الحياة السياسية والأحزاب مرة أخرى؟

عندما يكثر الحديث في الأوساط السورية السياسية والمجتمعية عن مسألة مهمة باتت مقلقة في كثير من حالاتها، وتؤشر إلى أزمة بنيوية، تطال مجمل حيوات السوريين، على المستوى السياسي والوطني. فإن ذلك يعني وجود إشكالية ما، ولعل أس أساس هذه القضية مازال يحوم حول ماهية وإمكانية بناء وإنتاج حياة سياسية جديدة في سورية، بالتساوق مع تأجيل فكرة العمل على إصدار وصياغة قانون للأحزاب في الواقع السوري. حيث يُعرف عن نظام آل الأسد ومنذ أن جاء حافظ الأسد بانقلابه (سيء الصيت) عام 1970 تغييبه للحياة السياسية في المجتمع السوري، يوم أن ألغى السياسة بحد ذاتها، من الممارسة العملية، في منعرجات وحياة السوريين، إلا إذا كانت ضمن سياقات التأييد والولاء لنظامه، والزحف طوعًا أوكرهًا نحو خطب ود ورضاء الحاكم الأوحد، وهو (نظام الأسد) وعندما فكر بقيام ما أسماه (الجبهة الوطنية التقدمية)  اشترط عليها وعلى أحزابها في سبعينيات القرن الفائت، أن ينص الدستور السوري صراحة، على قيادة هذه الجبهة من قبل حزب البعث الحاكم،  ليتم تشريع المادة الثامنة من الدستور في ذلك الوقت، التي  أكدت على أن حزب (البعث العربي الاشتراكي) هو من يقود الدولة والمجتمع السوري، وهو ما دفع أهم حزب في تلك الجبهة وهو حزب الاتحاد الاشتراكي العربي  للاعتراض، ومن ثم الخروج من الجبهة المشار إليها،  واتخاذ خيار المعارضة منذ عام ١٩٧٣ بقيادة الدكتور جمال الأتاسي، الشخصية السياسية المعروفة والممسكة بخيارات أخرى لا تقبل المساومة، ولا توافق على  الارتداد نحو حظيرة القمع الأسدي، كما فعل البعض.

اليوم وبعد تلك التجربة المريرة، وبعد تصحر الحياة السياسية، وإبان ثورة مهمة بتاريخ سورية، كانت قد ضحت على مذبح الحرية والكرامة بما ينوف عن مليون إنسان سوري، يأتي اليوم من يقول: إن الحياة السياسية مازالت مؤجلة، وأن قانون الأحزاب قد لا يكون ضمن أولويات مجلس الشعب السوري الجديد، حيث هناك العديد من الأولويات التشريعية الأخرى التي تحتاج من أعضاء مجلس الشعب ، إلى إعادة إنتاجها،  ومنها قانون العدالة الانتقالية، وقانون للإعلام والمطبوعات، وقانون للإدارة المحلية، وعشرات القوانين ذات الطابع المستعجل، لمواكبة حالة التغيير الكبرى التي تسير ضمن التغيرات الماضية إلى مستقبلات  أخرى  باضطراد .

لكن السؤال لدى الشارع السوري الشعبي دائمًا ما يرفع سبابته معترضًا، ومشيرًا إلى سوداوية الحاضر وكذلك المستقبل السوري، فيما لو استمرت حياة التصحر السياسي متحركة بعيدًا عن عملية صياغة حقيقية وجدية لقانون جديد للأحزاب يحيي الحياة السياسية، ويساهم أيضًا في رفع وتشريع سياقات العمل الوطني، ويهيئ الأجواء نحو حياة ديمقراطية، تعتمد على آليات عمل صندوق الاقتراع ، كمسار لابد منه نحو الديمقراطية والمشاركة السياسية، وتتجاوز كل آلية مسألة التعيينات، التي باتت من الماضي ولا يجوز أن تبقى معيارًا أو طريقًا للعمل الإداري، أو السياسي، أو الوطني برمته .

يخرج علينا بين الحين والآخر، من يشير إلى خطورة وجود أحزاب سياسية، خشية من إعادة إنتاج أدوات قد تخدم الفلول، أو السلطة الأسدية المخلوعة. لكن من يتحدث بذلك يبدو أنه لم ينتبه إلى مسألة غاية في الأهمية مفادها: أنه حتى في ظل وجود حكم السلطة الأسدية القمعية ورغم منع وجود قانون للأحزاب، فإن هناك الكثير من الأحزاب السورية ذات الطابع السري قد نشأت وعملت بالخفاء بالرغم من خطورة المرحلة تلك، والاشتغال في التنظيمات السياسية، والخوف من المعتقلات والسجون التي ملأت الساحة السورية. إذًا يمكن القول: إن عدم وجود قانون للأحزاب لا يمنع تشكل الأحزاب، بل سوف يدفع مثل ذلك إلى مزيد من وجود أحزاب ذات بنية متشددة، وإلى الكثير من حالات قيام تنظيمات سرية، غير مرخصة وغير مقيدة بقوانين، ومن الممكن أن تفلت هذه القوى والتنظيمات والأحزاب من محددات القوانين.

من هنا كان الأفضل والأكثر عقلانية سياسية أن يتم العمل على صياغة وإصدار قانون عصري وحديث للأحزاب السياسية يهيئ الأجواء نحو حياة ديمقراطية حقيقية، ووعي مجتمعي وحريات بسقف عالٍ، يحدده القانون وليس أجهزة الأمن.

خلاصة القول: فإنه لا حياة سياسية في سورية فحسب، بل في أي بلد من العالم، بدون وجود أحزاب سياسية، تخضع لترخيص قانون وضعي، وإشراف من الدولة، وضمن آليات قانونية ودستورية، وهو حق طبيعي للمجتمعات، وليس منة من أحد، وبدون إصدار تشريعات وقوانين تنظم الحياة السياسية في سورية، وترسم أطر العمل السياسي، وغير ذلك من المسائل الملحة في الواقع السوري، نكون قد دفعنا المجتمع باتجاهات أخرى، ليست أقل خطورة من حالة جفاف الحياة السياسية، أو غياب قانون جديد وعصري للأحزاب السياسية. وهنا لابد من القول: إن العمل اليوم على إصدار قانون جديد للجمعيات والمنظمات ذات الطابع الإنساني والثقافي، خطوة مهمة لكنها غير كافية، ولا تساهم كثيرًا في حل مشكلة الفراغ في الحياة الحزبية والسياسية. الضرورة هي القناعة والعمل على صياغة قانون للأحزاب يعيد رسم ملامح الحياة السياسية، ويبني الدولة والمجتمع على أسس عصرية جديدة متطلعة نحو المستقبل، ومدركة لطبيعة المرحلة ، وصولًا إلى صياغة عقد مجتمعي وطني جامع ، وهذه الخطوات والتحركات هي التي سوف تساعد على لملمة الصف الوطني السوري، ومن ثم  حل مشاكل الجنوب السوري المستعصية حتى الآن عن الحل،  ووقف كل أنواع  العبث في وحدة الجغرافيا السورية، ووحدة كل السوريين، بعد عودة الحقوق إلى أصحابها، وسيادة القانون، وجبر الضرر، ومحاسبة كل المستهترين والمقصرين، ضمن سياقات  ومسارات تطبيق قانون العدالة الانتقالية، الذي لابد أن يصدر قريبًا جدًا، من قبل مجلس الشعب السوري الذي بدأ جلساته، وتحرك للعمل على أنساق الأولويات، التشريع والرقابة، كمهمات من جملة مهماته  الآنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى