
لم تعد عبارات “قمنا بمباحثات رائعة، هناك توافقات أو اتفاقات وشيكة، سنتخذ قرارات وخطوات حاسمة أو ستكون هناك مفاجآت غير مسبوقة”، التي يردّدها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، كثيراً في مقابلاته الصحافية وتصريحاته وتدويناته المستمرّة، تثير اهتمام المتابعين لتطورات الصراع الأميركي الإسرائيلي الإيراني على المنطقة؛ الصراع المتمثل في العمليات العسكرية واجراءات الحصار، والتهديدات التي تستهدف الملاحة البحرية وحركة ناقلات النفط والسفن التجارية في مضيق هرمز وباب المندب، بالإضافة إلى التضييق الصارم على الشبكات المالية الإقليمية والدولية الداعمة للنظام الإيراني وأذرعه في المنطقة، فهذه الحرب، في واقع الحال، شبه عالمية، هجينة. لا تقتصر أحداثها على العمليات العسكرية، وإنما تشمل أيضاً الجوانب المعلوماتية والاستخباراتية والتزويد بالأسلحة والمعدّات؛ هذا فضلا عن قنوات الدعم الأخرى (التجارية والمالية)، والتهديدات المستمرّة بتصعيد الصراع ليصبح أعمق وأشمل.
الولايات المتحدة مشاركة في هذه الحرب؛ وكذلك روسيا والصين وإسرائيل. أما القوى الإقليمية الأخرى، خصوصاً الأساسية منها (السعودية، تركيا، مصر، باكستان) فهي معنيّة بالحرب، تتأثر، وستتأثر بها، بأشكال مختلفة. فبينما تتعرّض دول الخليج، كما الأردن وإقليم كردستان العراق، لهجمات بالمسيّرات والصواريخ، بناء على أوامر من الحرس الثوري الإيراني، وهي أوامر ما زالت الأذرع تنفّذها بحذافيرها. وعلى الرغم من التصريحات المطمئنة التي تصدر من حين إلى آخر عن الوسطاء الباكستانيين والقطريين، وهم يبذلون جهوداً كبيرة في سبيل الوصول إلى اتفاق مقبول مستدام بين الولايات المتحدة وإيران، يُلاحظ أن المؤشّرات والمعطيات لا توحي بإمكانية التوصل إلى حل قريب، وإنما ما يجري لا يتجاوز حدود محاولات كسب الوقت، وانتظار نتائج الإجراءات والتهديدات والضغوط، والتعويل على احتمالات حدوث تصدّعات بينية داخلية تربك الخصم، وترغمه على التراجع أو القبول بحلول مؤلمة.
يعاني نتنياهو من عدم الاستقرار في جبهته الانتخابية التي سيتحدّد مصيرها في الانتخابات البرلمانية بعد أربعة أسابيع
والمفارقة الكبرى المشتركة التي تتحكّم بمواقف القوى المنخرطة في الصراع الإقليمي الدولي الذي يجري في منطقتنا، وعليها، تتشخّص في رغبة هذه القوى (الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران) من جهة بتحقيق تحولات استراتيجية نوعية تتناغم مع حساباتها ومعتقداتها وتصوراتها لمستقبل المنطقة ووظيفتها ضمن إطار النظام العالمي المنتظر، وهو النظام الذي ما زال في مرحلة المخاض العسير التي تنذر بمختلف الاحتمالات، وعجز تلك القوى من جهة أخرى عن تحقيق أهدافها نتيجة الصراعات الداخلية البينية التي تعاني منها؛ فالرئيس ترامب يعاني من تآكل شعبيه ومصداقيته لدى الجمهور الأميركي، ما سينعكس عليه سلباً، كما هو متوقع، في نتائج الانتخابات النصفية الوشيكة. وهذا الأمر، لو حدث، سيزيد القيود التي ستقلص صلاحياته في الاستفراد بالقرارات. كما يعاني ترامب، في الوقت نفسه، من نتائج الاضطراب الكبير الذي أحدثه في علاقة الولايات المتحدة مع حلفائها التقليديين في أوروبا الغربية، هؤلاء الذين يسعون اليوم نحو تأمين قوة دفاع ذاتية أوروبية تضع حدّا لمخاوف الأوروبين من تخلي الأميركان عنهم في ساعات الحرج؛ خصوصاً في أجواء استمرارية الحرب الروسية على أوكرانيا، واحتمالات توسعها وزيادة تكاليفها بمختلف الأشكال، فترامب يراهن علناً على الحركات اليمينية الشعبوية العنصرية الأوروبية التي يتزايد نفوذها في عدة دول أوروبية رئيسة، وهي الحركات التي يجد فيها الأوروبيون تهديداً مباشراً على أنظمتهم الديمقراطية التي نجحت في تحقيق الرفاه والازدهار لشعوبها، وتمكنّت من إبعاد شبح الحروب عن أوروبا التي عانت كثيرا من ويلاتها. وفي موازاة هذا، يتحسّب الأوروبيون من مخاطر زعزعة الاستقرار في مجتمعاتهم ودولهم نتيجة الجهود التي يبذلها بها العملاء الروس والإيرانيون.
ويعاني نتنياهو هو الآخر من عدم الاستقرار في جبهته الانتخابية التي سيتحدّد مصيرها في الانتخابات البرلمانية بعد أربعة أسابيع. وهو في هذه الحالة لن يتمكن من قيادة إسرائيل لتأخذ موقع القوى الإقليمية الأكبر المهيمنة في المنطقة، خصوصاً مع وجود قوى إقليمية كبرى غير راضية عن سياسات إسرائيل وممارساتها تجاه الفلسطينيين وسورية ولبنان، فالحكومة الإسرائيلية اليمينية المتشددة التي تعمل على إلغاء فكرة حل الدولتين، الحل الذي اعتمدته القرارات الأممية، ويحظى بدعم عربي إسلامي عالمي واسع، تتجاهل وقائع الديموغرافيا والجغرافيا والأبعاد المستقبلية ومزاج الشعوب العربية والإسلامية؛ وتراهن على الدعم الأميركي والتقدم التكنولوجي؛ وتتجاهل، في المقابل، ضرورة التوازن المجتمعي والاستقرار الأمني في المنطقة؛ فالدعم الأميركي قد يتقلص، والتكنولوجيا قد باتت مفتوحة أمام الجميع.
مصير الدول الأخرى في الإقليم معلقاً مفتوحاً على مختلف الاحتمالات، خصوصاً على صعيد الأوضاع في كل من لبنان والعراق، وانعكاساتها الحتمية على سورية
أما النظام الإيراني فمن الواضح أنه يعاني هو الآخر من الانقسام الداخلي بين مراكز القوى. فبينما يحاول الرئيس بزشكيان مع طاقمه تسويق الوجه البراغماتي للنظام، يتمسّك أصحاب النفوذ ضمن مفاصل ماكينة السلطة، خصوصاً في دوائر الحرس الثوري بالقرار الميداني، ويبدون استعدادهم للمضي في المواجهة حتى النهاية إذا ما تعرّضت مواقعهم السلطوية للخطر. وتحول هذه الأوضاع الداخلية الخاصة بقوى الصراع الأساسية بينها وبين التمكّن من حسم الأمور لمصلحتها؛ ولعل هذا ما يفسر جانباً من هذا التناوب بين التصعيد والتهدئة الذي تشهده المنطقة منذ نهايات فبراير/ شباط المنصرم. وللقوى الإقليمية الأخرى (السعودية، ومصر وتركيا) هواجسها بشأن المخطّطات التي تهدّد استقرارها المجتمعي ومستقبل مشاريعها التنموية، وتطرح أسئلة وجودية حول مصير المجتمعات والدول الهشة في المنطقة: سورية ولبنان والعراق واليمن والسودان وليبيا.
وفي جميع الأحوال، تبقى الولايات المتحدة القوة التي تمتلك قرار الحسم بفعل إمكاناتها العسكرية والتكنولوجية والمالية والإعلامية والاستخباراتية الضخمة؛ ولذلك تحاول إيران بشتى السبل الوصول إلى توافقات معها، وربما هذا ما يفسّر مقترح الرئيس الإيراني بخصوص العودة إلى مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران. كما أن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ واشنطن أخيراً كان الملف الإيراني حاضراً بقوة في مباحثاتها بين الرئيسين الأميركي والصيني؛ ولكن الأمور يبدو أنها لم تصل بعد إلى توافقاتٍ قد تقبل بها مختلف الأطراف.
وفي انتظار الوصول إلى الحل المنتظر، الذي يبدو أنه ما زال بعيداً عن دائرة الممكن المحتمل، يبقى مصير الدول الأخرى في الإقليم معلقاً مفتوحاً على مختلف الاحتمالات، خصوصاً على صعيد الأوضاع في كل من لبنان والعراق، وانعكاساتها الحتمية على سورية. فما يجري في البلدين ينذر باضطرابات مجتمعية، وانهيارات اقتصادية، وتآكل في أهلية ومصداقية وقدرة مؤسسات الدولة؛ الأمر الذي سيؤثر حتما على الأوضاع الهشة في سورية وذلك بفعل التداخل الجغرافي والمجتمعي، وقضايا الأمن المشترك. وعدم الاستقرار في هذه البلدان ستكون له تبعاته السلبية على الأمن الإقليمي وعلى الأوضاع الداخلية في دول الإقليم الأخرى التي تواجه تحديات كبرى. فالسعودية تتعرض من حين إلى آخر لهجمات حاقدة يقوم بها الحرس الثوري الإيراني وأذرعه في كل من اليمن والعراق، وتشمل تلك الهجمات الأردن والكويت والبحرين وإقليم كردستان العراق. وتركيا تعاني من صعوبات اقتصادية كبرى، رغم نجاحها في تهدئة الأمور مع حزب العمال الكردستاني، وانعكاسات ذلك على الملف الكردي في تركيا، وحتى في سورية.
ليس من مصلحة سورية الدخول في صراع مسلح جديد مع إسرائيل. وفي المقابل لا تمتلك أي سلطة سورية صلاحية التنازل عن الحق الوطني السوري
وقد جاءت خطوة الإعلان عن اتفاقية مكة بين كل من السعودية وتركيا وباكستان لتوحي بحدوث تحوّل لافت في النظرة إلى معادلات الأمن الإقليمي، فقد وجدت هذه الدول أن الحاجة تلزمها بالبحث عن خياراتٍ إقليميةٍ لحماية أمنها الداخلي، وربما هي تتابع جهود دول الاتحاد الأوروبي في هذا المجال، وتأخذها بالاعتبار. ولعل إعلان فرنسا عن استعدادها للمساهمة في الدفاع عن أمن المملكة وحماية الطرق التجارية وضمان تدفق النفط كان متكاملاً متناغماً مع هذا التوجه.
وما يهمنا سورياً ضمن هذه اللوحة الإقليمة الدولية المعقدة هو تعزيز التماسك المجتمعي الداخلي الذي لا يمكن الوصول إليه من دون مصالحة وطنية حقيقية، مكانها مؤتمر حوار وطني عام، يجمع بين ممثلي سائر المكوّنات والتوجهات الوطنية السورية. وستفتح مصالحة كهذه الآفاق أمام الجهود الوطنية المخلصة التي تسعى من أجل تحريك عجلة الاقتصاد لتخفيف الأعباء المعيشية الكبرى التي تثقل كاهل السوريين. وستوفر الشروط الضرورية لتحقيق استقرار أمني، لن يتحول البلد إلى بيئة استثمارية جاذبة من دونه. والاستقرار السوري في مصلحة لبنان والعراق، وفي مصلحة دول الخليج والأردن وتركيا. وسيقطع الطريق أمام التدخلات الإسرائيلية الاستفزازية التي تندرج ضمن إطار سياسة بث الفوضى للتمكن من التحكم. وربما من المفيد الإشارة هنا إلى أن ليس من مصلحة سورية الدخول في صراع مسلح جديد مع إسرائيل. وفي المقابل لا تمتلك أي سلطة سورية صلاحية التنازل عن الحق الوطني السوري المتمثّل في قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالمناطق السورية المحتلة من جانب إسرائيل.
بقي أن نقول: ما يُستشفّ من المعطيات والمؤشرات أن الأمور لم تُحسم بعد على مستوى إقليمنا المضطرب، وفي أجواء كهذه لا بد أن الأولوية دائماً لترتيب البيت الداخلي، وتعزيز التماسك الوطني.
المصدر: العربي الجديد






