
لا يخفى أنّ العقوبات الأميركية على إيران تختلف، هذه المرّة، عن سابقاتها، فقد جاءت أداةً واضحةً، أو بديلاً من الخيار الحربي، بعد أن رجَّحت إدارة دونالد ترامب أنَّ إخضاع إيران لا يتحقّق راهناً بالأسلوب العسكري، ولكي يتحقّق “نبذُ إيران”، لا بدَّ من تضافر دولي حاسم. لكنّ الخروج السريع من الحرب العسكرية إلى الحرب الاقتصادية لم يُفسِح مجالاً لتكوّن تصوّرات مختلفة؛ فكأنّ واشنطن تدعو الدول، ومنها الكُبرى القريبة من إيران، الصين وروسيا، إلى المشاركة في الاصطفاف معها ضدّ إيران؛ الطلب الذي لم يكن لها أن تستسيغه، حين كانت الحرب هي الأداة ضدّ إيران.
وقبل هذا، تأتي هذه العقوبات التي لا تطاول إيران وحدها، وإنّما كلّ من يتعاون معها، وفق ما أعلنه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بشّأن توسيع نطاق “العقوبات الثانوية” على إيران (لتستهدف أشخاصاً وشركات ومصارف أجنبية تتعامل مع الجهة الخاضعة للعقوبات المباشرة، حتّى إذا لم تكن المعاملة مرتبطةً مباشرةً بالولايات المتحدة أو منفّذة بالدولار) في عهد رئيس أميركي فاقت صراحتُه حدود المألوف، ولم تكد أدواته العدائية تستبقي للولايات المتحدة صديقاً أو حليفاً آمناً. ولا تزال عدائيته تجاه كندا، على خلفية رفع الرسوم الجمركية، تترجمها ردّة فعل الأخيرة، إذ أكّد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني استعداده للتوصّل إلى اتفاق تجاري متبادَل، لكنّه يحترم سيادة بلاده، وبعد أن رفض ما وصفه بأنّه “اتفاق سيئ” مع الجانب الأميركي. إذ أعلن كارني، في إطار الردّ بالمثل، فرض رسوم على منتجات أميركية، من المقرّر أن تدخل حيّز التنفيذ في 8 سبتمبر/ أيلول المقبل.
لا يساعد هذا النهج الترامبي في علاقات بلاده الدولية في بناء تحالفات، بل يدفع الدول إلى تقديم مصالحها على المصالح الأميركية، أي أنّه يرجِّح عندها الصدام على الوفاق والحلول الوسط. وهذا ما عبّرت عنه الصين بلغة نابعة من هذا المناخ، حين قال المتحدّث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان: “إنّ بكين ستراقب التطوّرات من كثب، وستتّخذ الإجراءات الضرورية لحماية حقوقها ومصالحها”. كما حذّرت الصين من أنّ العقوبات الاقتصادية الأميركية الجديدة على إيران “لن تؤدّي إلّا إلى زيادة التوتّرات”، مؤكّدةً أنّه ينبغي عدم عرقلة التعاون الصيني مع إيران.
بين الصين وإيران شراكة اقتصادية شاملة، والصين هي المشتري الأكبر للنفط الخام الإيراني
وفي صلب هذا الموقف، ترى الصين العقوبات الأميركية “الأشدّ في التاريخ” (قد تمتدّ إلى الشركات والبنوك والدول التي تواصل التعامل التجاري والمالي مع طهران) استهدافاً لمصالحها، وستراقب بكّين المدى الذي تصل إليه العقوبات الأميركية؛ هل ستصل إلى شركات وكيانات صينية كُبرى، أم ستغضّ واشنطن النظر عنها، وتكتفي بإجراءات عقابية مخفّفة لأنّها لا تغامر بشراكتها التجارية الفريدة بحجمها مع بكين، وبما يجنّب تخريب العلاقة، وفي الوقت نفسه يضمن حفظ ماء الوجه للجانبَين. فإيران، على أهميتها، التي تتجاوزها إلى أنّها مؤشِّر واختبار لفاعلية الهيمنة الأميركية دولياً، هي واحدة من مفردات التنافس الأميركي الصيني، فالتعاطي معها يؤثّر في سائر العلاقة الواسعة بينهما، إذ يتشكّل هذا التوتّر قبل قمّة مقرَّرة بين الرئيسَين ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، الشهر المقبل، وفقاً لوكالة بلومبيرغ. وتبحث واشنطن وبكين تمديد الاتفاق التجاري بينهما، الذي أرسى هدنة مدّتها عام تنتهي في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، واتفق بموجبها الطرفان على ألّا يتجاوز إجمالي الرسوم الجمركية الأميركية على الصين 20%. هذا الاتفاق أتى بعد أن كانت إدارة ترامب أعلنت عن حِزم رسوم جمركية متبادَلة وتصعيدات تجارية مع الصين بلغت، في محطّات مختلفة، مستويات قياسية تصل إلى 100%.
بين الصين وإيران شراكة اقتصادية شاملة، والصين هي المشتري الأكبر للنفط الخام الإيراني، وتقدّر وزارة الخزانة الأميركية أنّ الصين تشتري نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية، وتجذبها الاقتطاعات الكبيرة التي عادةً ما تُمنح مقارنةً بأسعار النفط السائدة. إلّا أنّ أهمّية إيران عند الصين لا تقتصر على هذا (الصين تتمتّع باكتفاء ذاتي في الطاقة بنسبة 85%)، بل لأنّ لإيران موقعها الجيوسياسي في طموحات بكين الدولية، ولأنّ الصين هي الدولة الأكثر منافسةً للولايات المتحدة، فهي تترقّب تأثير الأزمة والصراع الدائر على قوّة أميركا، وتالياً، قدرتها على تحجيم التطلّعات الصينية في شرق آسيا، ومسألة تايوان.
النهج الترامبي في العلاقات الدولية لا يساعد في بناء تحالفات، بل يدفع الدول إلى تقديم مصالحها
وتعتبر الصين تايوان جزءاً منها، وأنّ إعادة توحيدها بها لازمة، ولو بالقوّة إن تطلّب الأمر، فيما تعارض أميركا أيّ تغيير قسري على وضعها الراهن، وتلتزم بتزويدها بالأسلحة للدفاع عن نفسها. فقد كثّفت الصين عمليات إنفاذ القانون والمسح في جميع أنحاء تايوان، منذ أن أعلنت اليابان والفيليبين محادثاتٍ بشأن الحدود البحرية، وبلغت مشاهدات سفن البحرية الصينية في البرّ الرئيس حول الجزيرة مستويات قياسية للشهر الثالث على التوالي.
لذا ليس صعيد البحث اقتصادياً فقط، مع أنّ المصالح الاقتصادية ستكون في صلب دوافعه ومآلاته، لكنّ المقصود أنّ الصين المنافِسة تجد في التورّط الأميركي في هذه الأزمة فرصةً لتآكُل هيبة الدولة الأكثر تحكّماً في النظام الدولي، ولعلّ أهمّ أدوات الهيمنة الأميركية النظام المالي، بعد أن أظهرت الحرب إمكانية مواجهة الأداة العسكرية أو استيعابها على يد دولة متوسّطة، وهو ما قد يكون لتعاون صيني وروسي غير مُعلَن دور فيه.
ومع أنّ المُعلَن من الدوافع الأميركية للحرب على إيران هو القضاء على برنامجها النووي، إلّا أنّ النظرة الأوسع لا تستبعد تقليص التمدّد الصيني بحرمانه من شريك مهمّ في منطقة حسّاسة عالمياً. لذلك، تكتسب هذه الجولة، الاقتصادية هذه المرّة، صفة الاختبار: هل تصمد إيران أمام هذا التحدّي الصعب بتفعيل “اقتصاد المقاومة”، مبدأ تبنّته القيادة الإيرانية للحدّ من تأثير العقوبات الدولية والحصار عبر الاعتماد على الذات وتنويع الشركاء التجاريين؟ وإلى أيّ مدى تستعدّ الصين، وغيرها مثل روسيا، للوقوف معها، وإطالة أمد صمودها؟ هذا إذا لم يتوصّل الطرفان الأميركي والإيراني إلى اتفاق ينهي الحرب، كما تطالب إيران.
المصدر: العربي الجديد






