
ماهر حسن روائي سوري متميز، ينتمي للثورة السورية. قرأت له سابقا رواية ذات مكان ذات انثى ورواية سماء سقطت في حضني وكتبت عنهم.
جدران تنزف ضوءاً رواية ماهر حسن الجديدة التي صدرت عام ٢٠٢٥م بعد انتصار الثورة السورية ، وهي تتناول موضوع مهم جدا بالنسبة للسوريين الذين خرجوا من ظلم النظام البائد، انه الاعتقال السياسي في اسوأ السجون السورية والعالمية انه سجن صيدنايا السيئ.
تبدأ الرواية من نقل المعتقل آراس مع غيره من المعتقلين الى سجن – معتقل – صيدنايا ، السرد في الرواية على لسان الراوي ، يعاني آراس من آلام كثيرة بسبب التعذيب الذي تعرض له عند اعتقاله. إنه دمشقي اعتقل على إثر التحركات الشعبية التي رافقت الربيع السوري.
وصل آراس ومن معه الى المعتقل، حيث تم استقبالهم بالتعذيب والتهديد والوعيد. ثم ادخل آراس الى زنزانة صغيرة يتواجد بها عدد كبير من المعتقلين بحيث تتعذر عليهم الحركة والجلوس والنوم و ممارسة حياتهم بشكل طبيعي.
يسترجع آراس داخل المعتقل حياته السابقة كمدرس في دمشق شارك بالتظاهرات يطالب بالحرية والكرامة وحقوق الشعب السوري بالعدالة ، أيام الربيع السوري، و كانت تشاركه التظاهر حبيبته. حيث تعرضوا لعنف قوات النظام وقواه الامنية بالسلاح، واصيبت حبيبته وتوفيت جراء ذلك. واعتقل آراس.
يسترجع آراس ما عاشه قبل الثورة السورية وما عاشه بالمعتقل بتفصيل شديد وكيف يعيش مع الآخرين في الزنزانة وكيف ينتظر المعتقلين استدعاءهم للتحقيق وما يقترن معه مع تعذيب واساءة. السجانون سيئون والمعتقلون ضحايا، يموت بعضهم بالتعذيب وبعضهم من سوء ظروف الاعتقال. ظهر أن هناك نساء وأطفال في المعتقل والكل ضحية تعذيب واضطهاد نفسي .
السجانون يتفننون في تعذيب المعتقلين ووصل ببعضهم اليأس من احتمال الموت داخل المعتقل وان يتم نسيانهم ويصبحوا من عداد المفقودين ولا يعرف مصيرهم.
حاول آراس مع بعض المعتقلين الذين أمّن لهم بعد طول اعتقال أن يدونوا اسماء المعتقلين و اسماءهم هم على جدران الزنزانة، و لأنهم يفتقدون لأدوات حادة، اعتمدوا على دمائهم بديلا عن الحبر في كتابة أسمائهم ومعلومات عنهم. وعندما كُشف ذلك من السجانين زاد تعذيبهم والتنكيل بهم. كان همّ السجانين ان يجعلوا المعتقل يائس من نفسه ومن الحياة ومن احتمال الخلاص ويتمنى الموت. وزاد السجانين من أساليب التنكيل بالمعتقلين إلى حد تسليطهم على بعضهم في صراع الموت بين بعضهم.
لم يكن المعتقل الا اداة تعذيب وقتل بطيء. لم يكن هدف الاعتقال المعلومات، بل الاذلال والقتل والانتقام من الثورة والثوار.
حاول آراس ان يقاوم هذه الظروف بالتحمل وزرع الأمل في نفسه ومن حوله وان خلاص قادم، لكن ذلك بدأ يتضاءل الى مرحلة اليأس، عندها فقد آراس اتزانه العقلي وفقد ارتباطه مع ما يحيطه.
عندما وصل آراس الى هذه المرحلة من فقدان التوازن العقلي واصبح اقرب للجنون، ويئس السجانين من إمكانية إعادة إدراكه لوضعه الطبيعي. قرروا إطلاق سراحه في دمشق .
رصد الناس رجلا هيأته مزرية لا يتكلم مع احد ولا يستجيب لأحد يتجول في الشوارع، بدأ البعض بمساعدته بإعطائه بعض الطعام ، والبعض راقبه فوجده يدوّن على الحيطان اسماء وارقام هواتف وعند التدقيق فيها تبين انها لمعتقلين سابقين مفقودين. وأصبح آراس معروف كرجل يقدم معلومات عن معتقلين ومفقودين، وأصبح كثير من الناس يبحثون عنه لعلهم يلتقّطون خبرا عن أبنائهم المعتقلين والمفقودين.
تنتهي حكاية آراس عندما يختفي ؛ البعض اعتقد أنه اعتقل مجددا من النظام عندما علم بقصته، وأنه قتله بعد ذلك.
تنتقل الرواية بعد ذلك في نصفها الثاني وهي طويلة ٤٦٠ صفحة إلى متابعة مسار آخر من واقع المعاناة السورية مع ظلم النظام الذي كان قد سقط .
اروى الناشطة الإنسانية التي تتابع حالات الخارجين من المعتقلات والمفقودين والمنكوبين التي كانت قد التقت بآراس أيام كان يتجول في شوارع دمشق يدوّن أسماء المعتقلين على حيطانها وساعدته مرات عدّة ومن ثم اختفى وتبين ان النظام قد أعاد اعتقاله وقتله.
التقت اروى بجوان في احدى الشوارع يسير هائما على وجهه، عليه معالم الذهول والغياب، رعته والتقت به أكثر من مرة وحاولت التكلم معه مرارا حتى وصلت الى مرحلة دفعته ليعبر عن نفسه، واستطاعت أن تجعله يخرج من عزلته وصمته وتعيده نسبيا إلى طبيعته، وفهمت منه أنه كان معتقلا سابقا في سجن صيدنايا وأنه مسكون عذاباته وأمثاله من السجناء.
يبدو من مسار الرواية أن الحدث حصل بعد سقوط النظام. وأن اروى وجوان أصبحوا على علاقة عاطفية ووجدانية ووصلت بهم إلى درجة السكن في بيت واحد، وأصبحوا بعلاقة جسدية كأنهم متزوجين.
بدأت اروى وجوان متابعة واقع المعتقلين الخارجين من سجون النظام. ووصلوا إلى أحد مراكز الأيتام وتعرفوا على أطفال كانوا معتقلين لوحدهم او مع عائلاتهم، وبعدهم ولد داخل المعتقل.
التقوا بالميتم بشام طفلة منعزلة ذاهلة عن الدنيا صامته منشغلة بهواجسها ولعبتها الخشبية. حاولت اروى وجوان كثيرا التقرب منها، نجحوا بعد جهد ووقت طويل، أن يسحبوها من عزلتها الى ان وصلت الى التعلق بهم فقرروا أن يتبنوها وحصل ذلك وعاشت الطفلة شام معهم على أنهم امها وابوها.
كانت اروى مسكونة بهاجس ان هناك جانب مظلم لا تعرفه عن جوان وكانت تصر عليه معرفته، وكان يجيبها دوما : دعي الماضي للماضي والمهم هو حاضرنا.
سهى التي فقدت ابنها قيس الناشط ايام الثورة من وشاية به ممن كان ينشط معهم وهو مخبر. وجدت صورة لولدها ومعه آخرين منهم جوان، وعلمت من مصادر مختلفة ان جوان الذي كان من الناشطين هو المخبر الذي اودى بالكثيرين من الناشطين مثل ابنها بحيث تم اعتقالهم وقتلهم ومنهم ابنها قيس. والحقيقة ان جوان كان ضابطا سابقا تم انتدابه من الأمن ليخترق الناشطين كأنه واحد منهم ويخبر عنهم النظام ليعتقلهم ويصفيهم.
صادفت سهى جوان ومعه اروى وقررت مراقبته وملاحقته وعرفت أين يسكن، وقررت اخيرا ان تلتقي بأروى وتخبرها بواقع جوان؛ وهكذا حصل.
قررت اروى أن تواجه جوان بحقيقته بعد أن أصبحت حياتها معه جحيما، وكان ألمها الأكبر على شام طفلتها المتبناة، فكيف ستعيش مع قاتل؟، وكيف تنقل إلى شام ما عرفت؟ وكيف تستقبل المعلومة المؤلمة؟. ولكن لا بد من المواجهة التي حصلت مع جوان وكان جوابه أن اعترف بما فعل وكيف تسبب باعتقال وقتل كثير من الناشطين تحت ضغط رؤسائه من ضباط الأمن وأن حياته كانت مهددة. لم تقبل اروى بالأعذار التي قدمها جوان و اصطدموا فيما بينهم تحت نظر شام التي كادت تعود لازمتها النفسية السابقة.
غادر جوان المنزل وهو يدرك أنه اصبح مهددا بحياته فلن تسكت اروى ولا سهى عنه، سيبلغون عنه سلطة الثورة الجديدة، لذلك قرر جوان الهروب من سورية إلى لبنان عبر طرق التهريب السابقة أيام النظام الساقط. ولم ينجح وتم مواجهة مسلحة بينه وبين الأمن السوري على الحدود وأصيب فيه ومات.
وصل الخبر إلى أروى التي لم تدري هل تفرح لمصير خائن أم تحزن على نفسها وعلى شام ابنتها المتبناة وكيف تستقبل غياب جوان من حياتهم.
زاد الحال سوء اكتشاف اروى انها حامل من جوان ، ارتبكت اروى ثم تقبلت الجنين الذي لا ذنب له وقررت ان تكون الام والاب له ، ثم انجبت طفلة واصبحت ام لطفلتين وبدأت حياة جديدة مع بناتها تعيش معهم ولأجلهم.
هنا تنتهي الرواية.
في التعقيب عليها اقول:
للرواية مستويات عدّة أهمها اعادة توثيق بعضا مما عاناه السوريين في معتقلات النظام البائد وخاصة سجن صيدنايا، وما عاشه المعتقلين من ويلات وتعذيب وقتل وتنكيل: لكي لا ننسى.
كما اهتمت الرواية بسرد مآل السوريين المنكوبين المعتقلين وعموم السوريين من خلال متابعة حال الأطفال الأيتام ضحايا المأساة السورية كنموذج طبعا.
وأهم ما يظهر في الرواية هو الغوص عميقا في الحالة النفسية والشعورية والعقلية المعاشة عند شخصيات الرواية الطويلة نسبيا، في هذا الغوص عميقا و لصفحات كثيرة، مع أن الحدث الروائي يكاد يكون بحركته في الزمان والمكان شبه ساكن. انه واقع سجن صيدنايا ولكن ما عاشه السجناء والمعتقلين يمثل أهوال قد لا يكون لها مثيل في التاريخ، ولا تسعها كل صفحات الروايات والكتب مهما كثرت.
مرة أخرى لكي لا ننسى.
اختم بالقول:
نحتاج الى الكثير من الروايات التي توثق ما عاشه السوريين في الثورة ومسارها وفعل النظام المجرم البائد وحلفاؤه على كل المستويات. رغم ظهور مئات الروايات. فما زلنا نحتاج للمزيد.
نعم نحتاج إلى توثيق ما حصل نحن جيل اليوم والأجيال القادمة لكي نحافظ على دولة ثورتنا مكتسبا حصلنا عليه بالشهداء والتضحيات الكبيرة. وان نتمسك بدولتنا التي نطمح أن تحقق بمشاركتنا كشعب الحرية والعدالة وتحفظ الكرامة الإنسانية و نمارس الديمقراطية كأساس للحياة الافضل و للحفاظ على ثورتنا ومكتسباتها.






