حكايات قريتنا – الجزء الثالث

د.عيسى بن ضيف الله حداد

حديث المكان – اللقاء مع مهبط الرأس

حالما وجدت ذاتي في قريتي، لم أشعر بكوني كمن يكتشف فضاءً جديداً وأناساً جدد.. كنت كالذي يعرفها ويعرف ناسها..

كل ما حولي مألوف لي، الوجوه كما لو كنت رأيتها.. الدور والصخور والحجارة، البيادر والحقول والسهول، كمن تعرّف عليها ذات يوم. لا شيء يوحي لي بالغرابة في هذا المحيط الرائع..

هل تختزن الطبقات الخافية من الذاكرة، خبراتها السابقة العائدة للسنوات الأولى من الطفولة، لتعود فتظهر معلنة عن ذاتها، حالما تلتقي بمن ظهر وتجلّى من حولها فيما مضى…؟ – أجل، لعله اللغز في خفايا الإنسان…!

الحدث السعيد لقائي بجدتي.. جدتي الرائعة، أتذكر كونها مثابرة الحضور وبغموض في مخيلتي في طور حيفا.

بعاطفة لا يمكن وصفها تلقتني جدتي، عزيزاً لديها.. هل لأني أحمل اسم جدي- عيسى، زوجها…؟

لا أستطيع الجزم بكون جدتي تبرّني على إخوتي.. وهي التي قد دأبت على حب كل الناس.. الناس بدورهم يحبونها. يصفونها بتعبير مسيحي شائع في قريتي” -بكونها الروح القدس مجسداً “..

إخلاصاً مني لجدتي، سأروي شيئاً عن جدي الذي أحمل أسمه.. ولا أعرفه..

والتسمّي بالجد تقليد عريق في الريف العربي، أو ريف بلاد الشام على الأقل، يحمله عادة الابن البكر الذي لست هو أنا..

كيف حدث؟: تقول أمي أنها في ليلة المخاض، رأت في نومها جدي زائراً لها، قررت هبتي هذا الاسم. كان هذا مبعث سرور لأبي وجدتي.

ولعل حمل اسم الأسلاف، هو تقليد قديم مستمد من عبادة الأسلاف، وتبقى منه دوام التقدير عبر تتالي العصور.. لم نكن أنا وأخوتي وحدنا من لا يعرف هذا الجد، أبي بدوره لم يذكره بشكل جلي..

قضى هذا الجد نحبه في ظروف غامضة، أثناء زجه التعسفي مع الجيش العثماني في الحرب العالمية الأولى. تروي جدتي أن دركين من الأكراد (2)، قادا جدي محمولاً على حمالة.. كان مريضاً، وساقاه إلى سلك الجيش للقتال على جبهة القنال (قناة السويس). لم يتجاوز أبي آنئذ الحولين من العمر.

[(2) وايات كثيرة عن الدور والسلوك السلبي للدرك من الأكراد العاملين في الجيش العثماني.  بيد أن ذلك لا يعني وسم الأكراد جميعا بها – النمطية والتنميط ليسا من ديدني.]

بصدد هذا الجد، تدور حكايات عن سجاياه.. شجاعته وشهامته.. استدعت أهميته لإسباغ اسمه، بطريقة عفوية على رابية صخرية، دعيت ” رقة عيسى”.(3)

لم تكن تلك الرابية الصخرية من ملكيتنا العقارية، إنما هي تابعة للملكية العامة للقرية.

أجل، ليس في لبنان وحده مَن يعطى للصخور أسماء..  على مثال صخرة طنوس لأمين معلوف.. يوجد في قريتنا وفي حوران، الكثير من الروابي الصخرية وغير الصخرية، تحمل أسماء لأشخاص، بعضهم لا يُعرف عنهم نقيرا..

أنسننة الطبيعة تظهر جلية في تراثنا العربي، ولها مظاهر أخرى متنوعة في قريتي.. ستعلن عن ذاتها بين حين وحين.

[(3) تتشكل الرقة من كتلة لعديد من الصخور المتجمعة، تأتي كربوة صخرية صغيرة، وربما لكلمة ” رقة “صلة بالتسميات في اللغات الأوربية، روشي أو روك.. من أخذها من من…؟ أتمسك باستعمال اسم الدار لكونه هو السائد كاسم بدل المنزل، في القرية وفي قرى حوران]

 🛑

دارنا في القرية متواضعة، تتكوّن من حجرة كبيرة رئيسية تدعى البيت، تقيم في الطرف الجنوبي منها، تعلوه حجرة أخرى تسمّى “عليّة – من العلو”. يلاصق الحجرة السفلية من الأمام وعلى اليمين وفي الشرق منها، حجرة أخرى، جاء في جزء منها كمخزن للتبن والعلف – التبان.  بينما يأتي الباقي كمأوى لمبيت الحيوانات، شغل على الدوام كمقر لحميرنا. يلحق بهذه الحجرة بيت للدجاج (القن).

أمام هذه الحجرة السفلية وفي يسارها على الغرب منها تنتصب حجرة صغيرة أخرى، تخصصت لوظائف شتى. يتم الصعود إلى الحجرة العليا (العلية) عبر درج حجري، يمتد من أرض الدار متخطياً ومغطياً قن الدجاج وحجرة التبن والحيوانات، مشكلاً سطحاً متسعاً أمام الحجرة العليا.

تتكوّن أرض الدار من فسحة تأتي كفناء، صخرية القاع في معظمها. يشغل القسم المحاذي للدرج الحجري منشأة مرتفعة مصنوعة في الأسفل من عدة صفوف متطابقة، مادتها من حجارة بأحجام مختلفة، يعلوها طبقة سميكة من الأتربة المجبولة بالتبن، تدعى “المَصيف”..

يُستعمل هذا المصيف للقيلولة والجلوس، وحتى الرقاد في الليل أثناء أشهر القيظ في الصيف.

على هذا المصيف، كنت أصغي لجدتي وهي تسرد لي سوالفها وحكاياتها.. من عليه تكوّن لدي ما اختزنته الذاكرة من معرفة في التراث الشعبي. [كلمة سوالف في المأثور الشعبي تعني الحكايات عن الماضي.. وهي شائعة في الأرياف العربية]

في أقصى الشمال من الدار، تقع منشأتان صغيرتان في بناء متواضع، يشغل الأولى الفرن التقليدي لصنع الخبز، بينما تخصصت الثانية (الخشّة) لتكون مكاناً لخزن الوقود اللازم لتشغيل الفرن.

شاء لجدتي أن تكون المدبرة لشؤون الفرن، من تحضير وتسيير.. تجتمع حوله النسوة بأحاديثهنّ المتنوعة، وهن في انتظار دورهنّ، وقد تكاثرنّ، من دون تأفف.. ومتعة الحديث قد تكون لهن أحلى من تصنيع الخبز.

بخبث صبياني يروق لي، التسمع لأحاديثهنّ والتقاط ما يدور في أذهانهنّ من حكايات، وذم ونم فيما بينهنّ.. حتى التداول في شؤون الخطبة والزيجات كانت تعقد أحياناً في تلك الجلسات.. لحسن الطالع، لم تكنّ النسوة، يفطنّ لوجودي.. لصغر سني وقدي.

في اتصال مع المنشأتين وعلى امتداد نحو فناء الدار، يقع الحوش، المتكوّن من فسحة صغيرة يحدها جدار يفصله عن بقية الدار، لتكون ملاذاً لقضاء الضرورة القصوى، حينما يعسر على أحدنا الذهاب بحاجته إلى البرية، أو بين البيادر والحواكير.

درجت أعمل حاجتي في ذلك الحوش، مختفياً عن الأنظار.. سوى تلك الدجاجات الخبيثات اللواتي درجن على مزاحمتي، بعيد المشاكسة فيما بينهن، للالتقاط ما يخرج تحتي من براز.. ذات مرة، وقد طفح الكيل فيّ، من هاتيك الدجاجات المزعجات، توجهت بالاحتجاج إلى جدتي.. متسائلاً: كيف لنا أن نتناول بيض الدجاجات ولحومهن، هن وصيصانهن.. وهن يتغذين من تحتي…!

ضحكت مني جدتي.. وقالت.. هنّ يأكلن كل شيء، وما يبقى فيما يبقى لديهن سوى النظيف..  أقنعتني جدتي.

🛑

على نسق دور القرية، يحيط في دارنا جدار عالٍ.. شروط الأمن والحماية تقتضي.. الاحتمالات قائمة.. تسلل اللصوص والحيوانات المتوحشة في الليالي المعتمة، دوماً ممكنة.

يتشكل المدخل الأساسي للدار، من فتحة مستطيلة منتظمة الشكل تطل على الغرب.. يحدها من شمالها وجنوبها جداران مكونان من حجارة بركانية مصقولة القوام. يعلوهما سقف حجري مستطيل طويل منتظم، يغطي امتداد الفراغ الفاصل بين الجدارين الشمالي والجنوبي.

يحتمي هذا المدخل الأساسي للدار، بباب خشبي مصفح بمعدن من التنك.. يتم إغلاقه بأداة تقليدية خشبية القوام (السِكِر – من سكّر الباب)، تتكون من شكل مجوف أسطواني، له مدخل يعبر فيه قضيب خشبي مزود بأسنان معدنية، حالما يتم تدوير ذلك القضيب الخشبي، تتقدم استطالة خشبية أخرى أكثر قوة، لتبرز من الجوف الاسطواني.. تعبر منه إلى جوف حجري وجد مكانه في الجدار المقابل. ما بين الطرف العلوي للباب الخشبي والطرف السفلي للسقف الحجري، تقيم فتحة اسطوانية عريضة ضيقة..

كان من شأن تلك الفتحة أن تكون الصديقة الوفية لي، وقد غدت وسيلتي للعبور السريع في أنصاف الليالي، بعد انتهاء ساعات المرح الليلي مع أترابي من الصبية.

على الطرف السفلي من المدخل، يقوم رصيف من الحجارة المصقولة المنتظمة، شكلت لنا مقعداً للأماسي الصيفية.

اعتادت جدتي أن تتخذ مقعدها، هنا.. ترحل بنظرها نحو البعيد، راحلة وراء الشمس الآيلة للغروب، راسمة على الشفق الغربي، باقتها الوردية المتعددة الألوان.

في جلستها تروي جدتي ما تيسر لها من معرفة، عن صروف الأيام السالفة وسِيَرِها.

درجتُ على الاستماع لها بصمت ولهفة، في خضم من الخيال الطفولي، الراحل دوماً وأبداً وراء الحكاية.

🛑

تحتل دارنا في وضعها، موقعاً أقل من المتوسط مقارنةً بباقي دور القرية، على مستوى السعة ولافتقادها زريبة

مستقلة للحيوانات، وعدم وجود مضافة..

بيد أنها أي دارنا، تنطوي على مزايا تجمع بين القديم التقليدي وهو الأساسي، وبين الحديث النسبي وهو الثانوي، المتمثل بالعليّة، الشأن الذي لم تكن عليه كل الدور.

يتمثل الركن التراثي أساساً من الحجرة السفلية (حاملة لقب البيت). تم بناؤها بطريقة تراثية..

يتكوّن هيكلها المركزي من أربع قناطر قائمة في وسط الحجرة، ترتبط هذه القناطر وبينها وبين الجدران الأربعة المحيطة بها، حجارة مستطيلة متطاولة، تدعى في اللهجة المحلية في حوران، بالحنت، تتصل فيما بينها بحجارة أقصر وهكذا، يأتي فوقها طبقة من الطين المجبول بالتبن.. على هذا النسق يكون قد تشكّل السطح الأعلى للبيت.

اعتمد هذا النمط من البناء على المواد الموجودة في البيئة الطبيعة للمنطقة، من الصخور البركانية المتناثرة بكثرة والتراب الغضاري وتبن الحبوب..

الوجه الباطني لهذه الحجرة، كغيرها من حجرات الدار، يتم كساؤه بالطين المجبول بالتبن.. لا نوافذ لهذه الحجرة، مجرد طاقة ضيقة تنتصب فوق الباب الخشبي المصفح بالتنك، المطل على اتجاه الشمال.

تحتوي هذه الحجرة على منشآت اسطوانة طينية بمثابة -مخازن للحبوب، تسمّي في اللهجة المحلية، بحسب حجمها، ” كوارة ” للحجم الأصغر ” والحاصل” للأكبر. تتكوّن هذه المنشآت من الطين المجبول بالتبن، في أعلاها فتحة واسعة لإدخال الحبوب، بينما يقع في مقدمتها، في أقصى الأسفل فتحة دائرية ضيقة، تغلق بلفافة كروية من القماش، لتقوم بدور تنظيم إفراغ الحبوب حسبما تتطلبها الحاجة..

يتمتع هذا الطراز المعماري بقدرة عجيبة في مضمار التنظيم الحراري، يهب البرودة في الصيف، ويوفر الحرارة في فصل الشتاء.

تشكل هذه الحجرة مكاناً للنوم والإقامة وكافة أنشطة الحياة اليومية المنزلية. استمر هذا النمط من الحجرات على القيام بمثل بهذه الوظيفة المتعددة الأوجه، لدى العائلات التي لم تقم بالتحديث.

شكّل هذا المدى التراثي من منزلنا، المكان المفضل لجدتي.. سحابة النهار وقضاء الليل هي فيه.. وغزل الصوف وخض الحليب بأدوات الخضيض بدورها فيه، وأشياءها الشخصية هي فيه. جدتي لم تغادر هذا البيت بيتها عرينها الدائم لها، ما دام لها في الحياة من وجود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى