
ذات يوم غير بعيد كان المعلّق الإسرائيلي جدعون ليفي، أحد أشرس ناقدي السياسات الإسرائيلية، قد تكهن بأنّ انتخاب بنيامين نتنياهو لرئاسة الحكومة سوف يشكل علامة مشجعة؛ لأنه، كما كتب، «سوف يحرّر إسرائيل من عبء الخديعة، لأنه إذا نجح في تشكيل حكومة يمينية، فإنّ الحجاب سوف يسقط وينكشف وجه الأمّة الحقيقي أمام مواطنيها وسائر العالم. وبذلك فإنّ الحفلة التنكرية، التي تجري منذ سنوات عديدة، سوف تبلغ نهايتها».
وذهب ليفي أبعد، فتحدث عن سقوط الستارة وانفضاح الزيف الأكبر، أي أكذوبة عملية السلام، حين كانت دولة الاحتلال تقول شيئاً في التصريحات، وتفعل عكسه على الأرض، وهذا خيار سوف يتواصل أياً كانت الجهة «المعارضة» التي ستفوز على حساب زعيم الليكود. نتنياهو سوف يعرض شيئاً مختلفاً، تنبأ ليفي، لأنه «أوّلاً، ممثّل مخلص لنظرة إسرائيلية أصلية، تنطوي على انعدام مطلق للثقة في العرب وفرصة التوصل إلى سلام معهم، ممتزجة بنزوع إلى الحطّ من قيمتهم وتجريدهم من إنسانيتهم». لكنه، ثانياً، سوف «يثير سخط العالم تجاهنا، بما في ذلك الإدارة الأمريكية الجديدة. ومن المحزن أنّ هذا قد يكون الفرصة الوحيدة لذلك النوع من التغيير الدراماتيكي المطلوب!».
أصاب ليفي قليلاً وخاب فأله على أكثر من صعيد في الواقع، لأنّ نتنياهو الذي سيتعاقب على رئاسة الحكومات الإسرائيلية سوف يتجاوز بكثير أسوأ السيناريوهات التي رجحها أيّ من المعلقين الإسرائيليين، وضمنهن أنصار «بيبي» نفسه وكبار المتحمسين لليمين الليكودي التقليدي، أو ذاك الذي سوف يتخلّق من حوله أو في ظلاله، متطرفاً كان أم قومياً ودينياً، عنصرياً وفاشياً في كلّ حال.
ما كان ينقص تكهنات ليفي، أو تمّ إنقاصها عن سابق قصد وتصميم ربما، هو حقيقة مفصلية طبعت المشهد الانتخابي الإسرائيلي يومذاك، أفادت بأنّ استقالة نتنياهو من حكومة أرييل شارون، صيف 2005، احتجاجاً على قرار الأخير الانسحاب من قطاع غزّة، كانت النقلة الفاصلة التي جعلت نتنياهو الزعيم الأوفر حظاً لقيادة الليكود بعد خروج شارون من الحزب العتيق. ولا عجب، استطراداً، أنّ ذلك المشهد كان بدوره يرتد إلى أواخر آذار (مارس) 1993، حين انتُخب نتنياهو زعيماً للحزب وبات مرشحه لانتخابات رئاسة الوزراء؛ هو، ذاته، الذي حلّت عليه نقمة الناخب في سنة 1999 ومُني بهزيمة ساحقة مهينة أمام إيهود باراك، أجبرته على استقالة فورية؛ وهو، ذاته أيضاً، الذي انتظر أن تعيده صناديق الاقتراع من حيث أجبرته على المغادرة.
وفي هذه الأيام، على أعتاب انتخابات الكنيست المقبلة، يعيد نتنياهو تشغيل «مطحنة» توليف أحزاب اليمين المتطرف والقومي والديني، ليس هذه المرّة على خلفيات أيّ «سلام» مع الفلسطينيين، أو أيّ أطلال رميم تبقت من اتفاقيات أوسلو، أو أيّ آمال/ أوهام حول دولة فلسطينية مستقلة؛ بل، أوّلاً وأساساً، على قاعدة المنجاة الشخصية، القضائية والسياسية داخلياً، ومسؤوليات جرائم الحرب أمام محاكم القانون الدولي خارجياً. هذا جوهر تحركاته لتوحيد إيتمار بن غفير مع بتسلئيل سموترش تفادياً لتشتيت أصوات اليمين المتطرف، من جهة؛ ومواجهة صعود الحزب اليميني الجديد «عمخا يسرائيل» وزعيمه الجنرال الاحتياط المتطرف عوفر فينتر، من جهة ثانية، حتى إذا كان الأخير لا يقلّ تطرفاً عن بن غفير وسموترش ونتنياهو نفسه.
وإذا صحّ أنّ سلوك نتنياهو منتظَر تماماً حيال أشباح الهزيمة متعددة المستويات، فإنّ ردود أفعال حلفائه في الائتلاف الحاكم الراهن، بالتوازي مع خصومه في أحزاب «المعارضة» المختلفة، لا تخرج في نهاية المطاف عن منطق الباب الدوّار الذي يقود ساسة الاحتلال إلى الاستعصاء الإرادي إياه؛ حيث المزاج الذي يتحكّم بالناخب الإسرائيلي القياسي: الخوف من السلام، الذي يبلغ درجة الرهاب، والانكفاء إلى الشرانق الأمنية والاستيطانية والعنصرية والفاشية.
المصدر: القدس العربي






