العلمانية الطائفية

   سلام الكواكبي

   

ناقشتُ مرةً شاعراً سورياً في مواقف له بدت لي طائفية، فاستنكر الأمر قائلًا إنه ملحد. وكأن الإلحاد، أو العلمانية، يمنحان صاحبهما حصانة تلقائية ضد الطائفية. فالطائفية ليست عقيدة دينية حتى تزول بزوال الدين، بل هي طريقة في النظر إلى الناس والمجتمع. لذلك يمكن للملحد أن يكون طائفيّاً، كما يمكن للمتديّن أن يكون غير طائفي.

المشكلة في الاعتقاد السائد أن العلمانية نقيض الطائفية بصورة آلية، فالعلمانية تتعلق بعلاقة الدولة بالدين، ولا تضمن بالضرورة تحرّر الأفراد من الأحكام المسبقة والهويات المغلقة. يستطيع المرء أن يدافع عن فصل الدين عن الدولة، وفي الوقت نفسه، ينظر إلى جماعة دينية أو مذهبية كاملة بعين الريبة أو العداء.

في سورية، لم تتشكل العلمانية في سياق ديمقراطي، بل داخل دولة سلطوية رفعت شعارات قومية وعلمانية، وقدّمت نفسها متجاوزة الطوائف، بينما كانت تدير المجتمع عبر شبكات من الولاءات العائلية والمناطقية والطائفية. كان الخطاب الرسمي يتحدّث عن الوحدة الوطنية، فيما كانت الانقسامات الطائفية تُستثمر سياسيّاً وتُدار بعناية.

في مثل هذا السياق، قد تختفي الطائفة من الخطاب لكنها لا تختفي من المخيلة. يصبح الفرد سوريّاً في العلن، لكنه يحتفظ داخليّاً بخريطة طائفية للمجتمع. وعندما تقع الأزمات الكبرى، تظهر تلك الخريطة المستترة إلى السطح… من هنا يمكن فهم ظاهرة ما أسميها “العلمانية الطائفية”. فصاحبها لا يعلن عداءه لجماعة بعينها، بل يعبّر عنه بلغة تبدو أخلاقية. فإذا جرى الحديث عن ضحايا من طائفة ما، سارع إلى القول: “وماذا عن ضحايانا؟”. من حيث المبدأ، التذكير بجميع الضحايا أمر مشروع. لكنه يصبح طائفيّاً عندما يُستخدم لنفي معاناة الآخرين أو لتبريرها ضمناً.

عند هذه النقطة، لا يعود المعيار أن قتل المدنيين جريمة بصرف النظر عن هويتهم، بل يتحوّل النقاش إلى عملية مقايضة بين الجماعات. تصبح العدالة مشروطة بالانتماء، ويتحول التعاطف إلى مورد يُوزَّع وفق الهوية لا وفق المبدأ. وهنا نغادر منطق العدالة وندخل منطق المقاصة الطائفية.

السني ليس بالضرورة إسلاميّاً، والإسلامي ليس بالضرورة جهاديّاً، كما أن العلوي ليس ممثلاً للنظام، ولا المسيحي أو الدرزي ممثلاً لموقف سياسي واحد

لقد تحولت الطائفة في سورية، عبر عقود طويلة، إلى إطار شائع لتفسير السلطة، والثروة، والخوف، والتهميش. لكن اختزال الواقع في معادلات من نوع “علوي = نظام” أو “سنّي = ضحية” لا يقل طائفية عن الخطابات التي يدّعي أصحابها محاربتها. فهذه المعادلات تلغي الفرد وتختزله في جماعته، متجاهلة مواقفه السياسية وخياراته الشخصية وموقعه الاجتماعي.

في المقابل، يقع بعض المثقفين في خطأ آخر، يتمثل في إنكار وجود البعد الطائفي أصلاً. والأخطر أن بعضهم يجمع بين الأمرين معاً: ينكر الطائفية عندما لا تخدم روايته السياسية، ثم يستدعيها عندما تدعم شعوره بالمظلومية أو الخوف.

لكن لماذا اكتشف بعضهم طائفته الآن؟ لأن سقوط السلطة القديمة، وبالتالي تراجع قدرتها على فرض تعريف واحد للواقع، فتح الباب أمام هويات كانت مكبوتة أو مستترة. وفجأة لم يعد الحديث يدور عن المواطن السوري، بقدر ما صار يدور عن العلويين والدروز والسنة والمسيحيين وغيرهم من الجماعات. والواقع أن الطائفية لا تقوم دائماً على حب الجماعة الذاتية، بل كثيراً ما تقوم على الخوف من الجماعة الأخرى. يكفي أن يقتنع المرء بأن “الآخر” يشكل تهديداً وجوديّاً حتى يبدأ بتبرير التمييز ضده أو التشكيك في حقوقه. فقد أدّى العنف السياسي في السبعينيات والثمانينيات، ثم الحرب بعد انتفاضة 2011، إلى ترسيخ مخاوف وجودية لدى قطاعات من العلويين وغيرهم من الأقليات، في وقتٍ غذّى فيه القمع والمجازر والتهجير لدى قطاعات واسعة من السنة شعوراً عميقاً بأنهم مستهدفون بوصفهم جماعة. وقد ساهم النظام السابق نفسه في تعميق هذه المخاوف باستخدام خطاب حماية الأقليات وتقديم المعارضة باعتبارها تهديداً طائفيّاً. لكن الوقائع أكثر تعقيداً من الصور النمطية التي تنتجها الطائفية، فالسني ليس بالضرورة إسلاميّاً، والإسلامي ليس بالضرورة جهاديّاً، كما أن العلوي ليس ممثلاً للنظام، ولا المسيحي أو الدرزي ممثلاً لموقف سياسي واحد. غير أن الطائفية تعشق الاختزال لأنها لا ترى الأفراد، بل الجماعات.

من لا يرى السوري إنساناً كامل الحقوق إلا عندما يكون من جماعته لم يتحرّر من الطائفية

لذلك من لا يرى السوري إنساناً كامل الحقوق إلا عندما يكون من جماعته لم يتحرّر من الطائفية، حتى لو تحدّث بلغة حقوق الإنسان والمواطنة. لقد نقل الطائفية من المجال السياسي إلى المجال الأخلاقي، ومن الخطاب الصريح إلى الخطاب المهذّب.

جوهر العلمانية الطائفية في سورية يكمن في استخدام لغة تتجاوز الطوائف من دون تجاوز التصنيف الطائفي للآخر. ولهذا يصبح سؤال “أين كنتم؟” مشروعاً فقط إذا كان معناه: لماذا لم ندافع عن جميع الضحايا؟ أما إذا كان معناه: لماذا تدافعون عن هؤلاء اليوم بينما قُتل أفراد من جماعتنا بالأمس؟ فإنه يتحوّل إلى سؤال طائفي يرتدي قناع العدالة. وما يجعل هذه الظاهرة أكثر خطورة أنها لا تُقدَّم بوصفها طائفية، بل بوصفها موقفاً أخلاقيّاً أو حقوقيّاً.

أذكر أن فواز الأسد، ابن عم الرئيس الهارب بشار الأسد، صرخ يوماً في مكان عام: “أنا أكره الطائفية والسنة”. فضحك الناس من غبائه وتندّروا بالعبارة. أما اليوم، فيبدو أن بعض المثقفين يردّدون المنطق نفسه بعد استبدال كلمة “السنة” بكلمة “العلويين”، فهل سنضحك من غبائهم أم نخاف؟

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى