
العليّة – يتشكّل الركن الحديث في دارنا، من الحجرة العلوّية، أقدم أبي على إنشائها قبل حضورنا للعالم.. رغبة منه للتوسع والتجديد.
تتكون العليّة من حجرة واسعة، أقل قليلاً من مساحة الحجرة السفلية القائمة عليها، مما أتاح بوجود مساحة حرة أمامها بمثابة شرفة، تتمادى اتساعاً على سطح التبان.
يحيط هذا السطح الحر بسور قصير لحماية الأطفال من خطر السقوط. (ولم يستطع، وهذا ما حدث لي)..
تتكون جدران الحجرة من الحجارة شبه المربعة، تتميز الواجهة الأمامية لها، بتشكلها من حجارة مربعة مصقولة بانتظام بديع.
الوجه الداخلي للجدران الأربعة، مغطى بطبقة سميكة، تشكلت بعد جفاف الطين المكون من التراب الغضاري الممزوج بالتبن والماء.
يتكوّن سقف هذه الحجرة، من مستطيلات متطاولة حديدية الصنع، دقيقة السبك، تتميز بالطول مع قصر شديد في العرض والارتفاع تسمّى بالجسر.
يمتلك هذا الجسر تجويفاً على الجانبين ممتداً على مدى طوله، تقوم هذه الجسور بالربط المستقيم من أعلى الجدار الجانبي، إلى أعلى الجدار الجانبي المقابل له.
من شأن هذه الجسور، أن تكون دعائم للوصل الجانبي فيما بينها بقضبان من القصب.
على هذا النسق تشكلت طبقة متشابكة من الحديد والقصب، اعتلاها طبقة أخرى من الطين المجبول بالتبن.
يطل من هذا السطح إلى اتجاه الشمال والى الأمام، فتحتان صغيرتان مهيأتان كمسيل للماء، في خضم الشتاء.. يقيم فيهما المزراب المتشكل من امتداد معدني صغير يجد شكله ومكانه حسبما ما تمليه الفتحة عليه..
تتزود هذه العلية بأربع نوافذ، اثنتان باتجاه الشمال واثنتان للغرب، وكوة صغيرة تعلو الباب المطل على جهة الشمال.
في أعلى السقف وقرب المنتصف، تقوم فتحة مهيأة لاستقبال قساطل مدفأة الشتاء، حالما يأتي..
اعتادت حجرتنا العلويّة كل صيف، على استقبال ضيوفاً فرضوا ذاتهم علينا دونما استئذان، ألا وهم أسراب السنونو.
درجت هذه الأسراب، أن تحضر بانتظام موسمي صيفي عجيب، عابرة الكوة الضيقة فوق الباب، لتقيم أعشاشها في تجاويف الجسور الحديدية.
يحيرني، كيف استطاع السنونو أن يدرك وجود مثل هذه الجسور في عليتنا، ولولاها ما كان بوسعه بناء أعشاشه في تجاويفها…!!
هل أسراب السنونو قد شعرت بالأمان، فلم يبادر أحد قط على إلحاق الأذى بها…!!
في قريتنا، تروج أسطورة شائعة قد حمتها، قائلة بقدسيتها، من حيث كونها تمثل دجاجات المسيح…!! كيف أدركت طيور السنونو سمتها المقدسة هذه، فمارست حريتها على أوسع مدى…!!
لم يأل لإفراد السنونو جهداً، عن إزعاجنا بزقزقة صغارها وكبارها، وقذفنا بقاذوراتها عندما تشاء وكيفما تشاء.. التي ما عتمت عن رسمها في بقع بيضاء بدون انتظام، متعددة وكثيفة هنا وهناك في أرضية الحجرة..
لم يأنف هذا السنونو قط، عن تلويث أجسادنا وثيابنا بقاذوراته.. كنا نتقبل ذلك راضين وضاحكين.. أليسوا ضيوفاً لدينا، وليسوا أي ضيوف.. إنها دجاجات المسيح المقدسة…!
🛑
في دارنا خابيتان، أحداها في الأسفل قرب المدخل الأساسي للدار، على اليمين، والأخرى في الأعلى على السطح جانب العليّة… والخوابي أواني مجوفة من الفخار المقاوم، لاحتواء الماء…
صنع أبي لكل خابية ما يشبه الكوخ الصغير الموافق لقياسها.. في ارتفاع مناسب عن أرض المكان، مؤلف من قاعدة وجدارين وسقف.. تأتي القاعدة بمثابة مقعد مجوف تستند الخابية عليه، كي لا تسقط.
تتكون الخابية من الفخار الصلب، المقاوم للكسر.. لا اعلم من أين أتى به أبي.. هل هو صناعة من أرض المكان؟ أم هو مجلوب من مكان آخر…؟
لم يكن لدى الجميع في القرية، ما يماثل تلك الخوابي الصلبة، لعلها من مدركات أبي الفذة.. لدى العديد من دور القرية أواني فخارية لحفظ الماء، لها أشكال أخرى.. للخابية فتحة واسعة من الأعلى، يغطيها غطاء مصنوع من القش.. أتاحت تلك الفتحة السماح لنا لمد رؤوسنا لازدراد الماء من الخابية لعقاً، حينما كنا نأتي عطاشاً وعلى عجل من عبثنا ولعبنا..
للخوابي قيمة رمزية لدى المأثور الشعبي- كمكافئ لقلب الديار.. إذ يقال” للخوابي يا كلاب.. ” بمعنى سنقهركم حتى الوصول إلى خوابيكم.. أي عقر دياركم..
🛑
تقع قريتنا ” رخم ” إلى الجنوب الشرقي من دمشق، لا يعدو بعدها عن درعا أربعين فرسخاً إلى الشرق منها مع انحراف طفيف باتجاه الشمال. تتصل من جهة الشرق بالحدود الإدارية لجبل العرب، المسمّى أحياناً بجبل حوران. كانت قريتنا تابعة إدارياً آنئذ إلى مدينة بصرى. تنقسم قريتنا إلى عدة أحياء، يتراكم كل حي منها ويتلاصق مع بعضه مع بعض، ليشكل كتلة متراصة ومتواصلة، مما يتيح لسكانه التنقل بين الدور من على سطوحها المتلاصقة..
بوسع المرء التنقل بين الدور من مواضع تسهل العبور، وجدت مكانها على الجدران الفاصلة. لم تكن تلك المواضع من صنع معماري، إنما قد تهيأت بفعل الحت الناجم عن الضغط المتكرر للأرجل، التي ما انفكت أن تضع خطواتها على ذات الموضع بين الحين والحين..
عكست الضرورات الأمنية ذاتها على تنظيم القرية. بدت كقلعة صغيرة مقسمة على أحياء تأتي كقلاع أصغر فيها، يحيط بكل منها جدران عالية نسبياً. تفصل بين الأحياء أزقة ضيقة.
لم تكن الطبيعة بخيلة قط في توفير مواد البناء لأبناء منطقتنا، فبراكين جبل العرب حينما ألقت حممها غمرت حوران بالصخور البركانية السوداء.
على تخوم القرية تقع بيادرها، التي يتم فيها أعمال فصل الحبوب عن أوراقها وسيقانها..
على مقربة من البيادر تقيم حواكير القرية المخصصة لزراعة الخضروات الصيفية.
يليها وعلى مدى النظر، تمتد السهول المخصصة للزراعات الموسمية المتمثل في الحبوب والبقول.. ذلكم هو الإنتاج الاقتصادي للقرية وللمنطقة بأسرها الذي مدها
بأسباب الحياة.. منذ الزمن القديم تقلدت حوران تسمية أهراء روما بعظمتها.
من اليقين بمكان أن للأسماء دلالتها، ففي قريتنا مواضع عديدة، لها من الأسماء، ما يدل على وظيفة قديمة لها، فقدتها مع الأيام، من بينها: كروم العنب، كوم التينة، كرم الزيتون، ظهرت في يومها ذاك.. وهي جرداء من محتوى هذه الأسماء.. (خمسينات من القرن الماضي)..
تكاد تكون قريتنا وما على تخومها، بأنها قد شكلت إحدى المصبات الرئيسية للحمم البركانية، القادمة إليها من البراكين الواقعة شرقها – جبل العرب، مما جعلها تتمتع كمنطقة اللجاة، بسلسلة من المرتفعات الصخرية الصغيرة المنتشرة بين ربوعها، تبدو متواصلة حيناً، وحياناً مبعثرة..
تمتعت هذه المرتفعات بدورها بسمة أنسننة الطبيعة، إذ تحلت على غرار الناس بأسماء تخصها.. من بينها، سلسلة ممتدة شمالها ” رقة السوس، ورقة النبعه، ورقة القتيل والمطلّة والمجنة..
في الجنوب الشرقي تقع رقة صغيرة تدعى المعصرة.. في الشرق رقة البنية. على تخوم القرية في الغرب رقة عيسى.
على مدى أوسع وأبعد في نواحي الغرب تقع سلسلة من الروابي الصخرية حمل بعضها اسم بقعة الدم.
لبعض من الأسماء دلالات تبوح بها – كمثال: من على رقة السوس وفي امتداد الشمال منها، تمادت بقعة منبسطة من الأرض، ظهر فيها نبات السوس طبيعياً.. وفرت لنا تلك النبتة – نحن الصبية، مجالاً رحباً لاقتلاع أغصان من نبات السوس، ذي الجذور الصلدة المنغرسة بعيداً عبر التربة الجافة الشديدة القسوة.
لكم ما سببت لنا تلك المتعة، من آلام مبرحة من تشققات اليد.. ونحن نقوم بعمليات الحفر والشد في تربة جافة وجذور صلبة قاسية كالحجارة.
كنا قد درجنا نحن الصبية، على نقع غصينات السوس المقتلعة، في الماء البارد، ليصبح شراباً لذيذاً لنا، نحتمي فيه من قيظ الصيف اللاهب..
🛑
الماء (وجعلنا من الماء كل شيء حي) و (ما بين البركة والبرَكّة علاقة من جدل) في القرية عدد من البُرك، من شأنها اختزان الماء في فصل الشتاء، لتمد القرية في فصول الجفاف. يلتحق بهذه البرك بئران قديمان. يُروى عنهما أنهما من عهد الرومان، يعودان، كما أرى إلى عهد الأنباط. تتشكل البركة من منخفض محدود السعة، قاعه صخري محاط بطوق صخري، يجعل منه خزاناً طبيعياً للماء. تكوّن هذا الجرف الصخري من القذائف البركانية السحيقة القدم، تم دعم بعضها بجدار أو أكثر مشكّل من حجارة مصقولة، من فعل البشر، ليزيد هذا الجرف بطاقة استيعاب أكبر.. يفد الماء لهذه البُرك، عبر قناة تتصل بوادٍ ينشأ من جبل العرب، يعبر من التخوم الشرقية للقرية ليستكمل مساره عبر حوران نحو وادي اليرموك، الواقع في القطاع الغربي من حوران، ليشكل في نهاية مساره أحد الروافد لنهر الأردن..
قريتنا كباقي قرى حوران أقامت ذاتها على تخوم الوديان، أو حول تجمعات المياه. وما كان لقريتنا كغيرها أن يقوم لها قائمة من دون بَرَكة بُرك المياه هذه..
تقديراً لهذه البُرك، حمّلها ناس القرية أسماء خاصة بها، يحمل كل منها إيحاءاً لها.
على الطرف الجنوبي للقرية تقع البركة الأهم، تحمل اسم “أم البيضة”، المخصصة للشرب.. على الطرف الشمالي وبالقرب من دارنا تقوم بركة “أم الصفا”، مسبح طفولتنا.. تشاركنا فيه سقاية الحيوانات.
يصل بين البركتين قناة تعبر بركة صغيرة على تخوم البركة الجنوبية، تحمل هذه البركة اسم ” أم الكلاب” – ربما كان يعوم بها الكلاب، لم تستعمل هذه البركة قط للشرب. تخرج منها قناة لتعبر ” المطخ “، وهو مجمع مائي ترابي سريع الزوال. من عبره تنطلق القناة محاذية للطرف الشرقي للقرية، لتصب في بركة ” أم الصفا “.
من مسار القناة القادمة من الوادي وقبيل البركة الأولى، تتفرع قناة فرعية لتصب في بركتين صغيرتين، الأولى تسمى ” أم الصوف ” تخصصت لغسيل الصوف، تدعى الثانية ” أم الشيد “. درجنا نحن الأطفال ندشن هاتين البركتين بسباحتنا وصخبنا وعبثنا، في لحظة غفلة عن عيون الرقباء.. لاسيما هاتان البركتان تقعان على تخوم القرية شرقاً..
تربض بالقرب منهما بركة مهجورة تدعى ” أم القرود ” هل أمّها القرود ذات يوم فيما مضى؟، تحتوي هذه البركة على صخور سوداء، تكاد تملأ جوفها. لم يكن لهذه البركة صلة بمسار القناة، يأتيها شحيح الماء رشحاً. ربما توفر لها نبع مائي صغير في أعماقها، ذات زمن.
حدثتني جدتي عن وجود قديم لبركة وبئر تم طمرها في الحاكورة القائمة أمام دارنا.. على بعد منها وللغرب تقع حاكورة أخرى تشكلت من طمي بركة سابقة أخرى، تجاورها أيضاً آثار بركة مطمورة أخرى في سوابقها.. لمن يتحرى يعثر على آثار قناة تمتد من أم الصفا إلى تلك المواقع ذاتها.. ولمن يرغب التدقيق أكثر، يعثر على حصى، تحمل علامات عبور مائي سابق..
من المؤكد، أن هذه المسميات التي تم إطلاقها على البُرك، تحمل في أحشائها قبساً قادماً من ميراث قديم، كان فيه ناس المنطقة يسبغون على الطبيعة حياة كذواتهم، بالأحرى يؤنسنوها (من ناس)..
ليس أدل من تدخل لقب أم في الاسم، من حيث كون الأم رمز الولادة وحضانة الحياة. وأليست هذه البُرك المباركة، هي المصدر لحياة القرية ووجودها…!
ومما يدعم نزعة أنسنة الطبيعة، ظهور عناصر أخرى حملت أسماء تليق بها، على نسق تلك التلال الصغيرة الصخرية المحيطة بالقرية، وللسهول بدورها أسماء تليق بها، وفي بعض الأحيان تتمتع الحيوانات الأليفة بأسماء تخصها، كالبقر، والغنم، والماعز، والحمير.
لعل لهذه العلاقة الوطيدة ما بين الطبيعة والقرية، قد تمادى في مظاهره ليعكس ما هو حيوي من الطبيعة على اسمها ذاته.
يعود اسمها رخم، في أصوله إلى الرُخم، وهو: طائرٌ غزيرُ الريش، أَبيضُ اللون مبقَّع بسواد، له منقار طويل قليل التقوُّس، رماديُّ اللون ميال إِلى الحمرة، وأَكثر من نصفه مغطَّى بجلدٍ رقيق، وفتحة الأَنف، ربما يكون قد استوطن القرية في زمن مضى[في هذا الصدد.. أتذكر أن روابي القرية الصخرية كانت موطنا لأسراب الحجل – اعتاد على ارتيادها الصيادون القادمون من لبنان في أزمنة الخمسينات وربما الستينات. ولعل تلك العلاقة تشكل دلالة على تواصل قديم.. لا يتعرف بالحدود القائمة]..
اللافت للنظر، إن هذا البعد المتمثل بالإضفاء الحيوي على الطبيعة وعناصرها، في جعلها تحمّل مسميات كالناس، تمادى ليشمل إيجاد عرى لا تنفصم بين الناس وما يملكون، فكلمة ” الدار ” و ” البيت ” التي تعني في أصلها الحيز المادي لسكنى العائلة، تتمدد لتصبح اسماً للعائلة وحتى فروع الأسرة الممتدّة، مما يهب المكان صفة حيوية، عبر تماهيه مع ساكنيه. [لا اعتقد، أن اللغات الأخرى تحمل في طياتها كلمات ذات دلالات من هذا القبيل، حتى لو وجدت، فإن الأمر لا يبلغ فيه مثل هذا البعد من الإيحاءات]..
عندما يقال ” دار ” فلان ” يعني المسكن المادي بذاته، بحجراته وملحقاته، ويمتد إلى العائلة القاطنة فيه.. كما أن كلمة ” بيت ” تتوسع لتشمل قبيلة كاملة..
لعل لهذا الظاهرة جذر قديم، حينما نعلم أن كلمة بيت في دلالاتها تلك، قد أظهرتها النصوص البابلية، حيث كانت المقاطعات التابعة لها تدعى بيوت، كبيت عمري (السامرة) وبيت داود (أورسالم) وبيت رحوب في البقاع، بيت آغوشي في حماة، وبيت بخياني (تل حلف)، وعشرات البيوتات.. الأخرى التي كانت سائدة كتسمية في تلك الأزمنة السالفة..






