
حان الوقت للتفكير مليّاً في هذا الابتكار الذي ورد علينا، وأضحى حديث الدنيا والناس في كلّ النواحي وعلى مستوى كلّ مجالات الاهتمامات الإنسانية، خصوصاً منها الأكاديمية، إلى درجة أنّ بعضهم كتب مقالات، بل كتباً، يُشرّح فيها إشكالية الظاهرة ويقرأ تداعياتها على الإنسان، وفي مجال السياسة بالذات، من حيث التأثير على خيارات صنع القرار، ومن حيث استشراف مستقبل العلوم الاجتماعية في ظلّ التنامي المستمرّ للذكاء الاصطناعي.
بالفعل، هناك إشكالية أضحت تطرح نفسها بقوّة في الوسط الأكاديمي، وتثير نقاشاً واسعاً بشأن الذكاء الاصطناعي واستخداماته، بين من يدعو إلى الاستخدام من دون حدود ومن يريد التريّث إلى حين نضوج الرؤى المتّصلة بمدى التطابق بين تقنيات مولّدة للمعرفة والنزاهة العلمية. هل ثمّة تناسب؟ وهل ثمّة إمكانية للاستخدام من دون رقابة؟ إشكاليات يشير معظمها إلى أمّهات القضايا المثارة في هذا الشأن، والمخرجات الممكنة والمتاحة للحفاظ على حدود بيّنة بين التوليد الاصطناعي للمعرفة والذكاء الإنساني في التعبير عن تلك المعرفة، خصوصاً في مجال العلوم الاجتماعية التي تعاني أصلاً معيارية الإشكاليات ونسبية الحقيقة، إضافةً إلى منهجيات تفتقر إلى الدقّة، ما يفضي إلى نتائج غير مقنعة إذا لم يكن هناك رصانة في البحث وخطوات علمية تنتهي إلى طرح يقبل الجدال في الوسط الأكاديمي ذاته.
بالإشارة إلى ما جاء في العنوان، هناك ارتباط وثيق بين إرادة التعامل مع الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في مجالات متّصلة بالاهتمامات الإنسانية، في مجال السياسة، وبخاصّة في السياسات العامّة والسياسة الخارجية، ما يستدعي التوقّف لاتخاذ موقف وتوضيح الرؤية، وبخاصّة أنّ بعض الأبحاث ظهرت في الوسط الأكاديمي وطرحت قضايا مماثلة، تضمّنت إشكاليات التنظير، ومنهجية البحث، وقدرات العمل بالذكاء الاصطناعي من دون الخروج عن تلك الرابطة الموجودة و/ أو الحلقة المفقودة لمتخصّصي هذا الابتكار، بين اهتمامات إنسانية مجرّدة والحاجة إلى التعامل مع الآلة التي لا تشعر ولا تعرف مكنونات الإنسانية وما يعتريها من شؤون بعيدة عن المعلوماتية وعواملها التقنية الدقيقة.
لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون شريكاً للإنسان في رسم السياسات العامة وتجسيدها على أرض الواقع
بالنسبة إلى السياسات العامّة، ثمّة أكثر من إشكالية لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون شريكاً فيها للإنسان في رسمها وتجسيدها على أرض الواقع، بما أنّ الإشكاليتَيْن المطروحتَيْن، هنا، تتعلّقان، كلتاهما، بمعادلتَي الموارد والحاجيات، لأنّ الأولى محدودة والأخرى لا متناهية، والثانية معادلة المطالب – الاستجابة، ذلك أنّ ما يُطرح بشأنهما: كيف نقيس مؤشّرات الحاجيات وهي متّصلة أساساً بالتحوّلات الاجتماعية والمجتمعية ومرتبطة بأهواء الناس، أي بمؤشرات معيارية ليس للآلة أن تتصوّرها، بل البحوث الميدانية وتتبّع مقاربات الاستهلاك، فترةً بعد فترة، حجماً ونوعاً، هما ما يمكّنان من تحديدها.
لنصل، هنا، إلى المعادلة الخاصّة بالمطالب – الاستجابة التي تحتاجها السلطة لتحديد منحنيات أنساق المطالب والتعامل معها من خلال معطى الاستجابة، لمنع المؤشّرات من أن تتناقض إلى درجة تؤدّي إلى إيجاد طبيعة عنفية للتعبير عن المطالب، وتتطوّر الأمور إلى التهديد للاستقرار والأمن القومي عبر الفوضى، والانتفاضات أو الثورات.
ما يهمّنا، في هذا الإطار، أنّ الذكاء الاصطناعي لا يمكنه التعامل مع ما هو معياري، فالإشكالية المحورية في العلوم الاجتماعية أنّها تدرس الإنسان الذي يُعدّ فاعلاً غامضاً، من كلّ الجوانب، ولا يمكن للآلة أن تطّلع على نفسيته، وأهوائه، وميوله، ومكنونات شخصيته وتوجّهاتها إزاء مسائل متعلّقة بحياته، سواء كانت اقتصادية، سياسية أو تربوية وثقافية، وغيرها من المجالات التي تعطّل قدرة الذكاء الاصطناعي عن استكشافها، وتحتاج إلى مراكز بحث، ونُخب جامعية، وأطروحات للبحث فيها وتمكين الآلة، بعدها، من إبداء تصوّرات تبقى احتمالية وغير مؤكّدة في مجال السياسات العامّة.
تنادي جهات أكاديمية باستخدام معقول للذكاء الاصطناعي، لكن بقيود صارمة
نأتي إلى مجال السياسة الخارجية بخياراته، ومقارباته، ومنهجيات صنع القرار فيها، والمتّصلة، على طول الخط، بصانع القرار وشخصيته، ومزاجه، وما يحيط به من مؤثّرات وليدة بيئته والموجّهة للقرار نحو إمّا السلام أو الحرب أو التنافس أو العداء أو الخصومة أو التحالف وغيرها من حالات احتمالية بين الحرب والسلام، وبين التصعيد والمهادنة، ما يؤثّر في الجوار والعلاقات الدولية، بصفة عامّة.
صحيح أنّنا، في مجال السياسة الخارجية، وبسبب ثورة الداتا/ البيانات وتكنولوجيا الاتصال، تضخّمت الخيارات، ولكنّها بقيت مرتبطةً أساساً بالإنسان الصانع للقرار بدوره المحوري في كلّ المنظومة، ولا يمكن للآلة، هنا، إلّا أن توفّر الخيارات وتوجّهات سيناريوهات الوضع الأزماتي، ولكن، وهذا مستقرّ في عقل صانعي القرار ودارسي السياسة الخارجية ووعيهم، لا يمكن لا للذكاء الاصطناعي ولا للكمّ الهائل من البيانات/ الداتا المعالَجة أن يتدخّلا في مسار المفاوضات، أو أن يوجّها القرارات، أو أن يولّدا سياسةً خارجيةً يمكن تبنّيها وإبداؤها في المحافل الدولية.
في النتيجة، نحن أمام مجالَيْن، باعتبار أنّهما ليسا إلّا مثالَيْن، لا يمكن ادعاء أنّ للذكاء الاصطناعي القدرة على التدخّل فيهما وإعطائه اليد الطولى في صنعهما، وهو ما يستدعي تناولاً متحفّظاً من الباحثين في ميدان العلوم الاجتماعية، بالارتكاز على مبادئ يجب الأخذ بها عند التنظير، ومحاولة التفسير، وعرض النتائج بما يخدم قراءة مسار السياسات العامّة أو تصوّر السياسة الخارجية، وهو ما ينطبق على الظواهر الاجتماعية المعقّدة التي تحتاج إلى عقل الإنسان، الذي ربّما تساعده الآلة من خلال البيانات، وسرعة تحليلها وتصنيفها، لكن، وهذا مربط الفرس، لا يمكنها أن تسهم، ولو بجزء بسيط، في تخيّل مسار توجّهات الظواهر، ولا تخيّل سيناريوهات حركيتها على المدى المنظور، والمديَيْن المتوسّط والبعيد.
إذا كان الأمر بهذه الصعوبة والتعقيد، نشير إلى جملة إشكالات خاصّة بالعلوم الاجتماعية/ الإنسانية، تقع في محور الحوارات الأكاديمية، وتحتاج إلى تفكير ووعي في حلّها من قبل الباحثين، ذلك أنّ الذكاء الاصطناعي لن يعمل على حلّ مشكلات العلوم الاجتماعية، بل سيؤدّي بالحقيقة النسبية، التي هي طبيعة الحقيقة في العلوم الإنسانية، إلى الخروج بطبيعة الظاهرة الاجتماعية عن حقيقتها، ويورد صدقيتها المهالك، خاصّةً إذا عقلنا، على سبيل المثال، هذه النماذج من المعطيات التي إن لم نتباحث فيها ونعمل على ضبطها، ستحوّل السرقات العلمية التي تعانيها البحوث العلمية، وخاصّةً في مجال العلوم الاجتماعية، إلى كارثة حقيقية على المعرفة الإنسانية.
يفضي البحث المولّد بالذكاء الاصطناعي إلى توليد مادّة لا يمكن وصفها بالعلمية ولا إطلاق مسمّى المعرفة عليها
يشير النموذج الأوّل إلى معطى مفهوم التوليد الملازم لمفهوم الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ يجيب الذكاء عن طلب البحث باستعراض ما في ذاكرة خزّان البيانات من معلومات، ولكن، على عكس الإنسان، لا يفرّق بين ما يناسب المطلوب، بل يأتيك، في صورة منظّمة ربّما وفي تقديم جذّاب، لكن من دون القدرة على التفريق بين ما هو صحيح وما هو غير صحيح، وما بين ما له صلة بالمطلوب وما لا صلة له، إضافةً إلى نسب ما يأتي به إلى الباحث على أنّه من إبداعه، ليكون ذلك درجة أعلى من السرقة العلمية، حيث الأمر لا يتعلّق بالأمانة العلمية مع معرفة بحدود السرقة، بل يتجاوز هذا إلى عدم معرفة ما جادت به قريحة الذكاء الاصطناعي عندما يُطلب منه إنجاز بحث ما.
يتلو التوليد، في معطى آخر، مقاربة التقديم والتأخير في المعرفة، بما يلغي دور الباحث في ترتيب ما نسمّيه في البحوث العلمية بالتراكمية العلمية، إذ ننطلق في البحث بطرح إشكالية نقوم بتفكيكها إلى فرضيات، ثمّ بالتحقّق، نفيًا وتأكيداً لها (الفرضيات)، باستخدام جملة من المتطلّبات العلمية على غرار الأدبيات العلمية، والمناهج، والأطر النظرية التفسيرية، نصل إلى الإجابة عن سؤال الإشكالية والخروج بجملة من الاستنتاجات وآفاق البحث، بفتح نوافذ لتناول آخر ورؤى مستقبلية للظاهرة.
أمّا في البحث المولّد من خلال الذكاء الاصطناعي، فهو يرتّب المعلومات بعضها فوق بعض بمراجع قد تكون حقيقية أو غير حقيقية، ذات مصداقية أو فاقدة لها، بل وبحقائق قد لا تكون أصلاً موجودةً في الحقل المعرفي الذي تقع الظاهرة ضمن ما يُدرس منها، بما يفضي إلى توليد مادّة لا يمكن وصفها بالعلمية ولا إطلاق مسمّى المعرفة عليها، إذ إنّها، بشكلها ومضمونها، غير قابلة للنقاش العلمي ولا الجدال الأكاديمي.
المطلوب رفع منسوب النزاهة العلمية وإعطاؤها دورها المحوري في ترقية أيّ إنتاج علمي إلى مصاف المعرفة
في معطى ثالث، في هذا الإطار، تنادي جهات أكاديمية باستخدام معقول للذكاء الاصطناعي، لكن بقيود صارمة تمنع من الوصول إلى ما ذكرناه، وتورد تلك الجهات الأكاديمية، من مراكز بحث وباحثين وجامعات، نماذج من السرقات العلمية والنشر، التي تثبت المآخذ التي نتحدّث عنها، هنا، خصوصاً في مجال العلوم الاجتماعية التي تعاني، كما قلنا، من انخفاض نسبة الحقيقة في دراسة ظواهرها بمرجعية طبيعة تلك الظواهر، لكن ليس الذكاء الاصطناعي ما يمكّن العلوم الاجتماعية من الحصول على الصدقية، ولا الرفع من نسبة الحقيقة، كما لا يمكن للذكاء الاصطناعي نفسه توليد معرفة بحجم المعرفة الإنسانية وقدرها، وبخاصّة في جانب عمقها وإبداعها وكفاءتها، ولا في جانب إنسانيتها بصفة خاصّة.
بالنتيجة، المطلوب، هنا، لحماية جناب المعرفة والعلوم الاجتماعية، بخاصّة، هو صياغة ميثاق أخلاقيات للاستخدام، والمطلوب أكثر هو الرفع من منسوب النزاهة العلمية وإعطاؤها دورها المحوري في ترقية أيّ إنتاج علمي إلى مصاف المعرفة إذا كان من إنتاج باحث وإبداعه، كما قد يستدعي الأمر ردعاً أكبر من المؤسّسات البحثية لكلّ منتوج علمي، بعرضه على أدوات التأكّد من إنسانية المنتج، ثمّ نسبة الاعتماد في المنتج على مراجع أصيلة وحقيقية قبل إجازته لنشر، بل وتوسيع ذلك إلى ما بعد النشر، لعلّ الأمر يكون دقيقاً إلى درجة ألّا يُكتشف عواره بالرغم من شبكات الرقابة التي تحيط بالبحث من كلّ جوانبه قبل، وأثناء، وبعد إصداره.
هذه بعض أفكار أردنا الإشارة إليها، وهي في صلب الحوارات الأكاديمية، ولم يصل بها مجتمع الباحثين إلى القول الفصل، ولكنّها، على قصرها، من خلال مثالَي السياسات العامّة، وبنماذج القصور البحثي المشار إليه في العلوم الاجتماعية، يمكننا الحديث عن الحاجة إلى حوارات أعمق، وإلى وعي في استخدام الذكاء الاصطناعي وتركه يغزو مجالات كانت وستبقى حكراً على ابتكار الإنسان وملكات ذكائه.
المصدر: العربي الجديد






