في مدينة اللد – ولاية فلسطين السورية لأبوين مسيحيين من النبلاء.. مدفنه فيها. – جيورجيوس: وهي من الأصل اليوناني، وترجمته عربياً: فلاح أو عامل في الأرض، – سان جورج: وهو الاسم الذي يعرف به القديس في الكنيسة الغربية… أمير الشهداء: وهو أشهر لقب للقديس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى