
مشهدان. الأوّل: كان أمام مكتبة مدبولي وسط القاهرة منذ 20 سنة إلّا قليلاً، وكان الفنّان محيي إسماعيل، علّه في الستين أو أكثر قليلاً، وكان في فتوة عزلته وقوّته الجسدية مثل هرقل. وكان في حينه كأنّ كلّ كاميرات العالم ترصده وهو يدخل ويخرج من مكتبة مدبولي في مباهاة مختلطة في جنون عظمة واستعراض رائق، كأنّه كان يقول للعالم والهواء: هل من مبارز؟ ثمّ يدخل المكتبة ويخرج، ولم أرَ ساعتها كاميرات من أيّ نوع، كأنّه كان مخبولاً بوجودها وهي ترصده من بعيد بعدستها. كان في كامل هندامه وفتوته، كأنّه كان ذاهباً بعد دقائق إلى عرس مع أميرة من أميرات بلاد الغال، وكان لا ينظر إلى أيّ أحد، ولا يحدّق في عيون أحد. كان يتباهى فقط بدخوله وخروجه من المكتبة، كأنّه لا يرى أيّ شيء سواه، ولا حتّى الحاج مدبولي.
كان كحصان مَلَكي لا يعجبه مكان السباق، وكان مجلّلاً بالجمال والفتوّة بعد الستّين في تلك الأيام التي تداولت الصحافة فيها أنّه سيمثّل شخصية الرئيس معمّر القذّافي، كأنّه كان يرى العالم كلّه ينظر إليه ويحدّق فيه، فيدخل مكتبة مدبولي ثمّ يخرج سريعاً من دون أن تحسَّ من أعينه أنّه ينظر إلى أيّ مخلوق أمام المكتبة. كان كأنّه يُعاين مخرجاً عالمياً هناك يحضّر لمشهد له وهو وراء الكاميرا، والبطلة هناك في الكواليس تنتظره. كأنّه كان يعاند المصوّر والمُخرِج ويخرج ويدخل مكتبة مدبولي كحصان مَلَكي وبقميص استعراضي يلفت الأنظار في الشكل والتفصيل.
المشهد الثاني لا يختلف كثيراً سوى أنّه في الكرسي المتحرّك في دار للفنّانين المسنّين، بعدما كبر وظهرت عليه علامات العجز واضحةً، وهو في زيّ أسطوري أيضاً من أزياء إسماعيل أو توفيق من أسرة محمّد على باشا. الدار كلّها كانت سعيدةً بحضوره بالكرسي وبالتودّد إليه، بمن فيهم الممثّلون وطاقم التمريض والضيوف على المشهد، وكان لا يتناسى عظمته وجنونه أبداً، ولكن في عجز ما، لكنّه عجز لا يلين ولا يستعطف أيّ أحد كان، أو يتوسّل، كأنّه كان يقول بصمت أنا هو كما كنت، وكما سأكون حتّى آخر نفس.
كان في هذه المرّة قد تجاوز الثمانين من عمره، ويجلس على الكرسي المتحرّك وسط حفاوة الجميع به كبيراً وصغيراً، كطفل مدلّل من الجميع، وهو في ثوب قشيب ومطرز كأثواب كبار المماليك. لم تفارقه النجومية وكأنّه يمسكها بين يديه فوق الكرسي المتحرّك، وتعليقاته سريعة البديهة، حتّى إنّه ردّ على أحد الحضور حين سأله “أنت كويس؟”، فقال: “أحسن منك”.
وحينما بدأ الحضور بالغناء له، كطبيعة هذه الحفلات في دور المسنين، غيّر الغناء إلى طبقة غريبة ومزاج غريب وكلمات مهجورة، وكأنّه يغنّي لروحه من خارج السرب، ولا يكون محلّ عطف حتّى في الغناء. وأنهى الغناء بضحكة مجلجلة فيها ما فيها من المرارة والسخرية والعزّة بالنفس، وكأنّه يقول للجميع: “على الرغم من أنّني في دار للمسنين، فأنا أيضاً خارج السرب حتّى لو كان الاحتفال بي شخصياً”. إلّا أنّ العجز يظهر في ثنايا الملابس وتعبيرات العين فوق الكرسي، على الرغم من طيلسان الثوب القشيب؛ عجز الإنسان حينما يصبح قليل الحيلة، حينما ينظر حوله فلا يرى منتجاً ولا فيلماً ولا بطلةً ترحّب به أمام الكاميرا أو في الكواليس، ولا جمهوراً يراه هناك في ميدان طلعت حرب.
حينما يحلّ التعب في آخر العمر، يجلس الفنّان فوق كرسي متحرّك، أو يجلس هكذا في مقهى زجاجي بنظّارة سوداء يتأمّل بقايا عطف العيون من نظراتها من وراء زجاج المقهي الشهير في وسط البلد. أتذكّر أنّني قرأت لأحد أصدقاء المطرب عبد العزيز محمود، بعدما كبر وتهدّل جسده ولم يعد أحد يعرفه من جلسته، لأنّ الأيّام مرّت عليه قاسيةً وأليمةً، وهو الذي كان نجم أفراح الصعيد والدلتا ولياليها في بيوت العمد والبكوات. فحينما جلس بحكم العادة، لم ينظر إليه أحد، وسأل أحد الأصدقاء: “معقول كلّ الناس نستني كده مرّة وحده؟”.
كان حال محيي إسماعيل غير هذا تماماً، كان يسخر بطريقته من دون أن يحمل عجزه فوق كفّيه، وكأنّه في عزّ فتوته، وكأنّ القاعة كلّها جاءت من أجله، والاحتفال أصلاً لا يهمّه في شيء، ولكنّ الصحّة تقول ما لا يقوله الفنّان.
المصدر: العربي الجديد






