
خيّبت نتائج الانتخابات المغربية في 23 سبتمبر/ أيلول الجاري كل آفاق الانتظار. وعكس حساباتٍ كثيرة كانت تنبني على المناخ العام الذي كان سائداً، لم تندحر الحكومة كما كان متوقعاً. وقد تصدرت الأحزاب التي شكّلت الحكومة السابقة (الأصالة والمعاصرة، الاستقلال، حزب التجمّع الوطني الذي قادها) قائمة الترتيب. وكان من الممكن أن تحصل الأغلبية السابقة على القوة العددية نفسها، لولا أن حزبيْن من داخلها خاضا حرب كسر العظام بطريقة قاسية، وجرى تبادل اتهامات خطيرة أوجدت جواً من النفور لم يجد ترجمته في الأرقام النهائية. وهكذا “يتغيّر كل شيء لكيلا يتغيّر أي شيء”، كما كتب الكاتب في “العربي الجديد” (16/9/2026).
وكانت “المفاجأة” الكبرى هي العودة القوية لحزب العدالة والتنمية، بقيادة أمينه العام والرئيس الأسبق للحكومة، حكومة الربيع العربي 2011، عبد الإله بنكيران، فقد قفز الحزب المعارض من الترتيب الثامن في انتخابات 2021 إلى الترتيب الرابع، بـ54 مقعداً برلمانياً، فمثَّل بهذا الحدث الأقوى في الحالة السياسية. ولعل مكمن القوة التي تقدّم بها الحزب الذي قاد الحكومتين المتتاليتين عقب الربيع العربي يكمن في ثلاثة عناصر أساسية: أولها أنه جسَّد بوجوده وخطابه التصويت العقابي على الحكومة، بشكل يكاد يكون منفرداً، من بين كل أحزاب المعارضة التي كانت موجودة، مع ذلك في منبر الانتقاد. علاوة على هذا، خاض الحزب معركته بخطاب منسجم، بطبقاتٍ متدرّجة من المحاججة مع الصحافيين والمؤثرين و”اليوتيوبرز”، مروراً بالسياسيين المخالفين، والوزراء ورئيس الحكومة، وصولاً إلى الشخصيات الأكثر شهرة في المحيط الملكي. وبذلك أعطى الانطباع بأنه قادر على بلورة خطاب، من طبقات متراتبة، قادر على الحضور الطاغي، الشيء الذي أشعر مناضلاته ومناضليه بأن الحزب قادر على إيجاد “جدار ناري” حولهم، ورفع معنوياتٍ كانوا في حاجة إليها بعد سقوطهم الحر في انتخابات 2021 (من 125 مقعداً إلى 13). ولعل الميزة الرئيسية، التي شاركه فيها اليسار، تمثّلت في أنه خاض المعركة بِموْرده البشري، بدون السقوط في إغراء اللجوء إلى شخصيات من خارجه تملك المال والشبكات الانتخابية الزبونية. وهو ما جعله يطابق بين الفكرة وحامل الفكرة، باعتبار هذه نقطة قوة وعنصر تميز وثبات أيديولوجي وسياسي.
كانت نسبة العزوف هي الأعلى منذ عقدين، لامست العتبة المقلقة 38% من بين المسجلين
ويمكن من خلال تحليل نتائجه ونتائج اليسار، أن نخلص إلى القول إن نوعاً من الحضور الفكري والقيمي، بل حتى الأيديولوجي قد ظهر من جديد في الحقل السياسي المغربي، باعتبار أن اليسار و”العدالة والتنمية”، كمدرستين فكريتين، قد خاضا التنافس بدون كثير براغماتية عددية تمحو بصمته في أنظار المواطنين… ومن أنصار التحليل كذلك، حصول أطياف اليسار، الاشتراكي والراديكالي والشيوعي سابقاً، على ما يعادل حضور “العدالة والتنمية”، حيث حصلت أحزاب اليسار على 53 مقعداً.
وبالرغم من الحيوية التي طبعت التنافس والحرارة التي بعثتها المواجهات، كانت نسبة العزوف هي الأعلى منذ عقدين، لامست العتبة المقلقة 38% من بين المسجلين. وباستحضار عدد البالغين سن التصويت (27 مليوناً) نجد أن المصوتين (ستة ملايين) لا يمثلون أكثر من 20%، وهو ناقوس الخطر الأكبر الذي كشفت عنه الانتخابات. ولا يمكن في أي حال القول إن اقتراع 23 سبتمبر الجاري قلّص الفجوة التي تتسع في كل استحقاق سياسي بين النخبة والمواطنين، وبين الأحزاب والمصوّتين، والتخوّف الأكبر عند المغاربة أن تتعمّق الفجوة بين المجتمع والدولة نفسها، وما يجعل باحثين كثيرين يعتبرون أن الديمقراطية المغربية تشتغل بحدودها الدنيا: ديمقراطية الحد الأدنى، تدور حول الإحصائيات والمقاعد، وبين حسابات مالية وأخرى قبلية، بدون حمولات فكرية وقيمية تصنع السياسة، اللهم في الحالتين المذكورتين أعلاه (إسلاميون ـ يساريون).
قد يكمن الحدث في التعيين الأخير، على اعتبار أن البلاد ستعين أول امرأة رئيس حكومة في تاريخها
ولكن السياق الذي جرت فيه، ومن حيث المؤسّساتية، كشف عن عناصر إيجابية، تمثلت في ثلاثة عناصر كذلك: أن المغاربة باتوا يعرفون انتخابات منتظمة، يحترم فيها الموعد الدستوري احتراماً صارماً منذ 15 سنة (الانتخابات الرابعة تحت مظلة دستور 2011). ثانياً: بات المغاربة يعرفون أن رئيس الحكومة يُعيّن من الحزب الذي تصدّر الانتخابات. ثالثاً: لم يعد هناك أي تطلع هتشكوكي، كما في السابق، إلى من سيكون رئيس الحكومة. وهو تحول يدين به المغرب والمغاربة إلى الزعيم الاشتراكي الراحل عبد الرحمن اليوسفي وحزبه (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية)، إثر ما وقع في 2002، مع بداية العهد الجديد، وقتها تصدّر الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الاقتراع، ولكن الملك اختار تعيين التكنوقراطي إدريس جطو وزيراً أول، فرفع اليوسفي، رحمه الله، شعار “المنهجية الديمقراطية” التي جرى تضمينها في دستور 2011.
إذن، جرت الانتخابات في سياق نوع من الاستقرار، ومعرفة قواعد اللعب، التي كانت سابقاً تخضع للمزاج العام وتقلبات التوازنات بين الفاعلين، كما لم يعلن أي حزبٍ سياسي طعناً سياسياً، أو يعلن المتضرّرون منها أنهم غير معنيين بالنتائج أو بالمسلسل الذي يترتب عن هذا. وينتظر المغاربة تعيين شخصية من حزب الأصالة والمعاصرة، ما بين الحصان الأبيض، فوزي لقجع، ومنسقة الحزب، فاطمة الزهراء المنصوري عمدة مراكش ووزيرة التعمير. قد يكمن الحدث في التعيين الأخير، على اعتبار أن البلاد ستعين أول امرأة رئيس حكومة في تاريخها وإن سبقتها مغاربياً تونس، في حين تبقى التشكيلة موضع توازنات أخرى. قد تعود الأغلبية إلى قيادة الحكومة، وفي هذا ستكون الشارة سلبية، وتكون الانتخابات مجرّد إعادة ترتيب لأحزابها في ما يشبه التعديل الحكومي أكثر منه اقتراع سياسي قوي، في حين تميل قراءاتٌ إلى ضرورة تقوية الحكومة والحزب المتصدّر، بحلف يضم “الكتلة الديمقراطية” (“الاستقلال”، و”الاتحاد الاشتراكي”، و”التقدم والاشتراكية”)، لرفع مستويات النقاش والتوازن بين الحكومة والبرلمان، والذي اختلّ في التجربة السابقة.
ومع هذا، تظل التكهّنات سيدة الموقف، حتى تعيين الرئيس أو الرئيسة والشروع في المفاوضات، بين الأحزاب التي لم تعلن تموقعها في المعارضة إلى حد الساعة، عكس “العدالة والتنمية” واليسار، وموقفهما سيكون له أثر في اختيارات تشكيلة الجهاز التنفيذي… بطريقة مباشرة.
المصدر: العربي الجديد






