مَن يسعى إلى الوصاية على دمشق؟

  محمود الريماوي

بعد مضي 11 يوماً على استهداف مطار أبو الظهور في ريف إدلب شمالي سورية، من المتوقّع أن تكون الرسائل المفتوحة، السياسية والعسكرية، على الرغم من عدوانيتها، قد وصلت إلى صانعي القرار في دمشق وأنقرة، وأن يجري الردّ عليها ليس بالضرورة عبر وسائل الإعلام، بل بالترتيبات والإستعدادات على الأرض وفي الأجواء، جنباً إلى جنب مع التحرّكات السياسية والقنوات الدبلوماسية. وعلى الرغم من أنّ واشنطن اعتبرت هذه الهجمات “تصعيداً غير مبرَّر”، إلّا أنّ بنيامين نتنياهو لم يتوانَ عن تمرير رسائله الخطيرة، منها الزعم بتجاوز “وضع قائم متّفق عليه في المسائل الأمنية من خلال السماح لقوات تركية بالانتشار في القاعدة”. فالرجل يسعى إلى تكريس ادّعاء حكومته إنّ لها الحقّ في حظر أيّ وجود عسكري تركي في الأراضي السورية قد يتم الاتفاق عليه بين أنقرة ودمشق، في وقت نفت فيه وزارة الدفاع التركية وجود وفد عسكري تركي في المطار قبيل مهاجمته. وبهذا، ينطوي الاعتداء الإسرائيلي، بعيداً من الحدود السورية مع دولة الاحتلال، على خطر تقييد أيدي السلطات السورية في اتخاذ ما تراه مناسباً في أمورها الدفاعية. وبينما تحتلّ قوات إسرائيلية جبل الشيخ ومناطق واسعة داخل الأراضي السورية، تجهر حكومة نتنياهو برفضها أن تباشر دمشق حقوقها السيادية في بناء دفاعاتها، مستعينةً بدول صديقة، وفي وقت تستعين فيه تل أبيب بأميركا ودول غربية عديدة.

ليس مطلوباً إزاء هذا إطلاق حرب كلامية حول السيادة والحدود، بل مُحاجّة تل أبيب في المحافل الإقليمية والدولية بأنّه لا يمكن لطرف خارجي أن يحدّد احتياجات بلد مجاور، وأن يحدّد خلال ذلك ما هو مسموح به وما هو محظور، وتحت يافطة تهديدات أمنية متخيّلة أو مفترضة. فالثابت أنّ تل أبيب هي من تهدّد دمشق، وهي من تنتهك المواثيق الدولية باحتلالها، ابتداءً من 9 ديسمبر/ كانون الأوّل 2024، أراضي سورية تُضاف إلى احتلال هضبة الجولان في1967. لا تردّ أنقرة على هذه التحدّيات المتمثّلة بالتدخّل الفظّ في العلاقات السورية التركية، لكنّها تشدّد على الاستمرار في دعم سيادة سورية ووحدة أراضيها، وعلى دعمها الموصول لإعادة بناء قدرات هذا البلد. وتراهن أنقرة، كما هو بادٍ، على إنجاز تفاهمات مع إدارة ترامب تمنع اندفاع حكومة نتنياهو في تحدّي الجانب التركي. وقد نُسب إلى السفير الأميركي لدى أنقرة، توم برّاك، أنّ إدارة بلاده تسعى إلى إنشاء آلية تمنع الاحتكاك العسكري بين إسرائيل وتركيا وسورية. وقد يكون هذا جيّداً بالمعايير الفنّية، لكنّ التساؤل المثار: كيف يمكن أن تنشأ هذه الآلية فيما القوات الإسرائيلية تستبيح، من دون توقّف، الأراضي والأجواء السورية؟ وكانت تركيا وإسرائيل قد أنشأتا العام الماضي قناة اتصال لتجنّب وقوع حوادث بين قواتهما في سورية، إلّا أنّ أساس المشكلات يبقى في التعدّيات الإسرائيلية شبه اليومية لحرمان سورية من فرصة إعادة البناء في شتّى المجالات.

والأسوأ السعي إلى تكريس خلل يقوم على حقّ مزعوم لتل أبيب في الوجود غير الشرعي في الأراضي السورية، مع محاولة حرمان دمشق من الاستعانة بأصدقائها لبناء قدراتها الدفاعية، بما فيها المتعلّقة بالدفاع الجوي وسلاح الطيران، وبما يضع هذا البلد في وضع أقرب إلى الوصاية عليه، وذلك كلّه تحت غطاء من ادّعاءات بمنع بروز تهديدات أمنية. وهي سابقة غريبة في العلاقات الدولية اعتماد دولة إلى احتلال أجزاء من أراضي دولة مجاورة واستباحة أجوائها، لضمان أمن مزعوم للدولة المعتدية. ويعرف القاصي والداني أنّ سورية ليست في وضع تهدّد فيه أحداً، بل إنّ المسؤولين فيها لطالما أعلنوا ذلك مراراً.

الاعتداء الإسرائيلي على مطار أبو الظهور العسكري رسالة اختبار مبكّرة لاتفاقية مكّة للدفاع المشترك

لا يتوقّف الأمر عند السعي إلى تكريس هذا الخلل، إذ إنّ الزعامات الإسرائيلية لا تتوانى ولا تكفّ عن الحديث عمّا تسمّيه “حرّية الحركة” في الأجواء السورية. يُذكر في هذا الصدد أنّه قد أُبرم اتفاق بين موسكو وتل أبيب، إبّان عهد النظام السابق في دمشق، بأن تمتنع تل أبيب عن المساس بالوجود الروسي في غمرة الحملة المنتظمة آنذاك على الوجود الإيراني، مع تنظيم آلية اتصال وتنسيق بين الجانبَيْن لمنع الاحتكاك بينهما. وهو ما تمّ التقيّد به إلى حدّ كبير، باستثناء تعدّيات طاولت مواقع سورية. وعلى الرغم من اختلاف الظروف ومغادرة القوات الإيرانية الأراضي السورية عقب انهيار النظام السابق، إلّا أنّ تل أبيب تعتبر ما تسمّيها “حرّية الحركة” حقّاً مكتسباً ودائماً. عِلماً أنّ الدول تتمتع بحرّية الحركة العسكرية داخل حدودها أو ضمن حدود بلد حليف، تتّفق معه على حرّية محدّدة في الحركة، أمّا أن تمنح دولة نفسها حرّية الحركة في أجواء بلد مجاور، بغير اتفاق أو تفاهم بين الجانبَيْن، فذلك لا يعدو أن يكون تعدّياً ممنهجاً على سيادة بلد آخر، وبالاستناد فقط إلى ميزان القوى العسكري الراجح لدى الطرف المعتدي.

من الواجب تفنيد هذه الادعاءات والتمسّك بخطاب سياسي مفادها رفض هذه الانتهاكات، إلى جانب رفض التدخّل في الشؤون الداخلية وفي مسار إعادة بناء القدرات الذاتية، مع التشديد على أنّ حرص السوريين على أمنهم لا يقلّ عن حرص الإسرائيليين على أمنهم.

ويبقى أنّ التحدّي مُشهر في وجه الدور التركي المتنامي في الإقليم، وبمواجهة العلاقات السورية التركية حاضراً ومستقبلاً، وهو ما لا يمكن الاستهانة به أو التهوين منه. على أنّه، بعدئذٍ وبما يتعدّى مكانة تركيا، يحمل الاعتداء الإسرائيلي في عمق الشمال السوري، وقريباً من الحدود مع تركيا، رسالة اختبار مبكّرة لتحالف مكّة الثلاثي بين السعودية وباكستان وتركيا، وإيحاءً من تل أبيب بأنّ نشوء هذا الحلف لا يغيّر شيئاً من معادلات القوّة، وأنّها ستتصرّف راهناً ومستقبلاً كما لو أنّ هذا الحلف لا وجود له.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى